نا عبد الله بن أبي زياد، قال: نا سيار، قال: نا جعفر بن سليمان، قال: سمعت فرقد السبخي يقول: قرأت في التوراة: من أصبح حزيناً على الدنيا، أصبح ساخطاً على ربه، ومن تضعضع لغنيٍّ، ذهب ثلثا دينه، ومن نزلت به مصيبة، فشكاها إلى الناس، فإنما يشكو ربه.فهذا رجل قد زاغ قلبه عن الله، فضل في مفاوز الحيرة، والفرح بأحوال النفس في مروجها وغياضها، فإذا اضطرم عليها نيران الحرص، امتلأ الجوف، من دخانها، حتى يصير الصدر كالليل الدامس، وتعمى بصائر نفسه، حتى يصير في أحوال النفس كالأعمى الذي يتقي الأشياء بيده، وبالمس، والفرح بأحوال النفس له سلطان يميت القلب، ويحيي النفس، وتهتز الشهوات بتلك الحرارة في كل شيء، يستحيي من الخلق، ولا يستحيي من خالقه؛ كما قال في تنزيله: {يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول}.وله حلاوة تسكرك عن الله، فالسكران متى يعقل من معه؟ وله برد كبرد السم يدب في العروق إلى مخ الأعظم، حتى يحذرك عن الإيمان بالله، فيصيرك كأنك خالٍ عنه، ويشتمل على روحك حتى ينسى روحك معدنه ومسراه، وينفذ إلى طبع النفس وثقلها وكدورتها، وله لذة تلهيك عن الله، وعن يوم الميثاق، ويوم الميعاد لوفاء الميثاق، وله قوة تقيمك على البغي، والبغي سيف الروح، ومحق النفس، وله أشر يطغيك، فإذا أنت طاغٍ باغٍ، وله بشرى وآمال كاذبة، وأماني خادعة غرارة، تهيم فيها هيمان المحتلم، يثب على كل مفروح في الدنيا وثبان المحتلم في منامه على جارية قد عشقها، فإذا انتبه، وجد نفسه عما وثب عليه خالياً، وفي فراشه بائلاً.فويل للفرح هكذا بهذه الصفة، كيف يمشي مكباً على وجهه في طرقات الدنيا ومزابلها يلتمس أفراحها، قد تولى عن الله، وأقبل على نفسه ودنياه، يخرب دينه، ويعمر نفسه، كيف ينتبه ويفيق من سكرته يوم يدنو منه رسول ملك الملوك لقبض روحه، ويعرج به إلى الله تعالى؟! كيف يجد نفسه خارجاً من أفراح النفس ودنياها، ويقدم على ربه جنباً، قد بال في دينه، وعبودته لربه، وراث فيها كروث الحمار، الذي قد حمل عن الله أسفاراً على ظهره من قبل أن يتطهر بماء الندم.فالكيس: نظر إلى هذا الحال، فاقشعر منه، ورجع إلى نفسه، فوجدها كريمة، حرة من الحرائر، تنقاد وتسلس بلا كزازة، فقام على الساق متشمراً في تصفيته قلبه، وتطهيره، التطهير؛ ليرق، والتصفية؛ ليجلى؛ فإن المرآة إذاجليت، فقابلها نور الشمس، تولد من بينهما إشراق يضيء البيت منه، فكذلك القلب إذا جلي، ثم لاحظ نور الملكوت، أضاء الصدر، وامتلأ من شعاعه، فأبصرت عينا الفؤاد باطن أمور الله تعالى في خلقه، فذاك ظاهر إيمان القلب، حتى أداه ذلك إلى ملاحظة نور الله، فإذا قابله نور الله، تولد من بينهما إشراق يمتلئ الصدر منه، وتبصر عينا فؤاده باطن الملكوت، فذاك باطن إيمان القلب، فذاك قلب قد استكمل الزينة والبهاء بما سبق من الصفاء والطهارة، فصار قلبه موضع نظر الله من بين خلقه، فكلما نظر إلى قلبه، زاده به فرحاً؛ لأنه ازداد به فرحاً، وله حباً، وعليه عزاً، ومنه قرباً، واكتنفه بالرحمة في ملك الرحمة.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 1464
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
