نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول #1467
نا عيسى بن أحمد العسقلاني، قال: نا المؤمل بن عبد الرحمن الثقفي، قال: نا عباد بن عبد الصمد، عن أنس بن مالك، قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! أي الأعمال أفضل؟ قال: ((العلم بالله))، ثم أتاه فسأله، فقال مثل ذلك، فقال: يا رسول الله! إنما أسألك عن العمل؟ قال: ((إن العلم ينفعك معه قليل العمل وكثيره، وإن الجهل لا ينفعك معه قليل العمل ولا كثيره)).قال أبو عبد الله رحمه الله:فالعلم ثلاثة أنواع: علم بالله، وعلم بتدبير الله وبربوبيته، وعلم بأمر الله.وروي لنا عن عيسى بن مريم عليه السلام: أنه قال: العلماء ثلاثة: عالم بالله ليس بعالم بأمر الله، وعالم بأمر الله وليس بعالم بالله، وعالم بالله عالم بأمر الله.كأنه جعل عيسى صلى الله عليه وسلم العلم بتدبيره، وربوبيته، مع العلم بالله علماً واحداً، فإنما صيرناه ثلاثة أنواع: أردنا أن يتميز عند من لا يعقل علم الله من علم التدبير؛ لأن علم التدبير للعباد، وهو داخل في باب العبودة.وعلم الله: هو الثناء الذي يظهر على الألسنة من بساتين القلوب، فالعلم رأس كل أمر، وخلق الله الخلق أصنافاً وألواناً، ثم أعطى كل شيء علمه الذي ينبغي له، فبالعلم يعرف ربه، وبالعلم يعبد ربه.وهو جواب موسى صلى الله عليه وسلم لفرعون حيث قال: {فمن ربكما يا موسى. قال ربنا الذي أعطى كل شيءٍ خلقه ثم هدى}؛ أي: أعطاهم خلقهم، ثم هداهم من خلقهم، ومن كونهم، ومن قواهم.فالهدى: هو العلم الذي أعطى كل شيءٍ خلقه حتى هداهم إلى نفسه،فالعرش ومن دونه إلى الثرى، وما بين الحدين في الجو العلى، وفي الهوى إلى حدوده السفلى، كلهم أعطاهم خلقتهم، ثم عرفهم نفسه، وهداهم.فالعلم جملة، والمعرفة تمييز الجملة، فالهدى: إيجاده إياهم بالقلوب على طريقه، فإذا هداهم، اهتدوا، فقصدوه بالقلوب، واستقرت النفوس له بالعبودة استسلاماً، فخلق كل شيء، ووضع فيه الحياة، وأعطاه العلم به، واقتضاه القنوت له، فقال: {وله من في السماوات والأرض كلٌّ له قانتون}.فالقنوت: الركود بين يديه في مقامه الذي أقامه، فخلق المكان، فركد بين يديه، ثم خلق الهواء، فركد في المكان بين يديه، ثم خلق العرش في الهواء في مكانه، فركد، ومن تحته الكرسي في مكانه، فركد، ومن تحته هواء عليين، فركد، ومن تحته السماوات والأرضون، فركدن، لا تزول، ولا يميل واحد من هذه الأشياء عن حده الذي حد له قيد شعرة يميناً وشمالاً، بل الكل راكد في حده.وكذلك البحار، والليل والنهار، والشمس والقمر، والنجوم، والرياح، والحر، والبرد، والظلمة، والنور، وأمم الأرض والخلق، والخليقة، فكل شيء من هذه الأشياء قد أعطاه خلقه، وهداه إليه؛ حتى يعلمه، ويعرفه، فيعبده.وخلق اللوح من قبل، فوضع فيه علم ما هو كائن إلى أن تنقضي الدنيا، وخلق دار الثواب، ودار العقاب: بساتين وقصوراً محشوةً بالرحمة، وسجوناً محشوة بالسخط والغضب سوداء مظلمة، ثم بدأ خلق آدم عليه السلام، وذريته، فجعل الأشياء سخرة للآدميين، ووضع فيها تلك الأشياء التي فيها منافع الآدميين وقوام معاشهم، وأعطاهم علم إخراج ذلك إلى الآدميين بمقدار معلوم، ووزن معلوم، في وقت معلوم، وفي موضع معلوم.فالعرش مقصد القلوب، والسماوات ظلال أبدانهم، وموضع أرزاقهم، وتدبير أمورهم، بما فيها من الشمس، والقمر، والنجوم، والرياح، والحر، والبرد، والليل، والنهار، وما في الأرض كلها سخرة لبني آدم، فهم كلهم إلى الثرى مسخرون، موكلون بإخراج ما وضع فيهن من المنافع إلى الآدميين، فأعطاهم العلم على قدر ذلك من الحاجة إلى إخراج السخرة إليهم، وخلق الآدميين للخدمة، ووضع فيهم أنواره؛ لتخرج الخدمة لله من باطنه.فالحاجة بالآدمي إلى العلم بالله حسبما له خلق، فانظر كم بين السخرة والخدمة! فالسخرة لنا، والخدمة لله.فلو أن أحدنا أقيم لخدمة ملك من ملوك الدنيا؛ لعظم شأنه، واحتاج إلى علم كثير، وأدب عظيم، وكياسة متداركة حتى يصلح لخدمته، وإلى دوام القيام بين يديه ماثلاً ليله ونهاره، حتى لا يضيع شيء من خدمته، فكيف بمالك الملوك، ورب العزة وإله العالمين؟.فعلى حسب ذلك الذي خلقنا له أعطانا من العلم، فأوتينا من العلم ما لم يؤت أحد، وعجزت الملائكة عن ذلك العلم، وقالت: {سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا}، فعندها قال: {يا آدم أنبئهم بأسمائهم}.فعندها ظهر علم الآدميين على علم أعلى الخلائق في المكان، وهم الملائكة؛ لأنا خلقنا لما لم يخلق هؤلاء، فهؤلاء للسخرة لنا، وللوكالة لإخراج المنافع إلينا؛ لنقيم عبودته بأركاننا بقوة تلك المنافع، ولنمثل بقلوبنا بين يديه على مثال الخدم لا تبرح قلوبنا من بين يديه، فلو لم تصل هذه المنافع إلينا من قبل المسخرين الموكلين بنا، لشغلت النفوس منا بحوائجها وضروراتها، وصرفت إليها قلوبنا، فيزيلها عن مقاومها، ولا تكاد تثبت، فخلق لنا ما في الأرض، وسخر لنا ما في السماوات.ثم أنبأنا ذلك في تنزيله، فقال تعالى: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ثم استوى إلى السماء}، ثم قال: {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه}.فأجمل في هذه الآية علم ما ذكرنا مفصلاً، فإذا انقضت المدة مدة الدنيا، رفعت العبودة، وذهبت السخرة، فأعيد من خلق من التراب إلى التراب، ومن خلق من النار والنور رجعا إلى معادنهما، فانقطعت المنافع؛ لأن العبودة قد انقضت، ومن أجل ذلك سخرت لك، فعندها تستقبلك منافع لا تنقطع في دار السلام، أو مضار لا تنقطع في دار الهوان، فإما ملك محبور، وإما عبد آبق مقهور مدحور، فأوتي هؤلاء علم السخرة، وأوتينا علم الخدمة؛ لأنهم لذلك خلقوا، ونحن لهذا خلقنا، فميز بين العلمين علم السخرة وعلم الخدمة.ولما أحست الملائكة خلق آدم، ماجت بعضها في بعض: ما هذا الخلق الذي لم نر مثله؟! فقالوا في أنفسهم: نحن أفضل، فلما قال لهم: {فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين}، برزت لهم فضيلته، فعلموا أنه قد جاء من هو أفضل منهم، فأقروا له، ثم قالوا: لن يخلق أعلم منا، فكشف الغطاء عن خلقه، وعرضهم عليهم، وقال:{أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين}، فعجزوا، فأوتي آدم علم الأسماء، وقيل له: {قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم}.فعلموا هنالك أن قد جاء الأفضل، والأعلم، والآثر، والأخص، فبرز آدم بعلم الأسماء على الملائكة، وعلم الأسماء ينبئ عن مكنون الأشياء؛ لأنها سمة الأشياء، فصار العلم منه وراثة في ولده، والخدمة لهم إلى آخر المدة، فمن فهم هذا، تحير قلبه في هذا، وقال: كيف لي بالقيام بخدمة ربي؟.فلما نال العلم بالله، والعلم بتدبير الله، يسرت عليه الخدمة؛ لأن هذين النوعين يهديانك إلى الخدمة، فعندها تقف خادماً لربك، فإذا وقف قلبك في مقام الخدمة، قام بعلم الأمر والنهي، وثبت، فعندها أمكن العبد الائتمار بأمر الله، والتناهي عن نهي الله، دق أو جل، فاستوجب الحفظ من الله، والثبات في تقلبه في الأمور.قال له قائل: ما الخدمة؟ وما علمها؟ وكيف لنا بأن نعلمها؟.قال: أما الخدمة: فالقنوت بقلبك بين يديه، مائلاً منتصباً كالمتشمر في قراطق الخدمة، مخفاً مبادراً، مسارعاً، مسابقاً، مركبك في جميع أمورك الحب لله.وأما علم الخدمة: فعلم البساطين.قال له قائل: وما البساطان؟قال: بساط القدرة، وبساط العبودة.وإذا طالعت بساط القدرة بعقل وافر، ثم طالعت بساط العبودة بكياسة وجد وحزم، أدركت تدبيره في العبودة، وباطن أمره ونهيه، وعلل التحليل والتحريم، ثم لماذا أحل؟ ولماذا حرم؟ فبعلم بساط القدرة تملك نفسك، وبعلم بساط العبودة تملك جوارحك، وخواطر قلبك، فلم يقتض الله العباد شيئاً لم يعطهم، فالأشياء كلها من عند الله.كان الله ولا شيء، فبسط بساط الربوبية من باب القدرة، وبسط بساط العبودة من باب العظمة، ثم كان آخر خلقه هذا الإنسان الذي بسط له هذين البساطين، فابتدأ خلقه من التراب، وجمع ترابه بالماء فعجنه، وصوره، وركب جسده، وجعله أجوف، ثم وضع فيه الروح، والنفس، والحياة، والقوة، والعلم، والمعرفة، والذهن، والفهم، والفطنة، والرأفة، واللطف، والحب، والفرح، والغضب، والسخط، والحفظ، والعلم، والعقل، والحلم، والكياسة، والبصر، والشهوة، والرحمة.ثم اقتضاه استعمال ذلك كله، وإبرازها من باطنه إلى ظاهر جوارحه، فتكون أعمالاً، عليها يثاب ويعاقب، وفتح لعيني قلبه طريقاً إلى المظهر للمعاملة؛ ليقبض منه أرزاقه وعطاياه، وما يدر عليه من رحمته ومن ربوبيته، وخلق العدو، وأعطاه السبيل إلى أجوافنا، فيجري في عروقنا، ومسكنه في صدرونا، وجعل جنده وعظم قوته في الهوى، والهوى يثير الشهوات، والشهوات دواعي الآدمي إلى مكامن العدو وغروره، فمن لم يعطه روحاً أو قوة، أو علماً أو ذهناً أو شيئاً من هذه الأشياء، لم يقتضه ما يخرج له من ذلك الشيء.كما أنه لو لم يعطك القامة، لم يقتضك الصلاة قائماً، ولو لم يعطك القوة، لم يقتضك الصوم، ولو لم يعطك المال، لم يقتضك الزكاة، ولا الحج، ولو لم يعطك الكسوة، أجزأ عنك الصلاة عرياناً، ولو لم يعطك الماء، أجزأ عنك التيمم.فكذلك ما في باطن كل شيء، لو لم يعطك، لم يقتضك استعماله، وإبرازه عنك، وكل شيء أعطاكه، ووضعه فيك، فإنما أعطاك لتبرزه،فتكون بذلك محموداً على ما وضع فيك، ناشراً في خلقه جماله ومحاسن فعاله، وتكون عليه مثاباً مكرماً، فإذا منعته إبرازك إياه، فقد ظلمت نفسك، وضيعتها، وضاعت عنك الأشياء التي وضعها فيك، والقلب أمير على الجوارح، وأصل الحياة في القلب، والروح معلق بالوتين، وهو عرق القلب، والحياة في الروح، فكلما زيد من الحياة، حتى علمه ومعرفته، وانبسط ذلك العلم في الصدر، وتميزت الأشياء، وتدبر العقل في صدره، فميز الخير من الشر، والعلم قبوله إلى الذهن، والتمييز والتدبير إلى العقل، فجعل للقلب عينين، وجعل لهما طريقاً إلى المظهر، وهو العرش.ومد بصر عينك إلى المظهر نور العلم بالله، والمعرفة لله، حتى يرجع بصرك إلى صدرك بعلم غزير، وأمور مسفرة تعلم كنهها وكيفيتها، ووضع الشهوات في الجوف، ففوران الشهوات لها دخان وغيوم؛ لأنها من باب النار، وجالبها وناقلها الهوى، فإذا صارت إلى الصدر، صار الصدر كيوم مغيم، قد حال بين نور الشمس وبين عينك، فإلى أين تهتدي؟ وأين طريق تسلك في ذلك الغيم؟ وأي بئر تتوقى حتى لا تتردى فيها؟ وأي أرض مشاكة تتجنبها حتى لا تقع فيها؟ وأية مزبلة تحيد عنها حتى لا تتلوث في أقذارها؟فإذا سكنت الغيوم، وذهب الفوران، وبرزت الشمس، وأشرقت، اهتديت الطريق، وتجنبت الآفات؛ لأنها صارت رأي العين، فإذا ذهبت الغيوم، ورميت ببصر العين التي على الفؤاد، امتد البصر إلى الذي جعل لك الطريق إليه، فجلت ببصر عينك في ملكوت العرش، فرجعت إلى القلب بالعجائب من تلك المشاهد، ووقفت على تدبير عظيم من أمر الله في شأنك، فكل حركة ظهرت منك، فإنما تحركها الحياة، فكل حركة ظهرت منك بغير ذكر الله، فقد فاتتك من الخدمة بقدرها وبقسطها من فقد ذكر الله إياك.ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس يتحسر أهل الجنة على شيءٍ إلا على ساعةٍ مرت بهم لم يذكروا الله فيها)).
اَنَسِ بْنِ مَالِکٍ، ← عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ، ← المؤمل بن عبد الرحمن الثقفي، ← عيسى بن أحمد العسقلاني،
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · المجلد السادس · Hadith 1467
