نا صالح بن محمد، قال: نا عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن أبي مالك الأشعري، قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((يا أيها الناس! اعقلوا، واعلموا أن لله عبادًا ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم النبيون والشهداء؛ بمكانتهم وقربتهم من الله تعالى))، فقام أعرابي فقال: يا رسول الله! حلهم لنا، فسر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول الأعرابي، فقال: ((هم قومٌ من أفناء الناس، ونوازع القبائل، لم تصل بينهم أرحامٌ متقاربةٌ، تحابوا في جلال الله، وتصافوا فيه، وتزاوروا فيه، وتباذلوا فيه، يضع الله لهم منابر من نورٍ، فيجلسون عليها، وإن ثيابهم لنورٌ، وإن وجوههم نورٌ، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يفزعون إذا فزع الناس، أولئك أولياء الله لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون)).قال أبو عبد الله:فهؤلاء أعلام هذه الأمة، أولياء الله ونجباؤه، وأصفياؤه، فما فاتهم من الخدمة لعجزهم عن دوام الذكر في كل نفسٍ وطرفة، واستدركوا وفارتها بما ذكرنا من قوة الذكر، وإنما أخذوا تلك القوة من مجالس النجوى أيام الحياة.وهو قوله تعالى لموسى -عليه الصلاة والسلام- قال: يا رب! أقريب أنت فأناجيك، أم بعيد فأناديك؟ قال تعالى: يا موسى! أنا جليس من ذكرني.فمن كان جليسه رب العزة، فما ظنك بقوته في الذكر أين يبلغ مداه، ومدى يقينه، ومسافة طيران قلبه إلى الله في العلا، ومستقره من تلك المجالس، ودنوه منه في ذلك الملك ومشاهدته.ثم من بعدهم صنف آخر، وهم المطلوبون، وذلك أنه لما خرجت منك الحركات من كل جارحة، فلم تستعملها بقلبك، صارت موضوعة عنك؛ لأن تلك حركات الحياة، فلما هاجت منك حركة، استعملت بها قلبك، من شهوة نفسك، حتى خرجت تلك الحركة إلى جارحة من جوارحك، فصار كسبك، فإن كان لله رضا، فهو كسبك، وهو لك، وإن لم يكن لله رضا، فهو اكتسابك، وذلك عليك، وهو قوله تعالى: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت}.وقد بينا في كتاب ((رياضة النفس)): شأن الكسب والاكتساب من أين لزمهما، فهذان الاسمان صار أحدهما فعلاً، والآخر افتعالاً،فالأولى: حركات الحياة، وهي موضوعة عنك، والثانية: حركات السبع جوارح؛ باستعمالك قلبك بتلك الحركات؛ من يديك ورجليك، ولسانك، وسمعك، وبصرك، وبطنك، وفرجك، فهاهنا كسبك واكتسابك، الكسب للخير، والاكتساب للشر.فالقلب مطلوب برعاية هذه الجوارح السبع وحراستها؛ لئلا يتحرك بباطل، إما بغفلة في غير مجاوزة الحد، وإما بمجاوزة للحد، فتصير معصية حتى تكون حركاتها خدمة للرب، فإذا أهمل القلب ذلك، فقد ضيع الخدمة، ثم هو على ضربين: فمرة أهمل القلب ذلك، حتى خرجت الحركات منه بغير ذكر ولا نية، فيما أذن الله له من الأكل والشرب، والنوم، وأمور الأحياء في متقلبهم، فهو في ذلك الوقت مضيع للخدمة بطال، أجرى الله عليه رزقه، وعمل المسخرون أعمالهم، وأوصلوا إليه منافعه، وعطل الخدمة هو، فعظمت حجة الله عليه؛ حيث لم يعبده في تلك الساعات، وضيع الخدمة، فلو قامت الملائكة تصف خسرانه،ما قدروا عليه.ولذلك ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((ليس يتحسر أهل الجنة على شيءٍ إلا على ساعةٍ مرت بهم لم يذكروا الله فيها)).فهذه الحسرات على أهل الجنة في الموقف، لا في الجنة، وإنما ذكر في هذا الحديث أهل الجنة، فإنما صار ذلك حسرة؛ لأنه لما عرضت عليهم أيام الدنيا ولياليها، فرأوا ساعة ذكروا الله فيها، ورأوا أن الله ذكرهم في تلك الساعة، وماذا خرج لهم من ذكره، ثم نظروا في الساعة التي حرمهم فيها ذكره بما تركوا من ذكره، فأخذتهم الحسرات.والضرب الآخر: أهمل القلب حتى خرجت منه حركات في أمر لم يأذن الله به، فصار ذنباً ومعصية، فذهب العبد بالرقبة، أكل رزقه، وأبق، فما جزاء العبيد الأباق؟ فاجتمع عليه أمران: فوت ثواب الخدمة، وعار الإباق.يقال في السماوات: أبق العبد اللئيم من ربه الكريم، ويقال: أبق العبد البائس السفلة من ربه الجواد العظيم، فرأى جفاه على القلب يوم يكشف لهالغطاء عن هذا في وقفته بين يدي الله، يتقطع قلبه حسرات قطعاً قطعاً، ويتفلذ كبده ندامات فلذاَ فلذاً، ويضطرب كل عرق منه حياءً من الله، وتصرخ منه كل شعرة ومفصل عويلاً، وندامة، وحرقة، وأسفاً، يقال له: أكلت رزقي، وقبضت عن أهل سخرتي منافعك، وهربت مني، وذهبت برقبتك، وآثرت هواك ومودة نفسك، ومحاب عدوك علي، أفٍّ لك من خادم.فعلم الله علام الغيوب أن هذا نازل بعبيده، فلم يؤيسهم من رحمته، ولم يحيرهم في طريقه، ولم يكدر عليهم مننه، فترك بابين مفتوحين: باباً من اليمين، وهو باب التوبة، وباب تجاهه، وهو باب الدعاء، وبسط يده فتركها مبسوطة لمن رجع إليه، فبايعه على رد الرقبة، وبذل النفس، والوقوف بين يديه، فقبلهم لما علم صدقهم، وقواهم وأعانهم على الوفاء بالخدمة.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 1471
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
