Thursday, Rabiʻ I 1, 1448 AH · Aug 13, 2026

Preserving the Prophetic ﷺ tradition for every generation

favorite Support This Mission
logo

Hadith Nabawi

logo

Hadith Nabawi

    SearchBooksTopicsNarratorsTerminologyAbout
person Sign in

About

  • Our Mission
  • Methodology
  • Team
  • Contact

Resources

  • FAQ
  • Book Catalog
  • Narrator Database
  • Topics

Contribute

  • Become a Translator
  • Report an Error
  • Donate
  • GitHub

Legal

  • Terms of Use
  • Privacy Policy
  • License

Follow Us تابعنا

fin@X

Daily Hadith, scholarly articles, and updates from the team.

© 2026 Hadith Nabvi Platform · A project by Learning SoulsHadith e Nabawai (PBUH)
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول

Nawadar Al Asool Fi Marfa Al Hadith Al Rasool

1,631 Hadith302 Chapters
Read Book arrow_right_alt
IntroductionChaptersHadithsNarratorsAuto Biography

Chapters

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول #1464

نا عبد الله بن أبي زياد، قال: نا سيار، قال: نا جعفر بن سليمان، قال: سمعت فرقد السبخي يقول: قرأت في التوراة: من أصبح حزيناً على الدنيا، أصبح ساخطاً على ربه، ومن تضعضع لغنيٍّ، ذهب ثلثا دينه، ومن نزلت به مصيبة، فشكاها إلى الناس، فإنما يشكو ربه.فهذا رجل قد زاغ قلبه عن الله، فضل في مفاوز الحيرة، والفرح بأحوال النفس في مروجها وغياضها، فإذا اضطرم عليها نيران الحرص، امتلأ الجوف، من دخانها، حتى يصير الصدر كالليل الدامس، وتعمى بصائر نفسه، حتى يصير في أحوال النفس كالأعمى الذي يتقي الأشياء بيده، وبالمس، والفرح بأحوال النفس له سلطان يميت القلب، ويحيي النفس، وتهتز الشهوات بتلك الحرارة في كل شيء، يستحيي من الخلق، ولا يستحيي من خالقه؛ كما قال في تنزيله: {يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول}.وله حلاوة تسكرك عن الله، فالسكران متى يعقل من معه؟ وله برد كبرد السم يدب في العروق إلى مخ الأعظم، حتى يحذرك عن الإيمان بالله، فيصيرك كأنك خالٍ عنه، ويشتمل على روحك حتى ينسى روحك معدنه ومسراه، وينفذ إلى طبع النفس وثقلها وكدورتها، وله لذة تلهيك عن الله، وعن يوم الميثاق، ويوم الميعاد لوفاء الميثاق، وله قوة تقيمك على البغي، والبغي سيف الروح، ومحق النفس، وله أشر يطغيك، فإذا أنت طاغٍ باغٍ، وله بشرى وآمال كاذبة، وأماني خادعة غرارة، تهيم فيها هيمان المحتلم، يثب على كل مفروح في الدنيا وثبان المحتلم في منامه على جارية قد عشقها، فإذا انتبه، وجد نفسه عما وثب عليه خالياً، وفي فراشه بائلاً.فويل للفرح هكذا بهذه الصفة، كيف يمشي مكباً على وجهه في طرقات الدنيا ومزابلها يلتمس أفراحها، قد تولى عن الله، وأقبل على نفسه ودنياه، يخرب دينه، ويعمر نفسه، كيف ينتبه ويفيق من سكرته يوم يدنو منه رسول ملك الملوك لقبض روحه، ويعرج به إلى الله تعالى؟! كيف يجد نفسه خارجاً من أفراح النفس ودنياها، ويقدم على ربه جنباً، قد بال في دينه، وعبودته لربه، وراث فيها كروث الحمار، الذي قد حمل عن الله أسفاراً على ظهره من قبل أن يتطهر بماء الندم.فالكيس: نظر إلى هذا الحال، فاقشعر منه، ورجع إلى نفسه، فوجدها كريمة، حرة من الحرائر، تنقاد وتسلس بلا كزازة، فقام على الساق متشمراً في تصفيته قلبه، وتطهيره، التطهير؛ ليرق، والتصفية؛ ليجلى؛ فإن المرآة إذاجليت، فقابلها نور الشمس، تولد من بينهما إشراق يضيء البيت منه، فكذلك القلب إذا جلي، ثم لاحظ نور الملكوت، أضاء الصدر، وامتلأ من شعاعه، فأبصرت عينا الفؤاد باطن أمور الله تعالى في خلقه، فذاك ظاهر إيمان القلب، حتى أداه ذلك إلى ملاحظة نور الله، فإذا قابله نور الله، تولد من بينهما إشراق يمتلئ الصدر منه، وتبصر عينا فؤاده باطن الملكوت، فذاك باطن إيمان القلب، فذاك قلب قد استكمل الزينة والبهاء بما سبق من الصفاء والطهارة، فصار قلبه موضع نظر الله من بين خلقه، فكلما نظر إلى قلبه، زاده به فرحاً؛ لأنه ازداد به فرحاً، وله حباً، وعليه عزاً، ومنه قرباً، واكتنفه بالرحمة في ملك الرحمة.

فَرْقَدٍ السَّبَخِيِّ ← جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، ← سَيَّارٌ ← عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · المجلد السادس · Hadith 1464

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول #1465

Mozu

نا صالح بن محمد، قال: نا سليمان بن عمرو، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن لله في الأرض أواني، ألا وهي القلوب، فأحبها إلى الله: أرقها وأصفاها، وأصلبها: أرقها للإخوان، وأصفاها من الذنوب، وأصلبها في ذات الله)).

سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، ← أَبِي حَازِمٍ ← سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرٍو ← صَالِحِ بْنِ مُحَمَّدٍ

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · المجلد السادس · Hadith 1465

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول #1466

Sahih

نا حفص بن عمرو، قال: نا محمد بن القاسم الأسدي، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بنحوه.وفي رواية ابن المبارك: عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير زيادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله لا ينظر إلى صوركم، ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، فمن كان له قلبٌ صالحٌ، تحنن الله عليه)).فإنما يصلح القلب إذا سكنت النفس بشهواتها، والهوى بجنوده، واطمأن القلب أميراً مؤمراً على الجوارح نافذاً سلطانه، فعندها يحتظي العبد من اسمه الحنان، فإذا تحنن عليه، وجد القلب ريح الرأفة، فيزداد طمأنينة إلى ربه، واهتاجت آماله.فبالآمال يأخذ في السير إليه دؤوباً دؤوباً، فعندها تظهر الكنوز، فإذا استغنى القلب بالكنوز، وصل العبد إلى زينة الأعمال، وإنفاق الكنوز بمحاسن الأخلاق، ومحمود الفعال.فعندها يصير القلب موضع نظر الله تعالى، وتصير حركات جوارحه عظيمة هناك، فعندها ينظر الله إلى قلبه، وإلى أعماله، حتى إذا وقع في القبضة، فهناك بلغ المبلغ الذي يقع في نظرة الله إلى جنته.

خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، ← ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، ← مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْأَسَدِيُّ ← حَفْصُ بْنُ عَمْرٍو،

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · المجلد السادس · Hadith 1466

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول #1467

نا عيسى بن أحمد العسقلاني، قال: نا المؤمل بن عبد الرحمن الثقفي، قال: نا عباد بن عبد الصمد، عن أنس بن مالك، قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! أي الأعمال أفضل؟ قال: ((العلم بالله))، ثم أتاه فسأله، فقال مثل ذلك، فقال: يا رسول الله! إنما أسألك عن العمل؟ قال: ((إن العلم ينفعك معه قليل العمل وكثيره، وإن الجهل لا ينفعك معه قليل العمل ولا كثيره)).قال أبو عبد الله رحمه الله:فالعلم ثلاثة أنواع: علم بالله، وعلم بتدبير الله وبربوبيته، وعلم بأمر الله.وروي لنا عن عيسى بن مريم عليه السلام: أنه قال: العلماء ثلاثة: عالم بالله ليس بعالم بأمر الله، وعالم بأمر الله وليس بعالم بالله، وعالم بالله عالم بأمر الله.كأنه جعل عيسى صلى الله عليه وسلم العلم بتدبيره، وربوبيته، مع العلم بالله علماً واحداً، فإنما صيرناه ثلاثة أنواع: أردنا أن يتميز عند من لا يعقل علم الله من علم التدبير؛ لأن علم التدبير للعباد، وهو داخل في باب العبودة.وعلم الله: هو الثناء الذي يظهر على الألسنة من بساتين القلوب، فالعلم رأس كل أمر، وخلق الله الخلق أصنافاً وألواناً، ثم أعطى كل شيء علمه الذي ينبغي له، فبالعلم يعرف ربه، وبالعلم يعبد ربه.وهو جواب موسى صلى الله عليه وسلم لفرعون حيث قال: {فمن ربكما يا موسى. قال ربنا الذي أعطى كل شيءٍ خلقه ثم هدى}؛ أي: أعطاهم خلقهم، ثم هداهم من خلقهم، ومن كونهم، ومن قواهم.فالهدى: هو العلم الذي أعطى كل شيءٍ خلقه حتى هداهم إلى نفسه،فالعرش ومن دونه إلى الثرى، وما بين الحدين في الجو العلى، وفي الهوى إلى حدوده السفلى، كلهم أعطاهم خلقتهم، ثم عرفهم نفسه، وهداهم.فالعلم جملة، والمعرفة تمييز الجملة، فالهدى: إيجاده إياهم بالقلوب على طريقه، فإذا هداهم، اهتدوا، فقصدوه بالقلوب، واستقرت النفوس له بالعبودة استسلاماً، فخلق كل شيء، ووضع فيه الحياة، وأعطاه العلم به، واقتضاه القنوت له، فقال: {وله من في السماوات والأرض كلٌّ له قانتون}.فالقنوت: الركود بين يديه في مقامه الذي أقامه، فخلق المكان، فركد بين يديه، ثم خلق الهواء، فركد في المكان بين يديه، ثم خلق العرش في الهواء في مكانه، فركد، ومن تحته الكرسي في مكانه، فركد، ومن تحته هواء عليين، فركد، ومن تحته السماوات والأرضون، فركدن، لا تزول، ولا يميل واحد من هذه الأشياء عن حده الذي حد له قيد شعرة يميناً وشمالاً، بل الكل راكد في حده.وكذلك البحار، والليل والنهار، والشمس والقمر، والنجوم، والرياح، والحر، والبرد، والظلمة، والنور، وأمم الأرض والخلق، والخليقة، فكل شيء من هذه الأشياء قد أعطاه خلقه، وهداه إليه؛ حتى يعلمه، ويعرفه، فيعبده.وخلق اللوح من قبل، فوضع فيه علم ما هو كائن إلى أن تنقضي الدنيا، وخلق دار الثواب، ودار العقاب: بساتين وقصوراً محشوةً بالرحمة، وسجوناً محشوة بالسخط والغضب سوداء مظلمة، ثم بدأ خلق آدم عليه السلام، وذريته، فجعل الأشياء سخرة للآدميين، ووضع فيها تلك الأشياء التي فيها منافع الآدميين وقوام معاشهم، وأعطاهم علم إخراج ذلك إلى الآدميين بمقدار معلوم، ووزن معلوم، في وقت معلوم، وفي موضع معلوم.فالعرش مقصد القلوب، والسماوات ظلال أبدانهم، وموضع أرزاقهم، وتدبير أمورهم، بما فيها من الشمس، والقمر، والنجوم، والرياح، والحر، والبرد، والليل، والنهار، وما في الأرض كلها سخرة لبني آدم، فهم كلهم إلى الثرى مسخرون، موكلون بإخراج ما وضع فيهن من المنافع إلى الآدميين، فأعطاهم العلم على قدر ذلك من الحاجة إلى إخراج السخرة إليهم، وخلق الآدميين للخدمة، ووضع فيهم أنواره؛ لتخرج الخدمة لله من باطنه.فالحاجة بالآدمي إلى العلم بالله حسبما له خلق، فانظر كم بين السخرة والخدمة! فالسخرة لنا، والخدمة لله.فلو أن أحدنا أقيم لخدمة ملك من ملوك الدنيا؛ لعظم شأنه، واحتاج إلى علم كثير، وأدب عظيم، وكياسة متداركة حتى يصلح لخدمته، وإلى دوام القيام بين يديه ماثلاً ليله ونهاره، حتى لا يضيع شيء من خدمته، فكيف بمالك الملوك، ورب العزة وإله العالمين؟.فعلى حسب ذلك الذي خلقنا له أعطانا من العلم، فأوتينا من العلم ما لم يؤت أحد، وعجزت الملائكة عن ذلك العلم، وقالت: {سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا}، فعندها قال: {يا آدم أنبئهم بأسمائهم}.فعندها ظهر علم الآدميين على علم أعلى الخلائق في المكان، وهم الملائكة؛ لأنا خلقنا لما لم يخلق هؤلاء، فهؤلاء للسخرة لنا، وللوكالة لإخراج المنافع إلينا؛ لنقيم عبودته بأركاننا بقوة تلك المنافع، ولنمثل بقلوبنا بين يديه على مثال الخدم لا تبرح قلوبنا من بين يديه، فلو لم تصل هذه المنافع إلينا من قبل المسخرين الموكلين بنا، لشغلت النفوس منا بحوائجها وضروراتها، وصرفت إليها قلوبنا، فيزيلها عن مقاومها، ولا تكاد تثبت، فخلق لنا ما في الأرض، وسخر لنا ما في السماوات.ثم أنبأنا ذلك في تنزيله، فقال تعالى: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ثم استوى إلى السماء}، ثم قال: {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه}.فأجمل في هذه الآية علم ما ذكرنا مفصلاً، فإذا انقضت المدة مدة الدنيا، رفعت العبودة، وذهبت السخرة، فأعيد من خلق من التراب إلى التراب، ومن خلق من النار والنور رجعا إلى معادنهما، فانقطعت المنافع؛ لأن العبودة قد انقضت، ومن أجل ذلك سخرت لك، فعندها تستقبلك منافع لا تنقطع في دار السلام، أو مضار لا تنقطع في دار الهوان، فإما ملك محبور، وإما عبد آبق مقهور مدحور، فأوتي هؤلاء علم السخرة، وأوتينا علم الخدمة؛ لأنهم لذلك خلقوا، ونحن لهذا خلقنا، فميز بين العلمين علم السخرة وعلم الخدمة.ولما أحست الملائكة خلق آدم، ماجت بعضها في بعض: ما هذا الخلق الذي لم نر مثله؟! فقالوا في أنفسهم: نحن أفضل، فلما قال لهم: {فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين}، برزت لهم فضيلته، فعلموا أنه قد جاء من هو أفضل منهم، فأقروا له، ثم قالوا: لن يخلق أعلم منا، فكشف الغطاء عن خلقه، وعرضهم عليهم، وقال:{أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين}، فعجزوا، فأوتي آدم علم الأسماء، وقيل له: {قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم}.فعلموا هنالك أن قد جاء الأفضل، والأعلم، والآثر، والأخص، فبرز آدم بعلم الأسماء على الملائكة، وعلم الأسماء ينبئ عن مكنون الأشياء؛ لأنها سمة الأشياء، فصار العلم منه وراثة في ولده، والخدمة لهم إلى آخر المدة، فمن فهم هذا، تحير قلبه في هذا، وقال: كيف لي بالقيام بخدمة ربي؟.فلما نال العلم بالله، والعلم بتدبير الله، يسرت عليه الخدمة؛ لأن هذين النوعين يهديانك إلى الخدمة، فعندها تقف خادماً لربك، فإذا وقف قلبك في مقام الخدمة، قام بعلم الأمر والنهي، وثبت، فعندها أمكن العبد الائتمار بأمر الله، والتناهي عن نهي الله، دق أو جل، فاستوجب الحفظ من الله، والثبات في تقلبه في الأمور.قال له قائل: ما الخدمة؟ وما علمها؟ وكيف لنا بأن نعلمها؟.قال: أما الخدمة: فالقنوت بقلبك بين يديه، مائلاً منتصباً كالمتشمر في قراطق الخدمة، مخفاً مبادراً، مسارعاً، مسابقاً، مركبك في جميع أمورك الحب لله.وأما علم الخدمة: فعلم البساطين.قال له قائل: وما البساطان؟قال: بساط القدرة، وبساط العبودة.وإذا طالعت بساط القدرة بعقل وافر، ثم طالعت بساط العبودة بكياسة وجد وحزم، أدركت تدبيره في العبودة، وباطن أمره ونهيه، وعلل التحليل والتحريم، ثم لماذا أحل؟ ولماذا حرم؟ فبعلم بساط القدرة تملك نفسك، وبعلم بساط العبودة تملك جوارحك، وخواطر قلبك، فلم يقتض الله العباد شيئاً لم يعطهم، فالأشياء كلها من عند الله.كان الله ولا شيء، فبسط بساط الربوبية من باب القدرة، وبسط بساط العبودة من باب العظمة، ثم كان آخر خلقه هذا الإنسان الذي بسط له هذين البساطين، فابتدأ خلقه من التراب، وجمع ترابه بالماء فعجنه، وصوره، وركب جسده، وجعله أجوف، ثم وضع فيه الروح، والنفس، والحياة، والقوة، والعلم، والمعرفة، والذهن، والفهم، والفطنة، والرأفة، واللطف، والحب، والفرح، والغضب، والسخط، والحفظ، والعلم، والعقل، والحلم، والكياسة، والبصر، والشهوة، والرحمة.ثم اقتضاه استعمال ذلك كله، وإبرازها من باطنه إلى ظاهر جوارحه، فتكون أعمالاً، عليها يثاب ويعاقب، وفتح لعيني قلبه طريقاً إلى المظهر للمعاملة؛ ليقبض منه أرزاقه وعطاياه، وما يدر عليه من رحمته ومن ربوبيته، وخلق العدو، وأعطاه السبيل إلى أجوافنا، فيجري في عروقنا، ومسكنه في صدرونا، وجعل جنده وعظم قوته في الهوى، والهوى يثير الشهوات، والشهوات دواعي الآدمي إلى مكامن العدو وغروره، فمن لم يعطه روحاً أو قوة، أو علماً أو ذهناً أو شيئاً من هذه الأشياء، لم يقتضه ما يخرج له من ذلك الشيء.كما أنه لو لم يعطك القامة، لم يقتضك الصلاة قائماً، ولو لم يعطك القوة، لم يقتضك الصوم، ولو لم يعطك المال، لم يقتضك الزكاة، ولا الحج، ولو لم يعطك الكسوة، أجزأ عنك الصلاة عرياناً، ولو لم يعطك الماء، أجزأ عنك التيمم.فكذلك ما في باطن كل شيء، لو لم يعطك، لم يقتضك استعماله، وإبرازه عنك، وكل شيء أعطاكه، ووضعه فيك، فإنما أعطاك لتبرزه،فتكون بذلك محموداً على ما وضع فيك، ناشراً في خلقه جماله ومحاسن فعاله، وتكون عليه مثاباً مكرماً، فإذا منعته إبرازك إياه، فقد ظلمت نفسك، وضيعتها، وضاعت عنك الأشياء التي وضعها فيك، والقلب أمير على الجوارح، وأصل الحياة في القلب، والروح معلق بالوتين، وهو عرق القلب، والحياة في الروح، فكلما زيد من الحياة، حتى علمه ومعرفته، وانبسط ذلك العلم في الصدر، وتميزت الأشياء، وتدبر العقل في صدره، فميز الخير من الشر، والعلم قبوله إلى الذهن، والتمييز والتدبير إلى العقل، فجعل للقلب عينين، وجعل لهما طريقاً إلى المظهر، وهو العرش.ومد بصر عينك إلى المظهر نور العلم بالله، والمعرفة لله، حتى يرجع بصرك إلى صدرك بعلم غزير، وأمور مسفرة تعلم كنهها وكيفيتها، ووضع الشهوات في الجوف، ففوران الشهوات لها دخان وغيوم؛ لأنها من باب النار، وجالبها وناقلها الهوى، فإذا صارت إلى الصدر، صار الصدر كيوم مغيم، قد حال بين نور الشمس وبين عينك، فإلى أين تهتدي؟ وأين طريق تسلك في ذلك الغيم؟ وأي بئر تتوقى حتى لا تتردى فيها؟ وأي أرض مشاكة تتجنبها حتى لا تقع فيها؟ وأية مزبلة تحيد عنها حتى لا تتلوث في أقذارها؟فإذا سكنت الغيوم، وذهب الفوران، وبرزت الشمس، وأشرقت، اهتديت الطريق، وتجنبت الآفات؛ لأنها صارت رأي العين، فإذا ذهبت الغيوم، ورميت ببصر العين التي على الفؤاد، امتد البصر إلى الذي جعل لك الطريق إليه، فجلت ببصر عينك في ملكوت العرش، فرجعت إلى القلب بالعجائب من تلك المشاهد، ووقفت على تدبير عظيم من أمر الله في شأنك، فكل حركة ظهرت منك، فإنما تحركها الحياة، فكل حركة ظهرت منك بغير ذكر الله، فقد فاتتك من الخدمة بقدرها وبقسطها من فقد ذكر الله إياك.ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس يتحسر أهل الجنة على شيءٍ إلا على ساعةٍ مرت بهم لم يذكروا الله فيها)).

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول #1468

نا بذلك عمر بن أبي عمر العبدي، قال: نا سليمان بن شرحبيل الدمشقي، عن يزيد بن يحيى الصباغ، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنه ليس يتحسر أهل الجنة على شيءٍ، إلا على ساعةٍ مرت بهم لم يذكروا الله فيها)).

مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ← جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ ← خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، ← ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، ← يزيد بن يحيى الصباغ، ← سليمان بن شرحبيل الدمشقي، ← بذلك عمر بن أبي عمر العبدي،

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · المجلد السادس · Hadith 1468

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول #1469

نا حفص بن عمرو، قال: نا محمد بن بشر العبدي، عن عمر بن راشد، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((سيروا سبق المفردون)) قالوا: يا رسول الله وما المفردون؟ قال: ((الذين اهتروا في ذكر الله يأتون يوم القيامة خفافاً يضع الذكر أثقالهم)).

أَبِي هُرَيْرَةَ، ← اَبِیْ سَلَمَۃَ ← يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، ← عُمَرَ بْنِ رَاشِدٍ ← مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِیُّ ← حَفْصُ بْنُ عَمْرٍو،

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · المجلد السادس · Hadith 1469

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول #1470

نا الجارود، قال: نا أبو خالد الأحمر، عن الحجاج بن أرطاة، عن أبي جعفر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أشد الأعمال ثلاثةٌ: ذكر الله على كل حالٍ، ومواساة الأخ في مالك، والإنصاف من نفسك)).فأدوم الناس على الذكر أوفرهم للخدمة، وليس عليك في وقت الانقطاع لوم؛ لأنك لا تقدر على مداومة الذكر مع كل طرفة ومع كل نفس، إنما هذا للملائكة الذين عروا من الشهوات، وخلقوا مجبورين على ذلك، فأرواحهم وقلوبهم وعقولهم معلقة بالعظمة هائمة، لا يشغلهم شيء، فلذلك صارت أنفاسهم تسبيحاً وذكراً، وأنفاسنا عبودة وخدمة، فإذا خرجت فإنما يخرجها من النفس التي هي مشغولة بالشهوات والضرورات، فلا يقدر على ما قدرت عليه الملائكة؛ لأن الحر، والبرد، والجوع، والعطش، والآلام آفة الجسد التي خلقت في الدنيا تشغلنا وتولهنا، فرضي منا تبارك وتعالى أن يكون ذكره منا في استعمال كل حركة، لا مع كل حركة، وذلك الجوارح السبع الكواسب للخير والشر، وهي: السمع، والبصر، واللسان، واليد، والقدم، والبطن، والفرج.فإذا ذكرنا مع تحريك كل جارحة، ذكرناه بخير يرضى به، وذكرناه بنعمة تلك الجارحة علينا، فهذا ذكر درجات يترقى بها العبد إلى ربه، حتى يبلغ منازل المفردين الذين أهتروا في ذكر الله، الذين وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه، فهذا للسابقين المقربين الذين يدوم ذكرهم على كل حال؛ لأن قلوبهم قد ملكتها عظمة الله، وسبتها محبة الله.فأما من دونهم، فإذا حرك جارحة من هذه الجوارح السبع بتلك الحياة التي فيها، فإنما يحركها بالقلب، والقلب أمير، وذاك التحريك منه استعمالٌ لها، فإذا قصد للخير، فإنما يقصد لذكر الله، وإياه أراد، وإذا قصد الشر بما دعاه إليه الهوى والشهوة، فقد حاد عن الله، واستعمل إمارته في طريق الجور، فجار على جوارحه، وظلم نفسه؛ حيث أرداها، وأوجب لها النار، وحرمها ثواب الله بالحركات التي ذكرنا أولاً التي خرجت من أركانه من غير استعمال لها بقلبه مع كل نفس، ومع كل طرفة، فتلك حركات لا تبعة عليه فيها؛ لأنها حركات الحياة، ليس فيها أمر ولا نهي؛ مثل: نظرة الفجأة؛ لأن عينيك مفتوحتان، فليس عليك تبعة في وقوع بصرك على الأشياء حتى تستعمله بقلبك، وكذلك تقلبك في مقعدك من قبض يد، وبسط، واتكاء، واحتباءٍ، وأشباه هذا مما لا يمتنع منه الآدمي من الحركات، فهذه حركات تظهر منك في ساعات تمر بك.فإن كان قلبك غافلاً عن الله تعالى، فكانت خدمة قد فاتتك، وثوابقد ضاع عنك، المنعم يجري عليك رزقه، ويذكرك بإدرار نعمه عليك، وقد ضيعت في ذلك الوقت الخدمة، فهو في ذكرك، وأنت عنه في غفلةٍ، فإن لم تتبع بالتبعات، فقد لحقتك الحسرة التي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وإنما يتحسر في الجنة من تلك الساعة)).لأنه قد انكشف له الغطاء عما أوجب الله له في وقت ذكره في تلك الساعات التي ذكر فيها؛ لأن ثواب عمل الأركان من قصور الجنة، وأنهارها، ونعيمها، وثواب الذكر من فرح الله بالعبد، وحبه له، وتقريبه، والبسطة منه، والبر له، وما لا يوصف من هذا الباب أكثر من أن تحتمله القلوب في الدنيا.فالمسخرون: قد عملوا أعمالهم، وأوصلوا منافع السخرة إلى هذا الآدمي، وضاعت الخدمة عن الآدمي بقدر ما غاب عن قلبه ذكره، ولو طرفة أو لحظة، وذلك موضوع عن الآدمي؛ لأنه لا يملكه؛ لأنه خلق عجولاً ونسياً وخطاءً، مشغولاً بالشهوات، مبتلى بها، وخلق في غيب، والملائكة خلقت في جهر، وكشف الغطاء، ينظرون إلى أنوار العظمة، وأمور منكشفة الغطاء، وعروا من الشهوات، فلذلك قدروا على دوام الذكر، وصارت أنفاسهم تسبيحاً؛ لأن أنفاسهم تخرج من النفس التي بها تعلقت قلوبهم وأرواحهم وجميع أجسادهم.والآدمي منقسم خلقه على: قلب، وروح، وشهوة، فلما خلق الله خلقنا هكذا، رحمنا، وعطف علينا، فأعطانا في القلوب من العلم به ما أنبأنا في كتابه أن الملائكة عجزت عن ذلك العلم، وقالوا: {سبحناك لا علم إلا ما علمتنا}، وقال لآدم: {أنبئهم بأسمائهم}.ومد أبصار قلوبنا إلى المظهر؛ لمطالعة ما أظهر على المظهر، فالملائكة يطالعون بعيون أجسادهم ما تحت العرش، وقلوب الآدميين تطالع ما وراء الحجاب من عظائم الأمور التي لا تدور الألسن بذكرها، فيعطي في تلك المشاهد والمجالس من الفضل والرحمة والكرم ما يعدل به فوائد خدمتهم التي فاتتهم مع كل نفس؛ لاشتغالهم بالشهوات والضرورات؛ ليقدموا يوم العرضة عليه بأنوار، وبأعمال تعجب الملائكة منها، فيستنطقهم الرب تعالى، فيثنون عليه بالثناء الذي يبهت الملائكة من غزير علومهم بالله؛ فإن مراتب العلوم تظهر في المنطق إذا أثنوا عليه ومدحوه، فإنما يستنطقهم على رؤوس الملأ؛ ليعلم الملائكة أين بلغت قلوبهم من مراتبها في تلك الحجب، فيعلم هناك أنهم كانوا في أداني المملكة في الأرض مع وساوس الشيطان، ووساوس النفس معالشهوات، أدركوا هذه العلوم حتى يمدحوا ربنا بهذه المدائح، ويصفوه بهذه الصفات.ونحن هاهنا معرون من الشهوات، مبرؤون من وساوس الشياطين في أعالي المملكة، فإنما يثنون أولئك يوم القيامة على الله على منابر النور بين يديه بتلك الأسماء التي عرضها على الملائكة، فقالت: {لا علم لنا}، فقال لآدم: {أنبئهم بأسمائهم}.فركب في صدره مرآةً، وعلمه كلمةً هي أصل الأسماء حتى حزر الأسماء أسماء الله تعالى، ثم أسماء خلقه، فنطق بها، وعينا قلبه تنظران في تلك المرآة، فورث أنبياء الله، وأولياؤه، ونجباؤه من ذرية آدم تلك المرآة؛ لما طهروا صدورهم، ونقوها من العلائق وغيوم الشهوات، فرأوا فيها سمات الأشياء، فظهر فيها علم تلك الكلمة التي هي أصل الكلمات، فهامت قلوبهم في بحر علم الله، وهم الذين ينصب لهم بين يدي الله منابر من نور، وإن ثيابهم نور، ووجوههم نور، يغبطهم النبيون والشهداء؛ لمكانتهم وقربتهم من الله، ينطقون بالثناء على الله، وهم قرة عين محمد صلى الله عليه وسلم في الموقف، وخلفاء رسول الله بعد المقام المحمود.

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول #1471

نا صالح بن محمد، قال: نا عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن أبي مالك الأشعري، قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((يا أيها الناس! اعقلوا، واعلموا أن لله عبادًا ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم النبيون والشهداء؛ بمكانتهم وقربتهم من الله تعالى))، فقام أعرابي فقال: يا رسول الله! حلهم لنا، فسر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول الأعرابي، فقال: ((هم قومٌ من أفناء الناس، ونوازع القبائل، لم تصل بينهم أرحامٌ متقاربةٌ، تحابوا في جلال الله، وتصافوا فيه، وتزاوروا فيه، وتباذلوا فيه، يضع الله لهم منابر من نورٍ، فيجلسون عليها، وإن ثيابهم لنورٌ، وإن وجوههم نورٌ، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يفزعون إذا فزع الناس، أولئك أولياء الله لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون)).قال أبو عبد الله:فهؤلاء أعلام هذه الأمة، أولياء الله ونجباؤه، وأصفياؤه، فما فاتهم من الخدمة لعجزهم عن دوام الذكر في كل نفسٍ وطرفة، واستدركوا وفارتها بما ذكرنا من قوة الذكر، وإنما أخذوا تلك القوة من مجالس النجوى أيام الحياة.وهو قوله تعالى لموسى -عليه الصلاة والسلام- قال: يا رب! أقريب أنت فأناجيك، أم بعيد فأناديك؟ قال تعالى: يا موسى! أنا جليس من ذكرني.فمن كان جليسه رب العزة، فما ظنك بقوته في الذكر أين يبلغ مداه، ومدى يقينه، ومسافة طيران قلبه إلى الله في العلا، ومستقره من تلك المجالس، ودنوه منه في ذلك الملك ومشاهدته.ثم من بعدهم صنف آخر، وهم المطلوبون، وذلك أنه لما خرجت منك الحركات من كل جارحة، فلم تستعملها بقلبك، صارت موضوعة عنك؛ لأن تلك حركات الحياة، فلما هاجت منك حركة، استعملت بها قلبك، من شهوة نفسك، حتى خرجت تلك الحركة إلى جارحة من جوارحك، فصار كسبك، فإن كان لله رضا، فهو كسبك، وهو لك، وإن لم يكن لله رضا، فهو اكتسابك، وذلك عليك، وهو قوله تعالى: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت}.وقد بينا في كتاب ((رياضة النفس)): شأن الكسب والاكتساب من أين لزمهما، فهذان الاسمان صار أحدهما فعلاً، والآخر افتعالاً،فالأولى: حركات الحياة، وهي موضوعة عنك، والثانية: حركات السبع جوارح؛ باستعمالك قلبك بتلك الحركات؛ من يديك ورجليك، ولسانك، وسمعك، وبصرك، وبطنك، وفرجك، فهاهنا كسبك واكتسابك، الكسب للخير، والاكتساب للشر.فالقلب مطلوب برعاية هذه الجوارح السبع وحراستها؛ لئلا يتحرك بباطل، إما بغفلة في غير مجاوزة الحد، وإما بمجاوزة للحد، فتصير معصية حتى تكون حركاتها خدمة للرب، فإذا أهمل القلب ذلك، فقد ضيع الخدمة، ثم هو على ضربين: فمرة أهمل القلب ذلك، حتى خرجت الحركات منه بغير ذكر ولا نية، فيما أذن الله له من الأكل والشرب، والنوم، وأمور الأحياء في متقلبهم، فهو في ذلك الوقت مضيع للخدمة بطال، أجرى الله عليه رزقه، وعمل المسخرون أعمالهم، وأوصلوا إليه منافعه، وعطل الخدمة هو، فعظمت حجة الله عليه؛ حيث لم يعبده في تلك الساعات، وضيع الخدمة، فلو قامت الملائكة تصف خسرانه،ما قدروا عليه.ولذلك ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((ليس يتحسر أهل الجنة على شيءٍ إلا على ساعةٍ مرت بهم لم يذكروا الله فيها)).فهذه الحسرات على أهل الجنة في الموقف، لا في الجنة، وإنما ذكر في هذا الحديث أهل الجنة، فإنما صار ذلك حسرة؛ لأنه لما عرضت عليهم أيام الدنيا ولياليها، فرأوا ساعة ذكروا الله فيها، ورأوا أن الله ذكرهم في تلك الساعة، وماذا خرج لهم من ذكره، ثم نظروا في الساعة التي حرمهم فيها ذكره بما تركوا من ذكره، فأخذتهم الحسرات.والضرب الآخر: أهمل القلب حتى خرجت منه حركات في أمر لم يأذن الله به، فصار ذنباً ومعصية، فذهب العبد بالرقبة، أكل رزقه، وأبق، فما جزاء العبيد الأباق؟ فاجتمع عليه أمران: فوت ثواب الخدمة، وعار الإباق.يقال في السماوات: أبق العبد اللئيم من ربه الكريم، ويقال: أبق العبد البائس السفلة من ربه الجواد العظيم، فرأى جفاه على القلب يوم يكشف لهالغطاء عن هذا في وقفته بين يدي الله، يتقطع قلبه حسرات قطعاً قطعاً، ويتفلذ كبده ندامات فلذاَ فلذاً، ويضطرب كل عرق منه حياءً من الله، وتصرخ منه كل شعرة ومفصل عويلاً، وندامة، وحرقة، وأسفاً، يقال له: أكلت رزقي، وقبضت عن أهل سخرتي منافعك، وهربت مني، وذهبت برقبتك، وآثرت هواك ومودة نفسك، ومحاب عدوك علي، أفٍّ لك من خادم.فعلم الله علام الغيوب أن هذا نازل بعبيده، فلم يؤيسهم من رحمته، ولم يحيرهم في طريقه، ولم يكدر عليهم مننه، فترك بابين مفتوحين: باباً من اليمين، وهو باب التوبة، وباب تجاهه، وهو باب الدعاء، وبسط يده فتركها مبسوطة لمن رجع إليه، فبايعه على رد الرقبة، وبذل النفس، والوقوف بين يديه، فقبلهم لما علم صدقهم، وقواهم وأعانهم على الوفاء بالخدمة.

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول #1472

Sahih

نا الجارود بن معاذ، قال: نا جرير، عن العلاء بن المسيب، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن أبي موسى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، باسطٌ يده لمسيء النهار أن يتوب بالليل، ولمسيء الليل أن يتوب بالنهار، حجابه النار، لو كشفت، لأحرقت سبحات وجهه كل شيءٍ أدركه بصره)).قال له قائل: فإذا تاب، فرد الرقبة، ومد عنقها للانقياد له، فما منتهى أمره، وكيف تدبيره؟قال: أجمع لك ذلك في خصلتين، وأتوخى الوجازة في هذا الأمر؛ فإنه إذا طال الوصف، وكثر ذكر النفس بوجوه مذاهبها، تحير العقل، وأعيا القلب.فإن قيل في الحكمة: إن ازدحام الكلام على الأذن مضلة للفهم، ووجازته أبلغ لمن كان له لب، فبلوغ الغاية في هذا الأمر: أن تطلب لقلبك استقامة على طريق الله الذي دعاك إليه، فإذا استوى قلبك على الطريق المستوي، فذلك قصد أهل الصدق، فكان الله لهم معيناً، وحافظاً، ومؤيداً،فإذا وقف قلبك على سواء الطريق إلى الله، أشرق لقلبك نوران من عنده؛ تأييداً لك من عنده، وتفضلاً، وتكرماً، فإذا تطرق عينا فؤادك إلى إشراق ذينك النورين، تشبث بهما، ولزمهما ومر حيث مرا به، وهدياه، فاهتدى لما هدياه، وبادر وأسرع، فهما سراجان يضيئان له الطريق في كل أمر حادث، يبصرانه كيف ينبغي له أن يمضي فيه.قال له قائل: وما النوران؟قال: نور الحق، ونور العدل، فنور الحق: يمنعك عن الباطل، ونور العدل: يمسكك عن الميل في الحق.فإن الميل هو: جور عن الله، فإذا ملت، وجرت عن الله، ذهبت الاستقامة؛ لأن الذي يعمل بالحق في الأمر الذي يعرض له، فهو عامل بالحق، مشارك للهوى فيه، حتى يرائي في ذلك الحق، ويتصنع، ويداهن، ويعمل بعلاقة، فالعدل يمنعه عن ذلك، والحق يمنعه عن المعصية والسيئة، وهو قول الله تعالى حيث ذكر موسى -عليه الصلاة والسلام- ما وجد في التوراة من عطاء ربنا لهذه الأمة، فقال: هم أمة محمد، فقال: فاجعلني منهم،فوعده أن يعطي قومه ما قنع به، فرضي به، فقال تعالى: {ومن قوم موسى أمةٌ يهدون بالحق وبه يعدلون}، فوفى له، وأنجز وعده.فهم الذين روي في الخبر: أنهم من وراء الصين، من وراء نهر الرمل، يعبدون الله بالحق والعدل، فمع هذا الحق والعدل، لم يقدروا أن يكونوا بين ظهراني بني إسرائيل، حتى أخرجهم الله إلى ناحية من أرضه، في عزلة من خلقه.فروي لنا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به ذهب به إليهم، فساءلهم وساءلوه، وآمنوا به، وعلمهم سوراً من القرآن، وقال لهم: ((هل لكم مكيالٌ وميزانٌ؟))، قالوا: لا، قال: ((فمن أين معاشكم؟))، قالوا: نخرج إلى البرية فنزرع، فإذا حصدنا، وضعناه هناك، فإذا احتاج أحدنا، خرج إليه، فأخذ حاجته، قال: ((فأين نساؤكم؟)) قالوا: في ناحية منا، فإذا احتاج أحدنا إلى زوجته، صار إليها في وقت الحاجة، قال: ((فيكذب أحدكم في حديثه؟))، قالوا: لو فعل ذلك أحدنا، لا يظن إلا أن النار تنزل عليه فتحرقه، قال: ((فما بال بيوتكم مستويةٌ؟))، قالوا: لكيلا يعلو بعضنا بعضاً، قال: ((فما بال قبوركم على أبوابكم؟))، قالوا: لكيلا نغفل عن ذكر الموت.فهذه صفة القوم الذين جعل الله حاجة موسى ورضاه فيهم، فهم أهل هذه الصفة، ثم لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الدنيا من ليلة الإسراء، أنزل عليه: {وممن خلقنا أمةٌ يهدون بالحق وبه يعدلون}.يعلمه أن الذي أعطيت موسى في قومه أعطيتك في أمتك، ومع ذلك من القوة لهم ما أقاموا ذلك الحق والعدل بين ظهراني الخلق من غير حاجة إلى عزلةٍ من الناس، فمن الله على موسى بأولئك، ومن على محمد عليه السلام بهذه الطبقة مع القوة التي تضاعفت المنة له فيهم عليه، فشتان ما بين من يقيم الحق، والعدل في أرزاقه ومعاشه، فهو يتقلب فيها، ويخالط أهله وولده في كل وقت، ويلابس أهل المكاييل والموازين، ويخزن ما أعطي من الدنيا في خزانته، ويعمل في بنيانه، ومساكنه ما يعمل الأمناء من التفاوت من أجل مرافقه، وتكون قبور موتاه بمعزل عن عينه، وهو مع ذلك يجري في ميدان الحق والعدل، وبين من هرب عن هذا كله، واعتزلهم، وجرى في ميدان الحق والعدل.لقد بان أولئك بوناً بعيداً، وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فإنما قووا على هذا؛ لتعلق قلوبهم بالله، فهم يمتصون حلاوة اليقين، فتجمد في قلوبهم، حتى تصير قلوبهم بقوة اليقين كالجبال الرواسي، فهم بين إشغال النفس وتزاحمها، يمرون كالسهم في ميدان الحق والعدل، فهم بارزون على طبقة موسى الذين وصفهم في ليلة الإسراء، فإذا ظفرت بهذين النورين، فكانا لك، فلزمتهما، فأنت في كل أمر حدث تخرج حركاتك إلى الجوارح من قلب محق عدل، قد والى الله؛ لينصر حقه، ويقيم أمره، ويوفر خدمته، ويوفيه حقه، فتولاه الله، وستره، وولي هدايته، وائتمنه، فهذا قد أكل رزقه، وقبض منافعه من المسخرين، وأدى خدمته إلى الله، وفي خلال ذلك يستغفر للتقصير الذي يتخوف فيه، فلم يبق للسماوات والأرض ولا الشمس، والقمر، والليل، والنهار عليه تبعة ولا خصومة.ومن كان بخلاف ذلك، فهؤلاء كلهم خصماؤه، وويل له من أرضه التي يدفن فيها، ماذا تعمل به، وكيف تعصره عصراً، وكيف تضغطه ضغطاً؟! ومن سمائه التي تصعد روحه إليها، ومن ملائكة الله، وحيث يمر بروحه عليهم، ومن جميع خلقه المسخرين له، يقولون: قد استرحنا من هذا العبد الآبق الفاجر، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مستريحٌ ومستراحٌ منه)).فالمستريح: من غفر له، وستر عليه مساوئ عمله.والمستراح منه: من هؤلاء خصماؤه وأهل تبعته، يقولون: أوصلنا إليك السخرة، فأين الخدمة؟فمن عاد الله عليه بفضله ورحمته؛ لإنابته إليه، وندمه، وعويله، واستقامة سيره، غفر له، فسكن الخصماء، وأهل التبعة عنه من المسخرين، ولهوا عنه؛ لأنه صيره حبيبه، وقال في تنزيله: {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين}. تطهروا بالله في قربه لما بذلوا نفوسهم له صدقاً، فوالوا الله، وتولاهم الله.فروي لنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ينادي منادٍ يوم القيامة: ألا من كان [الله] له ولياً، فليعتزل، ثم يقول: أنا ضامنٌ لمن ادعى قبلهم حقاً)).فهؤلاء الذين ضمن الله لهم، هم آدميون مثله، فوفى الله عنهم،لأنهم من جنسه، وأما أهل السخرة، فكسنوا؛ لأنه أراهم أنه حبيبه، ونادى في السماوات جبريل بحب الله له، فبرأه من تبعة أهل السخرة، وقضى عنه ما كان من تبعات الآدميين؛ لأن الآدميين شركاؤه، وفي كرامة سجود الملائكة له، وفي العلم والخدمة، فإذا ادعوا قبله حقاً، لم تبطل حقوقهم، ولكن يتولى قضاءه عنه، ولا يتركه في أيديهم.ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: ((إن صلاتكم معروضةٌ علي يوم الجمعة، فأكثروا علي الصلاة))، فقال قائل: يا رسول الله! كيف وقد رممت؟ قال صلى الله عليه وسلم: ((إنا -معاشر الأنبياء- حرم الله على الأرض أن تأكل أجسادنا)).قال أبو عبد الله رحمه الله:فقد أخبر الله عن حال الأنبياء: أن الأرض قد تبرأت عنهم، فلم يتبعهم بما أكلوا منها؛ لأنهم تناولوا ما تناولوا منها بالحق والعدل، وإنما سخرها الله لهم؛ لإقامة الحق والعدل، فبالنبوة مروا في هذا الأمر، والنبوة من الحق والعدل أعطيت الأنبياء، فخلفاء النبيين من أعطي الحق والعدل، وكذلك ليس للأرض عليهم سلطان.ومما يحقق ما قلنا:حديث جابر بن عبد الله: أن شهداء أحد لما نقلوا عن قبورهم إلى موضع آخر في زمن معاوية؛ حيث أراد أن يجري ذلك الماء في ذلك الموضع، فأخرجوا من قبورهم -بعد نحو من أربعين سنة- رطاباً ينثنون، حتى أصابت المسحاة قدم حمزة بن عبد المطلب، فانبعث دماً طرياً.فإذا كان حال الشهداء في قبورهم هكذا، فانظر ما حال الصديقين؛ فإنهم أعلى منهم، فتوهم ما حال أبي بكر، وعمر في قبريهما -رضوان الله عليهما-؟ أفيتوهم أحد أن للأرض عليهما سلطاناً وتبعة؟ لا يتوهم هذاذو لب يعلم هذا الأمر.وفي جملة القول: إن الله -تعالى اسمه- لم يقتض العباد ما لم يعطهم؛ لأن الأشياء كلها من عند الله، كان الله ولا شيء، فلما أراد أن يخلق الخلق، أخرج لهم بساطين: بساط الربوبية، وبساط العبودية، فقابل بساط العبودة بساط الربوبية؛ ليلاحظ العباد بساط الربوبية، فيقتبسوا منه علم الربوبية، فيردوه إلى النفوس الناكصة عن الأمر، الخائضة في النهي حتى تنقاد تلك النفوس، فتذل وتهاب ما يأتي إليها من علم الربوبية.ثم أخرج من بين البساطين بساط التدبير، فأخرج من ذلك التدبير خلقاً علواً وسفلاً مسخرين للعبيد؛ قطعاً للاعتذار، والجدال، والخصومة؛ لأنه قد علم أنه خالق يوماً يبعثهم فيه، ويحشرهم إلى مقام الحساب، فتأتي كل نفس تجادل عن نفسها، فبسط لهم هذه البسط الثلاثة، وجعل القلوب أمراء على النفوس، وركب في كل قلب عينين ناظرتين تلاحظان بساط الربوبية، ثم تنظران بعين الكياسة بساط التدبير، ثم تنظران بعين قد استوزرت العقل، وتضمنت الزهد، فتدور في فنون العبودة، وتنتبه ليوم المقتضى، وأنه مطلوب يطلبه مالك الملوك بسره وعلانيته، وحاصل ما في صدره.فلما بسط هذه البسط الثلاثة، ابتدأ في خلق السخرة علواً وسفلاً، ثم أظهر خلق الإنسان في وسط ذلك، والمسخرون حوله، وكان آخر من خلق، وذلك في يوم الجمعة في ساعة، بلغنا في الحديث: أنه أقسم: لا يسألني عبد حاجة في هذه الساعة من هذا اليوم إلا أجبته؛ تعظيماً لخلق هذا الإنسان وذريته، وفيهم الأحباب والرسل، والأنبياء، والأولياء، وأعلاهم وأولهم محمد صلى الله عليه وسلم، فوضع في هذا الآدمي: الروح، والحياة، والقوة، والعلم، والذهن، والحفظ، والفهم، والفطنة، والعقل، والحلم، والبصر، والكياسة، هذا كله في النصف الأعلى من الجسد.ووضع الشهوة والنفس والهوى فيما سفل، ثم اقتضاهم استعمال ما في النصف الأعلى، وإبرازه من باطنه إلى ظاهر الجوارح، فتكون أعمالاً عليهايثابون، وأعلمهم أن هاهنا عدواً قد وجد السبيل إلى هذه الشهوات والهوى، كما وجد إلى أبيهم السبيل في داره، وحذرهم أن لا يلتفتوا إلى غرور هذا العدو الذي يوسوس إليهم، وأن يفروا إلى الله من هبوب الهوى إذا هب في الجوف، فأثار الشهوات حتى دبت في العروق، فاشتملت على الجسد، ومالت بقلبك عن الله، فيصدك عن سبيل الله إذا اتبع قلبك الهوى، وتقدم إليك في تنزيله في قوله: {يا داود إنا جعلناك خليفةً في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذابٌ شديدٌ بما نسوا يوم الحساب}.فأعلمنا في تنزيله: أن نسيان يوم الحساب يجرئنا على استعمال الهوى، وعلى ترك الحذر من العمل بالهوى، وأعلمنا في آية أخرى: أن في يوم الحساب إبلاء السرائر، واستخراج حاصل الصدور، وليعلم العباد أن الهوى إذا ظهر، لم يطع، وإذا انكمن، لم يؤمن، فتمت حجة الله عليهم بما وصفنا من العطاء، فمن لم يعطه روحاً أو قوةً، أو علماً، أو ذهناً، أو حفظاً، أو شيئاً من هذه الأشياء، لم يقتضه ما يخرج له من ذلك الشيء.كما أنه إذا لم يعطك الرجل، لم يقتضك الصلاة قائماً، وإذا لم يعطك القوة، لم يقتضك الصوم، وإذا لم يعطك السبيل إلى الحج، لم يقتضك الحج، وإذا لم يعطك المال، لم يقتضك الزكاة، وإذا لم يعطك الكسوة،فصليت عرياناً، أجزأتك، وإذا لم يعطك الماء، صح لك التيمم.فكذلك ما في الباطن، كل شيء لم يعطك، لم يقتضك استعماله وإبرازه عنك، وكل شيء أعطاك لتبرزه إلى جوارحك، فتكون محموداً عليه مثاباً مكرماً، فإذا منعته، فقد ظلمت نفسك، وضيعتها، وضاعت عنك تلك الأشياء التي وضعها فيك.فإن قال العبد: وضع في هذه الأشياء، ولكن لا يعمل هذه الأشياء في إلا بإذنه، فإن منعني الإذن، بقيت هذه الأشياء في غير عاملة، ولا مستعملة، فخبث، وإذا أذن له، برز ذلك مني إلى ظاهر أركاني، فالإذن أحد هذه الأشياء الذي إذا منعني، صرت كأني لم أعط شيئاً، وهو رأس هذه الأشياء، والإذن من المشيئة، ومن أجل هذا ندب العباد إلى أن يكون هجير العبد ما شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ لئلا يركن، ويطمئن قلبه إلى هذه الأشياء التي وضعت فيه.فمن حجة الله تعالى أن يقول: إنما أعطيتك هذه الأشياء، ووضعتها في وعائك، والوعاء هو القلب والنفس، فإذا ذهبت بقلبك ونفسك عني،وأقبلت على الشهوات، واستعمال الهوى، فقد ذهبت بالنفس بما فيها من هذه الأشياء الموضوعة فيك، فلما غيرت؛ بأن ذهبت بنفسك، انقطع الإذن، وبقيت الأشياء غير عاملة.وقال في تنزيله: {ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمةً أنعمها على قومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم}.فإذا ذهبت بروحك، وحياتك، وقوتك، وعلمك، وذهنك، وحفظك، وعقلك، وفهمك، وفطنتك، وحلمك، وبصرك، وكياستك، فمازجتها بالهوى، والهوى دنس قد خرج من النار، ومر بالشهوات، فاحتملها إلى شهوتك الموضوعة في نفسك، فأثارها، واشتد احتدامها، وهاجت أمواجها، فاغبر عليك صدرك، وبقيت عينا الفؤاد في الصدر في ذلك الغبار تائهة، فغيرت النعم؛ بأن قطعت الإذن عنك، فإن وقفت بنفسك بين يدي بما فيها من الأشياء الموضوعة فيك، فقد بذلت نفسك لي، وصرت أميناً من أمنائي، فأذنت الأشياء الموضوعة فيك إذناً عاماً لا تحتاج إلى أن تستأذنني في كل أمر.وعندك مثل هذا: عبد قد ملكته من السبي، واتخذته عبداً، فكان يشتري لك من السوق الشيء بعد الشيء بإذنك، فما استدان بغير إذنك، لم يكن يلزمك ضمانه في مالك؛ لأنه محجور عليه،عبد مملوك لا يقدر على شيء، وكل شيء أذنت له فيه، جاز ذلك عليك، وكل شيء لم تأذن له فيه، انعلقت رقبته إلى يوم العتق، فيؤخذ به بعد العتق، فإذا طال مكثه في العبودة، وعرف أمورك، وجدته ناصحاً، متشمراً في أمرك باذلاً لك نفسه، صار أميناً عندك، فأذنت له بالتجارة، فصار تاجراً أميناً يداين الناس ويعاملهم، فكل ما حصل عليه، فقد لزمك؛ لأنك قد أذنت له في كل تجاراته ومعاملاته، فإذا اقتضاه غرماؤه، قضيت عنه دينه، فكذلك أنت عبدي متى بذلت نفسك لي، ووقفت بين يدي مقام الأمناء، أذنت لكل شيء وضعته فيك أن يعمل عمله، حتى تجد في كل وقت ثمرة كل شيء، وضعته فيك، وعمله من العلم، والذهن، والقوة، والحفظ، والعقل، وجميع الأشياء الموضوعة فيك.ومتى رغبت عني إلى شهواتك وهواك، فأنت عبد متهم، محجور عليه، لا تعمل شيئاً إلا بإذني، فمرة تجد الإذن، ومرة لا تجد؛ لأنك متهم سرك، وقلبك مع هواك، ولسانك وظاهر قلبك معي، فإذا أذنت لك في كل أمر إذناً عاماً، تخطيت الأمور، فأفسدت.وكذلك عبدك المحجور إذا أذنت له إذناً عاماً في كل التجارات، ولم يكن عنده ما يضبط به ذلك، أفسده، فإنما حجرت عليه لأنه لا يضبطه، ولأنه لم يبذل نفسه لك، ويكون بين يديك حتى تهديه للأمور، فكذلك العبد إذا أقبل إلي صدقاً، وتخلى من الهوى والشهوة، وتقرب إلي بذلك التخلي، فما زال ذلك دأبه حتى يلقي نفسه بين يدي باذلاً لها، لا يتعلق بشيء دوني، وصعد إلي ضرعه، وجؤاره، ورحمته، فاجتبيته وهديته، وكذلك فعلت بأوليائي وأحبائي. قال في تنزليه عندما يصف خليله شاكراً لأنعمه: {اجتباه وهداه}.فالمجتبون والمهديون في قبضة الله، يستعملهم في محابه ومشيئته، فإذا نطق فبه ينطق، وإذا نظر، فبه ينظر، وإذا سمع فبه يسمع، فإذا بطش، فبه يبطش، وإذا مشى، فبه يمشي، وإذا تدبر، فبه يعقل.كذلك جاءنا: عن عروة بن الزبير، عن عائشة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن جبريل -عليه الصلاة والسلام-، عن الله تعالى.قال له قائل: فما بذل النفس لربه؟.قال: أن يترك جميع مشيئاته لمشيئته؛ فإن الله تعالى خلقه لما شاء، لا لما شاء العبد، ودبر له في أمر دنياه ما علم أن صلاحه فيه، لا ما علم العبد، فإذا ترك العبد مشيئاته، وصارت عينا قلبه شاخصتين إلى ما تبرز له من الغيب، فيرضى به، قد فوض إليه قبل ذلك أموره، فلا يركن إلى شيء، ولا يدبر لنفسه شيئاً، إنما هو عبد مراقب لما يظهر له من غيبه من التدبير، فقد بذل نفسه له، وصار عبداً قد زالت عنه التهمة، وصار أميناً من أمنائه.فأذن لجميع ما وضع فيه أن يعملوا أعمالهم في الباطن، فيؤدوا إليه ثمراتهم، فصار عبداً مأذوناً، يدور رحى حركاته بالقطب، والقطب هو الإذن، فعندها صارت مشيئة ربه في مشيئته، فمتى ما شاء شيئاً، أنفذه، وكان ذلك الشيء الذي شاء العبد مشيئة ربه، فهو الذي يقسم على ربه، وهو ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول #1473

Sahih

نا عبد الله بن أبي زياد القطواني، قال: نا سيار، قال: نا جعفر بن سليمان، قال: نا ثابت البناني، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كم من أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله، لأبره)).فإذا احتج العبد بأن يقول: وضعت في العقل، والقوة، والعلم، والحياة، وهذه حججك علي، وهذا كله خلق من خلقك، أنت خلقته ووضعته في، ولا يتحرك شيء من هذا، ولا يعمل إلا بإذنك، فلم حبست عن الإذن، وهذه الأشياء كلها جنود القلب، والقلب أمين؟فمن حجة الرب تعالى أن يقول: إني وضعت هذا فيك، لتكون النفس لي، وقائمة بين يدي، فخانت وزاغت عني بما وضعت فيها، وشاءت مشيئات، ولم تنظر إلى مشيئتي، ودبرت لها، ولم تنظر إلى تدبيري الذي سبق خلقها، فالخائن كالعبد المحجور يطلق له الإذن في شيء، ولا يطلق له في شيء لأنه يفسد، ولا يضبط، قال الله سبحانه: {وما كان لنفسٍ أن تؤمن إلا بإذن الله}.فالإذن للنفس بما وضع فيها.فإن قال العبد مخاصماً: فهل أقدر أن أبذل نفسي، وأترك مشيئاتي إلا بما تعطيني، فإنك وضعت في الشهوات، وإنما زاغت بي عنك حلاوة شهواتي، وقوة هواي؟ ومن حجة الرب تعالى أن يقول: أعطيتك حلاوة معرفتي، وقوة الحياة بي، وقائمة من عندي، وتعلقاً بحبلي، فهلا جررت حلاوة شهواتك إلى حلاوة معرفتي بذكاوة تلك الحياة، وبثبات تلك القائمة، ورسوخ قدمك في القائمة، حتى تغمر حلاوة شهواتك في حلاوة معرفتي، وقوة القائمة، وتعلقك بالحبل حتى لا يقدر الهوى أن يمد بك.فهاهنا تنقطع الحجة، فيتحير العبد، فالمؤمنون من الله عليهم في السير بمشيئته، وليس لأحد في المشيئة منازعة أن يقول: لم شئت لفلان، ولم تشأ لي؟.وكذلك المحبة، فخلق الله الخلق في ظلمة، ثم رش عليهم من نوره، فإنما أصاب من أصاب بمشيئته، وأخطأ من أخطأ بمشيئته، فقد علم من يصيبه ممن يخطئه، كذلك جاءنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.فلما أبرز السلطان، نفر هؤلاء الذين لم ينالوا من ذلك الرش شيئاً، فتباعدوا، فورثوا البعد من الله والنفر، فلما خرجوا من صلب آدم، خرجوا سوداً عمياً عن الله، فأقروا به كرهاً على وجه التقية، وذلك قوله تعالى: {ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً}.

اَنَسِ بْنِ مَالِکٍ، ← ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ ← جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، ← سَيَّارٌ ← عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ الْقَطَوَانِيُّ

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · المجلد السادس · Hadith 1473

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول #1474

نا أبي، قال: نا عمرو بن طلحة القناد، عن أسباط، عن السدي، عن أبي صالح، وأبي مالك، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، بذلك.وجاءت الأخبار: عن عبد الله بن عمر، وعن أبي ذرٍّ، وغيرهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه القصة.وكذلك هؤلاء الموحدون أعطاهم كلهم آلات الطاعة في الباطن؛ من العلم، والذهن، والعقل، ثم لم يعطهم ما به يبذلون أنفسهم، حتى لا يشاؤون شيئاً إلا ما شاء، من أجل الشهوات التي ركب فيهم؛ لأن للشهوات حلاوة وحباً، وذلك الذي أعطى من بذل نفسه له، وقطع عن نفسه حب الشهوات وحلاوتها مجاهداً لنفسه، محارباً لهواه، ماداً بجلدة رقبته إلى ربه، ضرعاً، باكياً، تجري دموعه على خديه، فمرة يجثو، ومرة ينتصب، ومرة يضع خده بالأرض، ومرة يدعو، ومرة يتملق، حتى رحمه ربه، واطلع على صدق بذله، فمن عليه بذلك الحب الذي هو أصل الحب عنده، فأحياه بذلك، وأذاقه من حلاوته ما جرف كل حلاوة في نفسه، كالسيل الذي يجيء، فيجري في الكناسات بما فيها، وبالمزابل بما فيها من الأقذار والميتة، فصارت بقاعاً طاهرة.فكذلك صدر هذا العبد بما نال من هذا الحب، فذهبت مشيئاته تحت مشيئة خالقه، فصار منه مأذوناً بجميع ما فيه من الأشياء الموضوعة، حتى أينعت ثمراتها، وبرزت عمالاتها على الجوارح، ثم صيره في أحوال الدنيا مقسماً على ربه في ملكه، قال الله تعالى: {أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا} الآية.فرتب لتارك المشيئة مرتبة القسم أن يتناول من ملكه حاجته من خزائن تلك الحاجة بقلبه، ثم يرفعه إلى ربه ممسكاً ينتظر مشيئته، فيجعل الرب مشيئته في مشيئة عبده، فذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لو أقسم على الله، لأبر قسمه)).فإقسامه أن يأخذ العبد من القسمة بمشيئته، فيمضي أخذه واقتسامه، فهذا الحب بمشيئته يعطي ويمن، وليس لأحد فيه خصومة لم شئت له، ولم تشأ لي؟ ولم أحببته، ولم تحبني؟

ابْنِ مَسْعُودٍ، ← مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ، ← ابْنِ عَبَّاسٍ ← أبي صالحٍ وأبي مالكٍ، ← السُّدِّيِّ ← أَسْبَاطٌ، ← عَمْرُو بْنُ طَلْحَةَ الْقَنَّادُ، ← أَبِي

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · المجلد السادس · Hadith 1474

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول #1475

Sahih

نا قتيبة بن سعيد، عن مالك بن أنس، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله تعالى إذا أحب عبداً، قال: يا جبريل! إني أحب فلاناً، فأحبه، فيحبه جبريل، ثم يضع له القبول في الأرض)).فالعلم بالله يؤدبك في باطنك، والعلم بتدبير الله يؤدبك في ظاهرك.قال له قائل: كيف يؤدبه في الباطن؟ قال: يجعله في ذلك العلم مراقباً لله، فيقف به على حدود المراقبة في الأمور كلها، ويورثه الحياء منه، ويقف به على مهابة أسرار الله،ويقف به على الحذر والحزم، ويرضي نفسه رضاً في أثقال المنن، والمراقبة في الأمور كلها يورث الحياء حتى يؤديه من هذه المنازل إلى التعلق به في كل الأحوال.قال: فكيف يؤدبه في علم التدبير في ظاهره؟قال: إذا علم التدبير، تصور له صورة للأعمال، فرأى مراتب الأعمال عند الله، فالصلاة لها مرتبة، والزكاة لها مرتبة، والصدقة لها مرتبة، والصوم له مرتبة، والجهاد له مرتبة، وكذلك سائر أعمال البر لكل عمل مرتبة، ولكل عمل ثواب؛ بخلاف العمل الآخر، ولكل عمل جزاء؛ بخلاف الجزاء للعمل الآخر، ولكل عمل صورة، فالصورة أس العمل.قال له قائل: اشرح لنا شيئاً منه نقف به على معناه.قال: الصلاة: إقبال العبد على الله، والزكاة، فرار من شركها وشبكاتها إلى الله، والصوم: وثاق النفس ورباطها لله، والجهاد: حمية وتعصب لله، والحج: وفاء البيعة الأولى، وتجديد بيعة أخرى، والجمعة: قبول ضيافة الله، وتناول جوائزه، والأعياد: اعتراض العبيد على الله، ومجالس الذكر: تملق العبيد إلى الله، ومرتع في رياض الله، ومؤاخاة المؤمنين ومعاطاتهم: مرمة عسكر الله، والدعاء إلى الله، نصيحة الله، والرغبة إلى الله: افتقار العبد إلى الله، فانظر إلى ما نطق به التنزيل، وإلى ما جاءت به الأخبار عن الرسلمن ثواب هذه الأشياء وحسن الجزاء، هل يشبه بعضه بعضاً؟ إذا نظرت إلى ذلك: علمت أن بينهن تفاوتاً، وإنما اختلف مثوباتها؛ لاختلاف صورها، فمن التدبير خرجت الصور، فمن عرف هذه الصور من الأعمال، فإنما يعرفها بالعلم بتدبير الله، فعلى حسب ذلك يقيم حرمتها، ويضعها مواضعها.ألا ترى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى كيف كان يعطي كل عضو منه حقه من الصلاة؟وكذلك قال عمر: أعطوا مرافقكم حقها من السجود.معناه: أي: لا تبسط ذراعك، فيبطل حظها من السجود.قال ابن مسعود: لأن ترض إبهامي رضاً أحب إلي من أن أستقبل بهما غير القبلة إذا وضعت كفي بالأرض في حال السجود.وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الفريضة، لم يصل في مكانه شيئاً من التطوع؛ إقامة لحرمة الفريضة.وكان إذا صلى التطوع، تياسر، ويأمر بذلك، ولا يتيامن؛ إقامةلحرمة اليمين.وكان صلى الله عليه وسلم إذا صلى إلى سارية، وإلى عود، أو عصا، جعله على حاجبه الأيسر، ولم يجعله نصب عينيه؛ إقامة لحرمة القبالة.وكان علي رضي الله عنه إذا سلم، خفض تسليمته الأخرى قليلاً من التسليمة الأولى؛ إقامة لحرمة كاتب اليمين.فهذه وما أشبهها في جميع أعمال البر محفوظ ذلك عندهم ومتعاهد، وكذا في الصوم والزكاة، تركنا وصفه؛ لأنه وادٍ عميق، فإنما أدركوا ذلك؛ لأنهم علموا التدبير، ومراتب صور الأعمال، وبالله التوفيق.

أَبِي هُرَيْرَةَ، ← أَبِيهِ ← سُھَیْلِ بْنِ اَبِیْ صَالِحٍ ← مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ← قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ

Previous
131415
Next

اَنَسِ بْنِ مَالِکٍ، ← عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ، ← المؤمل بن عبد الرحمن الثقفي، ← عيسى بن أحمد العسقلاني،

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · المجلد السادس · Hadith 1467

أَبِي جَعْفَرٍ، ← الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ، ← أبو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، ← الْجَارُودِ

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · المجلد السادس · Hadith 1470

أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ ← شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ ← عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَهْرَامَ، ← صَالِحِ بْنِ مُحَمَّدٍ

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · المجلد السادس · Hadith 1471

اَبِیْ مُوْسیٰ ← أَبِي عُبَيْدَةَ ← عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ← الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، ← جَرِيرٌ ← الجارود بن معاذٍ،

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · المجلد السادس · Hadith 1472

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · المجلد السادس · Hadith 1475

All Chapters1. First volume1. First origin1. The Forty-Second Origin1. Original Eighty-sixth1. Origin forty-seventh and century1. Original sixteenth two hundred1. The original forty-seventh and two hundred1. The original eighty-fifth century2. The second origin2. 2- Al-Hamzah with Faa'a2. The Forty-third Origin2. The original eighty-seventh