نا الجارود، قال: نا أبو خالد الأحمر، عن الحجاج بن أرطاة، عن أبي جعفر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أشد الأعمال ثلاثةٌ: ذكر الله على كل حالٍ، ومواساة الأخ في مالك، والإنصاف من نفسك)).فأدوم الناس على الذكر أوفرهم للخدمة، وليس عليك في وقت الانقطاع لوم؛ لأنك لا تقدر على مداومة الذكر مع كل طرفة ومع كل نفس، إنما هذا للملائكة الذين عروا من الشهوات، وخلقوا مجبورين على ذلك، فأرواحهم وقلوبهم وعقولهم معلقة بالعظمة هائمة، لا يشغلهم شيء، فلذلك صارت أنفاسهم تسبيحاً وذكراً، وأنفاسنا عبودة وخدمة، فإذا خرجت فإنما يخرجها من النفس التي هي مشغولة بالشهوات والضرورات، فلا يقدر على ما قدرت عليه الملائكة؛ لأن الحر، والبرد، والجوع، والعطش، والآلام آفة الجسد التي خلقت في الدنيا تشغلنا وتولهنا، فرضي منا تبارك وتعالى أن يكون ذكره منا في استعمال كل حركة، لا مع كل حركة، وذلك الجوارح السبع الكواسب للخير والشر، وهي: السمع، والبصر، واللسان، واليد، والقدم، والبطن، والفرج.فإذا ذكرنا مع تحريك كل جارحة، ذكرناه بخير يرضى به، وذكرناه بنعمة تلك الجارحة علينا، فهذا ذكر درجات يترقى بها العبد إلى ربه، حتى يبلغ منازل المفردين الذين أهتروا في ذكر الله، الذين وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه، فهذا للسابقين المقربين الذين يدوم ذكرهم على كل حال؛ لأن قلوبهم قد ملكتها عظمة الله، وسبتها محبة الله.فأما من دونهم، فإذا حرك جارحة من هذه الجوارح السبع بتلك الحياة التي فيها، فإنما يحركها بالقلب، والقلب أمير، وذاك التحريك منه استعمالٌ لها، فإذا قصد للخير، فإنما يقصد لذكر الله، وإياه أراد، وإذا قصد الشر بما دعاه إليه الهوى والشهوة، فقد حاد عن الله، واستعمل إمارته في طريق الجور، فجار على جوارحه، وظلم نفسه؛ حيث أرداها، وأوجب لها النار، وحرمها ثواب الله بالحركات التي ذكرنا أولاً التي خرجت من أركانه من غير استعمال لها بقلبه مع كل نفس، ومع كل طرفة، فتلك حركات لا تبعة عليه فيها؛ لأنها حركات الحياة، ليس فيها أمر ولا نهي؛ مثل: نظرة الفجأة؛ لأن عينيك مفتوحتان، فليس عليك تبعة في وقوع بصرك على الأشياء حتى تستعمله بقلبك، وكذلك تقلبك في مقعدك من قبض يد، وبسط، واتكاء، واحتباءٍ، وأشباه هذا مما لا يمتنع منه الآدمي من الحركات، فهذه حركات تظهر منك في ساعات تمر بك.فإن كان قلبك غافلاً عن الله تعالى، فكانت خدمة قد فاتتك، وثوابقد ضاع عنك، المنعم يجري عليك رزقه، ويذكرك بإدرار نعمه عليك، وقد ضيعت في ذلك الوقت الخدمة، فهو في ذكرك، وأنت عنه في غفلةٍ، فإن لم تتبع بالتبعات، فقد لحقتك الحسرة التي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وإنما يتحسر في الجنة من تلك الساعة)).لأنه قد انكشف له الغطاء عما أوجب الله له في وقت ذكره في تلك الساعات التي ذكر فيها؛ لأن ثواب عمل الأركان من قصور الجنة، وأنهارها، ونعيمها، وثواب الذكر من فرح الله بالعبد، وحبه له، وتقريبه، والبسطة منه، والبر له، وما لا يوصف من هذا الباب أكثر من أن تحتمله القلوب في الدنيا.فالمسخرون: قد عملوا أعمالهم، وأوصلوا منافع السخرة إلى هذا الآدمي، وضاعت الخدمة عن الآدمي بقدر ما غاب عن قلبه ذكره، ولو طرفة أو لحظة، وذلك موضوع عن الآدمي؛ لأنه لا يملكه؛ لأنه خلق عجولاً ونسياً وخطاءً، مشغولاً بالشهوات، مبتلى بها، وخلق في غيب، والملائكة خلقت في جهر، وكشف الغطاء، ينظرون إلى أنوار العظمة، وأمور منكشفة الغطاء، وعروا من الشهوات، فلذلك قدروا على دوام الذكر، وصارت أنفاسهم تسبيحاً؛ لأن أنفاسهم تخرج من النفس التي بها تعلقت قلوبهم وأرواحهم وجميع أجسادهم.والآدمي منقسم خلقه على: قلب، وروح، وشهوة، فلما خلق الله خلقنا هكذا، رحمنا، وعطف علينا، فأعطانا في القلوب من العلم به ما أنبأنا في كتابه أن الملائكة عجزت عن ذلك العلم، وقالوا: {سبحناك لا علم إلا ما علمتنا}، وقال لآدم: {أنبئهم بأسمائهم}.ومد أبصار قلوبنا إلى المظهر؛ لمطالعة ما أظهر على المظهر، فالملائكة يطالعون بعيون أجسادهم ما تحت العرش، وقلوب الآدميين تطالع ما وراء الحجاب من عظائم الأمور التي لا تدور الألسن بذكرها، فيعطي في تلك المشاهد والمجالس من الفضل والرحمة والكرم ما يعدل به فوائد خدمتهم التي فاتتهم مع كل نفس؛ لاشتغالهم بالشهوات والضرورات؛ ليقدموا يوم العرضة عليه بأنوار، وبأعمال تعجب الملائكة منها، فيستنطقهم الرب تعالى، فيثنون عليه بالثناء الذي يبهت الملائكة من غزير علومهم بالله؛ فإن مراتب العلوم تظهر في المنطق إذا أثنوا عليه ومدحوه، فإنما يستنطقهم على رؤوس الملأ؛ ليعلم الملائكة أين بلغت قلوبهم من مراتبها في تلك الحجب، فيعلم هناك أنهم كانوا في أداني المملكة في الأرض مع وساوس الشيطان، ووساوس النفس معالشهوات، أدركوا هذه العلوم حتى يمدحوا ربنا بهذه المدائح، ويصفوه بهذه الصفات.ونحن هاهنا معرون من الشهوات، مبرؤون من وساوس الشياطين في أعالي المملكة، فإنما يثنون أولئك يوم القيامة على الله على منابر النور بين يديه بتلك الأسماء التي عرضها على الملائكة، فقالت: {لا علم لنا}، فقال لآدم: {أنبئهم بأسمائهم}.فركب في صدره مرآةً، وعلمه كلمةً هي أصل الأسماء حتى حزر الأسماء أسماء الله تعالى، ثم أسماء خلقه، فنطق بها، وعينا قلبه تنظران في تلك المرآة، فورث أنبياء الله، وأولياؤه، ونجباؤه من ذرية آدم تلك المرآة؛ لما طهروا صدورهم، ونقوها من العلائق وغيوم الشهوات، فرأوا فيها سمات الأشياء، فظهر فيها علم تلك الكلمة التي هي أصل الكلمات، فهامت قلوبهم في بحر علم الله، وهم الذين ينصب لهم بين يدي الله منابر من نور، وإن ثيابهم نور، ووجوههم نور، يغبطهم النبيون والشهداء؛ لمكانتهم وقربتهم من الله، ينطقون بالثناء على الله، وهم قرة عين محمد صلى الله عليه وسلم في الموقف، وخلفاء رسول الله بعد المقام المحمود.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 1470
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
