Wednesday, Safar 29, 1448 AH · Aug 12, 2026

Preserving the Prophetic ﷺ tradition for every generation

favorite Support This Mission
logo

Hadith Nabawi

logo

Hadith Nabawi

    SearchBooksTopicsNarratorsTerminologyAbout
person Sign in

About

  • Our Mission
  • Methodology
  • Team
  • Contact

Resources

  • FAQ
  • Book Catalog
  • Narrator Database
  • Topics

Contribute

  • Become a Translator
  • Report an Error
  • Donate
  • GitHub

Legal

  • Terms of Use
  • Privacy Policy
  • License

Follow Us تابعنا

fin@X

Daily Hadith, scholarly articles, and updates from the team.

© 2026 Hadith Nabvi Platform · A project by Learning SoulsHadith e Nabawai (PBUH)
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول

Nawadar Al Asool Fi Marfa Al Hadith Al Rasool

1,631 Hadith302 Chapters
Read Book arrow_right_alt
IntroductionChaptersHadithsNarratorsAuto Biography

Chapters

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول #1104

حدثنا الفضل بن محمدٍ، قال: حدثنا محمد بن الوزير الدمشقي، قال: حدثنا يوسف بن السفر، قال: حدثني مالك بن أنسٍ رضي الله عنه، قال: حدثني ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه، قال: كان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يتيمٌ مريضٌ، فسأل عنه يوماً، فقالوا: إنه لمثبت يا رسول الله، قال: ((أفلا استرقيتم له؛ فإن ثلث منايا أمتي من العين)).فإنما صار أكثر من يموت بذلك؛ لأن هذه الأمة فضلت باليقين على سائر الأمم، فحجبوا أنفسهم بالشهوات، فعوقبوا بآفة العين، فإذا نظر أحدهم بعين الغفلة، وقد فضل باليقين على الأمم قبله، كان عيبه أعظم، والذم له ألزم.وهو قوله عز وجل في تنزيله: {قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم}؛ أي: لن يؤتى أحد من الهدى؛ أي: من اليقين مثل ما أوتيتم، ثم قال: {قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء}، ثم قال: {يختص برحمته من يشاء}.فهذه رحمة من الله لهذه الأمة، فلما فضلهم باليقين، وهو التأييد الأعظم من الله، لم يرض منهم بأن ينظروا إلى الأشياء بعين الغفلة، وتتعطل منة الله عليهم، وتفضيله إياهم.

اَنَسِ بْنِ مَالِکٍ، ← رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ← مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ← يُوسُفُ بْنُ السَّفَرِ ← مُحَمَّدُ بْنُ الْوَزِيرِ الدِّمَشْقِيُّ ← الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · المجلد الخامس · Hadith 1104

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول #1105

Sahih

حدثنا أبي رحمه الله تعالى، قال: حدثنا عبد الله بن عاصمٍ الحماني، قال: حدثنا أبو عوانة، عن الأعمش، عن مجاهدٍ، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من استعاذ بالله، فأعيذوه، ومن سأل بالله، فأعطوه، ومن استجار بالله، فأجيروه، ومن أتى إليكم معروفاً، فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أنكم قد كافأتموه)).فأما الاستعاذة بالله: دخوله في مأمنه وحرمه، ولو أن أحداً التجأ إلى ملك من ملوك الدنيا، لما طالبه أن يتكلف منه أذى، ولكف عنه؛ إعظاماً لمن التجأ إليه، ولو التجأ إلى حرم الله، لاستحق أن يكف عنه حتى يخرج منه، فكيف بمن دخل في عباده، وصيره ملجأ ومفزعاً وكهفاً؟ولو أن ملكاً التجأ إليه أحد من طالب يطلبه بسوء، لم يرض الملك أن يتكلف الطالب منه بعد ذلك مكروهاً، وعد ذلك منقصة أن يخذله، ووجد على طالبه بسوء بعد أن صيره المطلوب ملجأ، وكان ذلك من الطالب جرأة على الملك، واستخفافاً بحقه، وتضييعاً لحرمته، فكيف بمالك الملوك؟!ولو أن رجلاً له حرمة ووجاهة وقد فزع هذا المطلوب إليه، فأوى إلى حجره، أو دخل في قميصه تحرزاً من هذا الطالب له بسوء، لكف طالبه عنه، واستحيا من ذلك الجليل أن يتناوله من قربه بسوء، فكيف من دخل في عياذ الله؟!وكذلك قوله: ((من استجار بالله، فأجيروه))، فهو من الاستعاذة قد دخل في جواره، وجار الله لا يؤذى.وقوله: ((ومن سألكم بالله، فأعطوه))، فالسؤال بالله بوجهه أن يقول: سؤالي هذا بلساني في الظاهر، ولكن في الباطن كأنه يؤدي إلى أن يقول: أسأل ربي أن يسألك هذه الحاجة لي، فكأنه صير الرب هو السائل بينه وبين صاحبه، فالله لا يرد، وهذا إذا سأل بحق، وإذا سأل بباطل، فإنه لم يسأل بالله، إنما يسأل بالشيطان.وروي عن علي رضي الله عنه: أنه قال له رجل: أسألك بوجه الله تعالى، فقال: إنما سألتني بوجهك الخلق.

ابْنِ عُمَرَ ← مُّجَاھِدٍ ← الْاَعْمَشِ ← أَبُو عَوَانَةَ، ← عبد الله بن عاصمٍ الحماني، ← أبي تعالى،

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · المجلد الخامس · Hadith 1105

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول #1106

حدثنا صالح بن محمدٍ، قال: حدثنا سليمان ابن عمرو، عن سالمٍ الأفطس، عن الحسن، وسعيد بن جبيرٍ، عن علي رضي الله عنه: أن رجلاً سأله، فلم يعطه شيئاً، فقال: أسألك بوجه الله تعالى، فقال له عليٌّ: كذبت، ليس بوجه الله سألتني، إنما وجه الله الحق ألا ترى إلى قوله: {كل شيءٍ هالكٌ إلا وجهه} ما أريد به وجهه، ولكن سألتني بوجهك الخلق.

عَلِيٍّ، ← الْحَسَنِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ← سَالِمٍ الأَفْطَسِ، ← سليمان ابن عمرو، ← صَالِحِ بْنِ مُحَمَّدٍ

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · المجلد الخامس · Hadith 1106

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول #1107

حدثنا الفضل بن محمدٍ، قال: حدثنا إبراهيم ابن الوليد بن سلمة الدمشقي، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا يزيد بن قيسٍ الكندي، قال: أخبرني عبادة بن نسيٍّ، قال: أخبرني عبد الرحمن بن عنمٍ الأشعري، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من سألكم بالله، فأعطوه، وإن شئتم، فدعوه)).قال معاذ رضي الله عنه: وذلك أن يعرف أنه غير مستحق، فإن عرفتم أنه مستحق وسأل فلم تعطوه، فأنتم ظلمة.معنى قوله: ((فإن شئتم، فدعوه)) إذا عرف أنه غير مستحق، أو اشتبه عليه، فلم يعرف أنه سأل بحق، ألا ترى: أن معاذاً رضي الله عنه قال: إن عرفتم أنه مستحق، فلم تعطوه، فأنتم ظلمة.وأما المعروف، فإنه يكافأ، فإن لم يجد المكافأة، فالدعاء أكثر من المكافأة بالشيء، ذاك أعطاه عرضاً من الدنيا، وكافأه، وهذا بالمسألة من الله له نوالاً، فنوال العبد يدق في جنب نوال الله تعالى.والعبد إذا صنع إليه معروف، فأراد أن يكافئ، فلم يجد، فاشتد عليه، فإنما يشتد عليه لكرم طبعه؛ لأنه قد نجع فيه معروفه؛ لأنه عارف بالصنائع، شاكر له، فأثقله معروفه، فاشتد عليه، فطلب ما يجد الخلاص به من تلك الأثقال، فأعوزته الحاجة، ففزع إلى الله عز وجل من أثقال معروفة يسأله أن يكافئه عنه، والله يحب هذا الخلق من المؤمن، وهو محض الشكر، فهذا قمنٌ أن يستجيب له؛ لأن هذا فعل من أري أفعال محاب الله.

مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ← عبد الرحمن بن عنمٍ الأشعري، ← عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ، ← يزيد بن قيسٍ الكندي، ← أَبِي ← إبراهيم ابن الوليد بن سلمة الدمشقي، ← الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · المجلد الخامس · Hadith 1107

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول #1108

حدثنا حميد بن علي مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: حدثنا جعفر بن محمدٍ الهمداني، قال: حدثنا ابن مباركٍ، عن حماد بن سلمة، عن الزبير بن عبد السلام، عن أيوب بن عبد الله الفهري، عن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مر لقمان على جاريةٍ في الكتاب، فقال: لمن يصقل هذا السيف؟)).قال أبو عبد الله:فهذه كلمة تمثيل خرجت من معدن الحكمة، وعامة الحكمة هي أمثال؛ لأن الأمثال أنموذج الآخرة، وأنموذج الملكوت،فبالخلق حاجة إلى معاينة الآجل، وإنما يعاينونه بالعاجل، ولهذا ضرب الله الأمثال في تنزيله، وعجل لأهل الدنيا من نعيم الجنان أنموذجاً، وهو: الأنوار، والطيب، والذهب، والفضة، واللؤلؤ، والزبرجد، وسائر الجواهر، فلو لم يرهم ذلك في دار الدنيا، ثم وصف لهم الجنان بهذه الأشياء، لم يفهموا عنه تلك الصفة.ألا ترى أنه وصف ثلاث درجات: درجة فضة، ودرجة ذهب، ودرجة نور، وهي مئة درجة، فإنما أمسك عن وصف سائر الدرجات؛ لأنه ليست عندهم أنموذجاتها، فيفهمون بها عنه ما يصف، وذلك قوله تعالى: {فلا تعلم نفسٌ ما أخفي لهم من قرة أعينٍ}؛ لأن النفوس لم تعاين شيئاً من ذلك في الدنيا، فلو سميت لهم، لم يعقلوها، ولم يعلموا من ذلك إلا الاسم، فالسيف أمره لا يكاد يلبث صاحبه، فكذلك المرأة شهوتها من بين الشهوات كالسيف من بين الأسلحة.وذكر لنا: أن إبليس لما خلقت المرأة، قال: أنت نصف جندي، وأنت موضع سري، وأنت سهمي الذي أرمي بك فلا أخطئ.وذكر الله في تنزيله حب الشهوات، وبدأ بذكر النساء، فقال: {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك}؛ ليعلم أنها أقوى الشهوات.وقال في آية أخرى: {وخلق الإنسان ضعيفاً}؛ أي: في شأن النساء، وذلك أنها ركبت فيه شهوة أزعجته.وقال: {خلقكم من نفسٍ واحدةٍ وجعل منها زوجها ليسكن إليها}، فهل يكون السكون إلا من الاضطراب والجولان؟وإن الله تعالى اقتص في تنزيله شأن ثلاثة من أنبيائه، وأعلام أرضه: يوسف، وداود، ومحمد -صلى الله عليهم وسلم- أجمعين.فأما يوسف -صلوات الله عليه-:فابتلي بامرأة العزيز، فلما تزينت له، وراودته، قال: {معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي}، ولم تزل في مراودته ومخادعته، حتى خلت به في بيت، وغلقت الأبواب.بلغنا في الخبر: أنها قالت له: يا يوسف! ما أحسن صورة وجهك! قال: في الرحم صورني ربي، فقالت: يا يوسف! ما أحسن شعرك! قال: هو أول شيء يبلى مني في قبري، قالت: يا يوسف! ما أحسن عينيك! قال: بهما أنظر إلى ربي، قالت: يا يوسف! ارفع بصرك، فانظر في وجهي، قال: أخاف العمى في آخرتي، قالت: يا يوسف! أدنو منك وتتباعد عني؟! قال: أريد بذلك الاقتراب من ربي، قالت: يا يوسف! القيطون [فرشته]، فادخل معي، قال: القيطون لا يسترني من ربي، قالت: يا يوسف! فراش الحرير قد فرشته، قم فاقض حاجتي، قال: إذاً يذهب من الجنة نصيبي، قالت: يا يوسف! إنك لجريء على سخطي، قال: أريد بذلك مرضاة ربي، قالت: يا يوسف! أنت عبدي، اشتريتك بمالي، فتتعظم علي؟! قال: بجرمي وخطيئتي اشتريتني، قالت: يا يوسف! ليتني لم أعرفك، و [لو] لم تكن قربتني بطول صحبتك، رجوت أن تقر بك عيني، قال: إن الموت موكل بي.قالت: يا يوسف! ضع يدك على صدري، قال: إنه لا صبر لي على احتراق جسدي إذا زرعت في أرض غيري، قالت: يا يوسف! الخبيثة قد عطشت، قم فاسقها، قال: الذي بيده مفاتيحها أحق بسقيها، قالت: يا يوسف! أعتقتك من الرق، وجعلتك بمنزلة زوجي، فبأي حيلة امتنعت مني؟! قال:بحول ربي الذي في السماء عرشه، ومكان سيدي الذي في الأرض سلطانه أخافه على نفسي.قالت: يا يوسف! إني مسلمتك إلى المعذبين، فيسلى جسمك كما أسليت جسمي، قال: ذاك فعل إخوتي بي، قالت: يا يوسف! النار قد التهبت، قم فأطفئها، قال: أخاف أن يحرقني بها ربي، فلم تزل تخدعه وتردده حتى هم بها، فلما حل سراويله، ورد يده إلى جيب قميصه ليخلعه، ويدخل معها في فراشها، ناداه منادٍ من السماء ثلاث مرات: مهلاً يا يوسف؛ فإنك إن واقعت الخطيئة، محي اسمك من ديوان النبوة، فلم يكترث لذلك الصوت، وغلبه ما وجد فيه من الشهوة، فمثل الله له أباه في مثل صورته التي عهده فيها، فنظر إليه غضبان عاضاً على أنملته التي تدعى المسبحة يوعده، ويحمل عليه ليقتله، فلما رأى ذلك يوسف عليه السلام، كف، وهرب مولياً نحو الباب، واتبعته سيدته، فتداركا عند الباب، واتبعته سيدته ينازعها ليخرج، وتجره من خلفه ليرجع، فانقد قميصه من دبر {وألفيا سيدها لدا الباب قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً إلا أن يسجن أو عذابٌ أليمٌ}.فلما رأى ذلك يوسف -صلوات الله عليه-، أفشى عليها، فقال: {هي راودتني عن نفسي}، حتى آل الأمر إلى أن شاع أمرها في النساء، وقبح عليها الأمر، فجمعت النساء، واتخذت عيداً، واستعانت بهن عليه، وأوعدته وتهددته إن لم يفعل ذلك: {ليسجنن وليكوناً من الصاغرين. قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين}، قال الله تعالى: {فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم} السميع: لمقالته، العليم: بقلبه، وبتعلقه، فلبث في السجن عشر سنين، فلما انتهت مدة عقوبة الهم، وحان أوان الخروج منه، قال لذلك الذي كان حبسه الملك ثم أخرجه: {اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين}.فروي في الخبر: أنه كان ثلاث سنين، فلما انتهت المدة مدة عقوبة قوله: {اذكرني عند ربك}، جاءه جبريل عليه السلام، فدخل عليه السجن، فقال له: يا يوسف! إن الله يقول لك: أتحب أن يكلك الله في شيء من أمرك إلى فرعون وجنده؟قال يوسف عليه السلام: أعوذ بالله من ذلك، برأفة ربي ورحمته، قال الملك:لم؟ قال: لأنهما لا يملكان لي ضراً ولا نفعاً، قال له الملك: فما الذي حملك على أن تستغيث بهما، وتطلب إليهما حاجتك، وأنت تعلم أنهما لا يملكان لك من الله شيئاً؟ قال: ظلمتني سيدتي، ولم يتبين سيدي في أمري، فرجوت أن ينصفني فرعون حتى يعلم علمي، قال له الملك: أفترضى بفرعون حكماً دون الله في شيء من أمرك؟ قال يوسف عليه السلام: معاذ وجه ربي، قال له الملك: فما أنساك ذكر ربك حين طلبت إلى غيره، وأنت تعلم هذا الذي ابتلاك؟ اذهب؛ فإن الله قد وكلك إلى من اتكلت عليه ثلاث سنين.ثم قال له: يا يوسف! انظر، فنظر إلى الأرض، فقال لها الملك: يا أرض انفرجي، فانفرجت، فقال: يا يوسف! ما ترى؟ قال: [أرى] أرضاً أخرى، فقال لها: يا أرض انفرجي، فانفرجت، فلم يزل كذلك حتى انفرجت عن الصخرة، فإذا علينا دودة حمراء بين يديها طعام، فقال: يا يوسف! ما ترى؟ قال: أرى دودة على الصخرة بين يديها طعام، فقال الملك: فإن ربك يقول: لم أغفل عن دودة تحت سبع أرضين حتى هيأت لها رزقها، وغفلت عنك، وأنت يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليلي، فاتخذت من دوني وكيلاً؟! لأطيلن حبسك، فبكى يوسف عليه السلام، وقال:انتشى قلبي من كثرة البلوى، فقلت: كلمه، فقال: يا يوسف! من خلصك من أيدي إخوتك؟ قال: الله تعالى، قال: فمن أضاء لك الجب؟ قال: الله تعالى، قال: فمن صرف كيد النسوة؟ قال: الله تعالى، قال: فكيف استعنت بالمخلوقين وتركت الخالق؟! قال: ((اللهم اجعل لي من كل أمر أهمني وكربني من أمر ديني ودنياي فرجاً ومخرجاً، واغفر لي ذنوبي، وارزقني من حيث أحتسب، ومن حيث لا أحتسب، وأثبت رجاءك في قلبي، واقطعه ممن سواك، حتى لا أرجو أحداً غيرك)).فخرج من السجن، وآتاه الله ملك مصر، وخوله خزائن أرضها، حتى جمع بينه وبين يعقوب -صلوات الله عليهما-، وجمع شمله في إخوته وأهل بيته، وانتقلوا إلى مصر.وروي لنا في شأن تلك المرأة.

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول #1109

ما حدثنا به عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا عصام بن المثنى الحمصي، عن أبيه، عن وهب بن منبهٍ، قال: أصابت امرأة العزيز حاجةٌ، فقيل لها: لو أتيت يوسف ابن يعقوب، فسألتيه، فاستشارت الناس في ذلك، فقالوا لها: لا تفعلي؛ فإنا نخاف عليك، قالت: كلا، إني لا أخاف ممن يخاف الله تعالى، قال: فدخلت عليه، فرأته في ملكه، فقالت: الحمد لله رب العالمين الذي جعل العبيد ملوكاً بطاعته، ثم نظرت إلى نفسها؛ فقالت: الحمد لله الذي جعل الملوك عبيداً بمعصيته، قال: فقضى لها جميع حوائجها، ثم تزوجها، فوجدها بكراً، فقال لها: أليس هذا أجمل مما أردت؟ قالت: يا نبي الله! إني ابتليت فيك بأربعٍ: كنت أجمل الناس كلهم، وكنت أنا أجمل أهل زماني، وكنت بكراً، وكان زوجي عنيناً.قال: وكتب يعقوب إلى يوسف عليه السلام وهو لا يعلم أنه يوسف: من يعقوب نبي الله ابن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله إلى عزيز آل فرعون،سلام عليك: فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد:فإنا أهل بيت مولعٌ بنا أسباب البلاء، كان جدي إبراهيم خليل الله في حداثة سنه ألقي في النار، فجعلها الله عليه برداً وسلاماً، وأمر الله جدي إبراهيم أن يذبح له ابنه إسحاق، ففداه الله بما فداه، وكان لي ابن من أحب الناس إلي كلهم، ففعل به ما أذهب حزني عليه بصري، وألصق جلدي بعظمي، وكان له أخ لأمه، وكنت إذا ذكرته ضممته إلى صدري، فأذهب بعض وجدي، وهو المحبوس عندك في السرقة، وإني أخبرك أنه لم يسرق قط؛ لأني لم أكن سارقاً، ولم ألد سارقاً قط.فلما قرأ يوسف عليه السلام الكتاب، بكى وصاح، وقال: اذهبوا بقميصي هذا، فألقوه على وجه أبي يأت بصيراً.وأما داود عليه السلام:فإنه لما قعد في المحراب، والزبور في حجره يقرؤه، إذا طائر بين يديه عليه من الألوان ما لا يوصف، فلما أهوى ليأخذه، طار إلى كوة المحراب، هو سبب البلاء، فوضع الزبور، وقام إليه ليأخذه، فطار من الكوة، فأخرج داود رأسه من الكوة، فوقع بصره على امرأة تغتسل على رأس بركة في بستانها تحت محراب داود عليه السلام، فرأت ظله، وأنه قد اطلع عليها إنسان، فقالت بشعرها، فجللت جميع جسدها بشعرها، فرجع من الكوة بجسده، وبقي القلب هناك عند البركة، فما يصنع العبد بلا قلب؟ وإنما القلب ملك، فسبي الملك، وانهزم الجند، وهم الجوارح؛ لأن الهوى هزمهم، فخرج من المحراب، وقصد لبيت المرأة لينقلها إلى نسائه؛ ليكون لنفسه في ذلك شفاء مما حدث، حتى يقدم زوجها، أو ينتظر ما يكون.فروي في الخبر: أنه وقف على مدرجته ملكان يقول أحدهما لصاحبه: لقد أكرم الله عز وجل عن مثل هذا الشيء إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، فلم ينتفع بما سمع، حتى صار من أمره، إلى أن كتب إلى صاحب البعث: أن يقدم زوجها إلى التابوت، وكان من قدم لذلك لا يرجع حتى تفتح المدينة، أو يقتل، فقدم زوجها في نفر إلى التابوت، فقاتلوا حتى قتلوا، فاعتدت المرأة، فخطبها، وتزوجها، واشتغل عنها بالتوبة.وأقبل على العبادة معتذراً فيها نادماً، متداركاً لما سلف منه، حتى شغل عن النظر في أمور بني إسرائيل، وجعل يأكل قويهم ضعيفهم، فلا يجد الضعيف غياثاً، يقيم الشهر ونحوه ببابه، فلا يصل إليه؛ لشغله بما أحدث من الأمر، حتى طمع فيه سفهاء بني إسرائيل، وائتمروا في خلعه، وكان قبل ذلك لا يرام؛ لقوله تعالى: {وشددنا ملكه}.فانطلقوا إلى ابن له أكبرهم سناً، وأعزهم عليه، وهو بكره، فخدعوه، ومنوه الملك، فقالوا: أنت أكبر ولد أبيك، وقد كبر أبوك، وشغل، وعجز عن السياسة، وضاعت حقوق الناس، وأحكامهم، وأنت أحق من يدارك ذلك، ولا نراه يكره ذلك، ولا يباليه، فإن هو عاتبك من ذلك، أخبرته: أنك إنما فعلت ذلك نظراً له، وشفقة عليه، حيث خشيت الإثم، وضياع الناس، وخشيت على ملكه الأعداء، فلم يزالوا يخدعونه حتى بايعهم، وإنما فعل ذلك السفهاء منهم؛ رجاء أن يملك، فيملكهم.فلم يشعر داود عليه السلام حتى خلع، وأصبح ابنه يبايع الناس، ويدعو إلى نفسه، فلما بلغ ذلك داود عليه السلام، عرف أنه عقوبة لذنبه، فخاف الفتنة، والبلاء،والسفهاء، فهرب بنفسه، ومعه رجلان: أمير جنده، وصاحب مشورته، حتى إذا كان ببعض الطريق، وهو يريد جبلاً يتحصن فيه، وكان في بني إسرائيل رجل قد غلب القضاة والحكام قبل داود عليه السلام، فلما وليه داود، أنصف منه الضعيف، وأقام عليه الحدود، وكان جلده حدوداً مراراً، فلما سمع ببيعة ابن داود، أسرع إليه، فلقي داود عليه السلام في بعض الطريق، فلما نظر إليه في مذلة البلاء، قال: أداود؟ قال: نعم، فقال: الحمد لله الذي نزع ملكك، وأهانك، وأذلك، وأفردك إلى نفسك، وفرق عنك جموعك، فلما سمع ابن أخت داود عليه السلام مقالة الرجل، وهو أمير جنده الذي كان معه، سل سيفه ليضربه، فقال داود عليه السلام: مهلاً، فإن هذا ليس هو الذي يسبني، وإنما الله هو الذي يسبني على لسانه بذنبي، وخطيئتي، ومتى كان يطمع هذا وأمثاله حتى يأذن الله له، فلم يظلمني ربي، ولكن أنا الذي ظلمت نفسي، ثم انطلقوا هاربين، حتى كمنوا في تلك الجبال خائفين لا يأمنون القتل.وكان لداود عليه السلام: صاحب شورى يقال له نوفيل، فغضب عليه، فعزله، واستبدل به، فقال ابنه لنوفيل: من أجل أي شيء غضب عليك أبي داود، وقد كان ينتصحك، ويعمل بمشورتك؟ قال نوفيل: إنه لما نزلت به البلية، وعرف فيه الوهن، كنت أول من فطن له، فأخبرت بني إسرائيل حتى خاضوا فيه، فأكثروا أن داود عليه السلام لم يهن، ولم يستكن إلا لجرم أجرمه فيما بينه وبين الله، وحدثٍ أحدثه، فعرفت حين رأيت الوهن والخلل أن الرجل مذنب، وأن ذنبه هو الذي فله وأضعفه، فغضب حين لم أستر عليه ذلك.قال: كيف الرأي في أمره؟قال: أن تطأ فراشه حتى يستيقن الناس أنه ليست لداود تقية عندك.قال: كيف الرأي في قتالي له؟ قال: إن كنت تريده في يوم من الأيام، فعاجله اليوم ما دام مخذولاً مسخوطاً عليه، فإني أعلم أنه لم يترك هذه المنزلة إلا لذنب، فالله عنه معرض، وهو بعد لم يتدارك التوبة، ولن يعترضه بمثلها، وإن أخرت أمره حتى يتوب الله عليه، ويغفر له، لم تطقه، فهو الذي قتل جالوت، ونزع طالوت ملكه، وأذل رقاب الملوك.واستشار الآخر، فقال له: هل سمعت بابن نبي قتل أباه؟ أم هل سمعت بنبي أذنب فلم تقبل توبته؟ أم لعلك تطمع أن تبلغ المعشار مما صنع الله لداود في علمه وحكمه وقسطه؟ أم ماذا تقول لربك يوم القيامة وقد قتلت أباك ونبيه، ووطئت فراشه؟ وما وجه التوبة من قتل نبي ووالد ونكاح أمهاته؟ ما أعلم يقبل ممن فعل هذا صرفاً ولا عدلاً، فإن كان لا محالة أنت ضابط هذا الملك، وبما أجمعت عليه من عقوق أبيك وخلعه، فلا تطلبه، ولا تقتله، فإن كان الله قد أذن بفنائه وهلاكه، فما أكثر معاريض البلاء التي تكفيك ذلك منه، وإن كانت بقيت له حياة يستكملها، ألفيتك لم تأثم بربك، ولم تفرط بوالدك.فقال: الرأي رأيك، وما أسمعك عرضت بغشٍّ، ولا ادخرت نصيحة، وأنا متابعك على ما في قلبك، وكافٍ عن داود ما كف عني، فإن قاتلني، حميت نفسي مخافة أن يظفر بي فيقتلني.قال الرجل: كف عن داود حتى يقاتلك.واعلم: أنه لن يقاتلك أبداً ما كان ذنبه له مهيناً، ولن يفعل ذلك حتى يقبل الله توبته، ويأذن له بقتالك، فإذا جاءه الأمر من الله، والقائم به داود، فأنت لا طاقة لك به، فأقصر عندها، إني لك نذير مبين، وإنه إن ظفر بك أبوك، أحياك وأمنك، وإنه أعظم حلماً وعفواً من أن يقتل ولده.ولبث داود عليه السلام من يوم خرج إلى أن رجع إلى ملكه سنتين، وانقطع الوحي، فلما رد الله إليه ملكه، سرح ابن أخته، وهو أمير جنده، فأمره أن يدخل المدينة، ويدعو إلى داود عليه السلام، ويخبر بني إسرائيل: أن الله عز وجل قدقبل توبته، ورد إليه ملكه، فاتبعوه إلا قليلاً منهم انحازوا إلى ابن داود عليه السلام، ولم يجرؤوا أن ينظروا إلى وجه داود عليه السلام بعد الذي كان منهم، فاستقبلوه، فقاتلوا قتالاً شديداً، حتى قتلوا.وكف ابن داود، فلم يقاتل حتى قتل أصحابه، ثم إنه هرب حياءً من أبيه، وكان يريد أن لا يرى أبوه له وجهاً، فتبعه ابن أخت داود، وعهد إليه داود عليه السلام، فقال: أحذرك أن تقتله، فإياك ثم إياك أن تقتله، فإني قاتلك به إن خالفت أمري؛ فإن ابني بكري، وأعز ولدي علي، وأحبهم إلي توبة، وبقاء، وصلاحاً ابتلاني الله بأحب أولادي إلي، وأعزهم علي؛ ليغيظني، ويذلني، ويغمني بذنبي، ويهينني بخطيئتي، وينزع ملكي، ثم تداركني عفوه، ورحمته، فعفا عني، وقبل توبتي، فينبغي لي: أن أعفو كما عفا عني، وأرجو له من التوبة والرحمة ما رجوت لنفسي، فليس هو بأعظم جرماً مني، فالحذر على دمه.فلحقه، فوجده قد علقته شجرة، دخل منها عود في برنسه، فاقتلعمن السرج، وزالت الدابة من تحته، حين اقتلع العود، فبقي معلقاً، وذهبت الدابة، فوقف عليه ابن أخت داود، فلما دنا منه، ناداه، قال: لبيك، قال: أخي أنت؟ قال: نعم، فأدركني إن كان لداود في حاجة، فإني قد أشرفت على الموت، فلما قال هذا، طعنه بالرمح حتى اعتدل فيه، وترك وصية داود عليه السلام، ثم انصرف وتركه حتى مات معلقاً، فلما رجع إلى داود عليه السلام، غضب عليه، قال له: أما إني قاتلك إما عاجلاً، وإما آجلاً، فوطن نفسك على ذلك، فقال: ما فعلت فعلي إلا وقد وطنت نفسي على أنك قاتلي، فاستبقاه داود عليه السلام؛ لأنه كان رجلاً منصوراً، لا ترد له راية، وكان بعيد الصوت والنكاية في العدو، فكره داود عليه السلام أن يعجل قتله، وأحب أن يمتع به المجاهدين في سبيل الله تعالى ما دام حياً، فلما حضره الموت، أوصى سليمان عليه السلام بقتله، فقتله ساعة رفع يده من قبره.فلما تيب عليه التوبة الظاهرة، ورد الله إليه ملكه، واطمأن، نزل عليه ملكان، فتسورا المحراب، فكان من خبره ما اقتص الله في تنزيله، وانكشف له الغطاء عن فعله، فبدر إلى البراز صارخاً متململاً، وسجد سجدة العويل، والنوح، دام في ذلك أربعين صباحاً، حتى نبت العشب حول رأسه.

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول #1110

حدثنا عبد الوهاب بن فليح بن رباحٍ المكي، قال: حدثنا جدي اليسع بن طلحة، عن عطاء بن أبي رباحٍ، قال: طالت السجدة من داود عليه السلام، واحتال الخضرة على رأسه من دموع عينيه، وبدا العظم شكا إلى ربه، فأتاه جبريل عليه السلام، فقال: يا داود! ارفع رأسك، فقد غفر لك، قال: يا جبريل! فكيف بالرجل؟ قال: فإن الله قد أعاضه الجنة، وقد غفر لك، فارفع رأسك.فهكذا سبيل الآدمي يزل ويخطئ، ثم يهتدي إلى ما هدي له من طريق التوبة، فيتوب، ويطمئن بموعود الله أنه يقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات، ولكن من أراد الله به خيراً، يصطفيه، ويبرئه من دنسها في عاجل الدنيا، صيرها كية على قلبه أيام الدنيا، ويكشف له عن الغطاء، حتى يرى قبحها، ويحجبه عن منزلته قلباً حتى يصرخ إليه، ويمرر عيشه حتى يتململ ويتلوى توجعاً، ثم يرحمه، فهذا أدبه للخاصة، فأدبه بأدب العامة، وتاب عليه، ثم أدبه بأدب الخاصة، ورده إليه.ولنا مجلس في ذكره وأحواله، ونجواه في سجدته ضممناه إلى هذا الباب:بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين:يا خليفة الرحمن! ماذا لقيت من خطيئة واحدة ارتجت بها الأصوات في العلا؟ وتناسخت القرون في الأمم حديثها لأهل البلوى؟ وكم من طعنة وكلمة ذات مرارة، ذقت طعم مرارتها من أجل تلك الخطيئة أيام الدنيا!بينا أنت في المحراب في مناجاة إلهك الرحمن تقرأ الزبور بإطراب،وألوان وألحان بنغمة برزت بها على الأنام، تغمر الأصوات، وتنير منابع قلوب الصديقين إلى كرامة ذي الجلال والإكرام، وتنعم أرواح المقربين إلى وسائلهم بالحنان المنان، ذي اللطف والإنعام، إذا أنت مخذول سلس القياد، قد زلت قدمك من المحراب، أبعد مما بين المشرق والمغرب، طار فؤادك، وأحاطت بك الفتنة، وسكنت عنك الأحوال، وانقطعت المناجاة، وسهوت عما أنت فيه بطائر طار بين يديك في كوة المحراب سبباً للفتنة والبلاء عليها من كل زينة وبهجة من بهجات الدنيا، فلم تتمالك أن هويته، وقمت إليه، فيا ويح من وكل إلى نفسه كيف يأمن ساعة من عمره، فوقعت في فتنة بعد فتنة تداولتك أيديها وأنت في غمراتها، حتى إذا تناهت بك منتهاها، ووصلت إلى نهمتك منها، شهد لك الصدق بما اضطرب عليه قلبك، واقتضاؤك الوفاء اللطيف بك، الكريم المتحبب إليك بما كنت عاهدته، وقبلت عليه ميثاق النبوة، فاعتذرت في التوبة والاستغفار، واعتزلت النساء والأهلين معتذراً إلى العزيز الغفار، ولم تتهنأ بما ملت إليه، ولا وصلت النفس إلى منيتها القصوى توبة علم ومعرفة بما قابلتها روحك وعقلك، متأدباً للصدق والوفاء لمولاك حتى قال لك: يا داود! عاد نفسك، وودني بعداوتها.فما زلت تدأب في العبادة مقبلاً على صلاتك قد أهمك شأنك، وندمت على ما فرط منك، حتى شغلك ذلك عن الحكم بين بني إسرائيل، والنظر في أمورهم، حتى أكل قويهم ضعيفهم، وضاعت أحكامهم وأمورهم، فأدركتك رحمة الله التي تعطف بها على أوليائه، ويطهرهم عن المقام بمحل الاغترار، وانكشف الغطاء، وبرز الأمر، ورفع الحجاب، وظهرت الهنات والغفلات بتسور الملكين عليه في متعبده، وهو مشغول في تلافي ما فرط منه، فأنكرهما، وأقبل عليهما باللائمة، وقال: ما أنتما؟ ومن أدخلكما بغير إذن علي؟ قالا: {خصمان بغى بعضنا على بعضٍ فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط}.فضربا له مثلاً بقوله: {إن هذا أخي له تسعٌ وتسعون نعجةً ولي نعجةٌ واحدةٌ فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب}.أي: غلبني، وامتنع مني أن ينصفني، فأجبت رسل رب العالمين،وأنت لا تشعر من تجيب، وخاطبت خطاب من لا يفكر بمرجوع جوابه.فقلت: {لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيراً من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعضٍ}، فقال الملكان: وغير الخلطاء قد يبغي كما بغيت على جارك في امرأته، ولم يكن لك بخليط ولا شريك، وقد حصرت نفسك في هذا البيت، واحتجبت فيه، فلا يوصل إليك، حتى ضاع الناس، وكاد يأكل بعضهم بعضاً، يأتيك ذو الحاجة من الشقة البعيدة، فلا يصل إليك، حتى تطول مدته، وتشتد مؤنته، ويضيع حقه، ويأتيك الضعيف، فيحجب عنك حتى يأكله القوي، فإن كانت الصلاة هي التي شغلتك عنه، فقد كان في الحكم بين الناس ما تجد لك عنها عوضاً، والقيام به أفضل من الصلاة، وإن كان اشتغالك هذا في طلب التوبة مما فعلت بامرأة جارك، فترك الخطيئة كان أهون عليك من طلب التوبة.ثم تحولا عنه في صورتهما، وطارا، فلما انكشف الغطاء، وعرج الملكان، ونظر عظيم ما أتى، ورفع الحجاب عن قلبه، وثب من مكانه وثبة ملدوغ جرى السم في عروقه، والتهب جوفه نيراناً، فرمى بثيابه، ولبس المسوح، وافترش التراب، والتجأ إلى البراز صارخاً بالعويل، ولزق بالأرض، وخر على محاسن وجهه بسجدة، يا لها من سجدة! لقد طال سقوطه بين يدي ربه منقبض الأعضاء، متحاملاً بجميع جوارحه على عرنينه، لقلبه وجيف، ولفؤاده خفقان، وبالدموع عيناه تنهلان، يجأر إلى الله متسكيناً، ويعتب إليه من فيح ما انكشف له معتذراً، حتى نبت العشب حوله من دموع عينيه، وهو ينادي في سجوده: إلهي! أين أفر من الموقف بين يديك غداً؟ ومن ينقذني من ظلمة خطيئتي وسوادها؟ فقد خفت أن تحول ظلمتها بيني وبين النظر إليك غداً، سبحان خالق النور إلهي!ولزمته استكانة البلاء، ودخله الوهن والضعف، وانقطع الجواب، وضاقت عليه الأرض برحبها، وضاقت عليه نفسه، وقلق في سجوده، ونادى:إلهي! خليت بيني وبين عدوي، فلم أطق لفتنة نزلت بي دفعاً. سبحان خالق النور إلهي!قرح الجبين، وفنيت الدموع، ودبرت الركبتان، وخطيئتي ألزم لي من جلدي.طفنودي: ما لك يا داود؟ أجائع أنت فتطعم؟ أظمآن أنت فتسقى؟ أمظلوم فتنصر؟ أعارٍ فتكسى؟ فزفر زفرة وهاج ما في جوفه من اللهبان، فأحرق العشب الذي كان نبت عند رأسه فيه، ثم قال: أما نظر في خطيئتي بعد؟ لقد عرفت إلهي أن رحمتك واسعة، ولولا رحمتك، لفضحتني، ومن هذا الذي ينصرني إن خذلتني؟ ومن ذا الذي يغفر لي خطيئتي إن لم تمحها من كتابي؟إلهي! يقشعر جلدي إذا نظرت إلى خطيئتي التي مع ملائكتك، فهم حافظون لها، أمن هذا الذي يتداركني برحمة إن لم تتجاوز عني، وتمن بها علي؟ تصدعت الخدود، وانقطعت الأشجار، وارتجت البحار، وفزعت الجبال والآكام من عظم خطئي، لا أطيق حمل خطيئتي إن لم تحملها عني. إلهي! ينام كل ذي عين، ويستريح في موطنه، وقد شخصت عيناي تنتظران رحمتك، إلهي! فتقبل دعائي، وارحم شمطي، وتجاوز عن ذنبي، سبحان خالق النور إلهي!تبكي الثكلاء على ولدها إذا فقدته، وداود يبكي على ذنبه العظيم، سبحان خالق النور إلهي!فقل أنت الآن: إلهي طوبى لداود إذ منع بالبكاء على ذنب واحد، فنال من قربك ما نال، الويل الطويل لي إذ حرمت البكاء على ذنوب عظام جسام، سبحان خالق النور إلهي!يقول داود: إلهي! خليت بيني وبين عدوي، فلم أطق لفتنة نزلت بي دفعاً، فقل أنت الآن: هذا حال داود مع جلال قدره ورفيع رتبته، فكيف يكون حالي، وقد سباني وأرداني، وأحاطت بي شبكات فتنته؟ سبحان خالق النور إلهي!يقول داود: إلهي! خلقتني، وكان في سابق علمك أني صائر إلى ما صرت إليه، أخرجتني من بطن أمي وليس لي خطيئة أعذب عليها، فلم أرع وصيتك، فأين أفر من خطيئتي؟ وأين أهرب من عملي؟ هذا مكان العائذ بك، سبحان خالق النور إلهي!فقل أنت الآن: إلهي! أفكان يظهر لنبيك وصفيك وخليفتك في أرضك من مكنون قضائك المحتوم، ما يظهر، فما الذي يظهر لي؟ كيف لا تنقطع أعضائي؟ ولا أموت كمداً خوفاً مما لعله يظهر لي الكفر بعد الإيمان بك سيدي؟ سبحان خالق النور إلهي!يقول داود: إلهي! من أين يطلب العبد المغفرة إلا من سيده؟ حثوت على رأسي التراب، وألزقت به خدي، ودسست فيه وجهي؛ خشيةً من عذابك، وأليم عقابك، سبحان خالق النور إلهي!فقل أنت الآن: إلهي! ما طلب داود المغفرة والتوبة حتى فتح له باب الرحمة، فكيف أصنع بذنوبي وخطاياي وبابي منغلق، قد كبلتني خطيئتي، وانغلقت أبواب ضرعي إليك؟ (والتففت في المعاصي التفاف الدود بقزها والتفت بي المعاصي التفافاً حتى لا أجد) مسلكاً إلى التوبة؟سبحان خالق النور إلهي! يقول داود: إلهي لم ينفعني الزبور ولم تعافني مما ابتليتني به.سبحان خالق النور إلهي! فقل أنت الآن: إلهي! يا راحم الضعفاء الجهلة: إذا كان صفيك داود لم ينج من الفتنة مع نبوته، فكيف بالجهلة الضعفاء؟ سبحان خالق النور إلهي!يقول داود: إلهي! يغسل الثوب فيذهب درنه ووسخه، والخطيئة لازمة لي لا تذهب عني، وثوبي يبلى، وجسمي يفنى، وخطيئتي لا تبلى، سبحان خالق النور إلهي!فقل أنت الآن: إلهي! إن كانت الخطيئة لازمة لداود، فهي لنا ألزم وألزم، أخاف أن لا يطهرنا منها إلا حريق النيران، سبحان خالق النور إلهي!يقول داود: إلهيّ ويل للخطائين يوم القيامة كيف يحشرون غداً حفاة عراة؟ ويل للخطائين حين يأتيهم ملائكة غلاظ شداد، أعينهم كالبرق الخاطف، ولهب النار يخرج من أفواههم، ليست لهم رأفة ولا رحمة، فيبطشون بهم، ويل للخطائين حين يعلو جهنم زفيرها، ويشتد تلظيها، وتنشر أغلالها، ويتطاير شررها، سبحان خالق النور إلهي!فقل أنت الآن: إلهي! لقد أرعب داود قلوب العصاة المذنبين، أنطقه لسان الخوف، وسخطك أشد على عارفيك، وفراقهم رضوانك من جميع ما حوته جهنم من ألوان العذاب، فليت شعري ما الذي يظهر لنا من جودكيومئذ سيدي؟ سبحان خالق النور إلهي!يقول داود: إلهي! أنا الذي لا أطيق حر شمسك، فكيف أطيق حر نارك؟ سبحان خالق النور إلهي!فقل أنت الآن: إلهي! لا داود يطيق حر نارك، ولا أحدٌ من خلقك، فكما تفضلت على داود بالمغفرة، فتفضل علينا معشر العصاة المذنبين الذين قعدوا يتحازنون على الذنوب، وإن لم يجدوا الحزن، سبحان خالق النور إلهي!يقول داود: إلهي! أنا الذي لا أطيق صوت رعدك، فكيف أطيق صوت جنهم إذا دمدمت وتغيظت على العصاة؟ أسمع صوت الرعد، فيكاد يذهب قلبي، وتزهق نفسي، فكيف إذا أخذت النار في جسدي؟ سبحان خالق النور إلهي!فقل أنت الآن: إلهي! ليس لجهنم سبيل على داود، وإن له عندك لزلفى وحسن مآب، الشأن فينا معشر الخطائين الذين بارزوك بالعظائم، وتلوثوا في المعاصي. سبحان خالق النور إلهي!يقول داود: إلهي! كيف يستتر الخطاؤون من خطاياهم، وأنت شاهدهم حيث كانوا؟ سبحان خالق النور إلهي!فقل أنت الآن: إلهي! تفضلت على داود مع المغفرة بالحياء منكسيدي، فما لنا نجترئ على معاصيك، ثم لا يأخذنا منك الحياء؟ سبحان خالق النور إلهي!يقول داود: إلهي! قرح الجبين، وجمدت العينان من البكاء مخافة الحريق على جسمي، سبحان خالق النور إلهي!فقل أنت الآن: إلهي! طال سجود نبيك داود حتى قرح منه الجبين مناً منك عليه، وإكراماً له فأنى لي بالسجود، وأنا المقصى من بابك بما كسبت يداي؟ سبحان خالق النور إلهي!يقول داود: إلهي! الويل لداود حين يكشف الغطاء عنه، فيقال: هذا داود الخاطئ. سبحان خالق النور إلهي!فقل أنت الآن: إلهي! إنما يكشف الغطاء عن داود لداود لنفسه لا لغيره في تلك الحجب الخفية، وأنا أخاف أن يكشف عن غطائي على رؤوس الأشهاد للخلق والخليقة، ثم يؤمر بي إلى النار، سبحان خالق النور إلهي!يقول داود: إلهي! إذا ذكرت ذنوبي، يئست من كل خير، وإذا ذكرت رحمتك رجوتها. سبحان خالق النور إلهي!فقل أنت الآن: إلهي! رحمتك الواسعة جعلت داود لها أهلاً، فإن لم يكن معشر العصاة المذنبين أهلاً لرحمتك أن ينالها، فرحمتك الواسعة أهل أن تنالنا، سبحان خالق النور إلهي!يقول داود: إلهي! أبكي أيام الدنيا أهون علي من أن أبكي وقد جعلت في النار، سبحان خالق النور إلهي!فقل أنت الآن: إلهي! من وجد إلى البكاء سبيلاً، فقد رحمته، ومن رحمته، بكى بين يديك، فكيف لنا بالبكاء سيدنا، وإنما يبكي من خلص إلى قلبه أوجاع الذنوب، فكيف لنا بوجع الذنوب ولا ننالها؟ سبحان خالق النور إلهي!يقول داود: إلهي! زعمت أني أفزع إلى المحراب، وأغلب الشياطين بقوتي، فوكلت إلى نفسي، فزلت قدمي أبعد ما بين المشرق والمغرب، سبحان خالق النور إلهي!فقل أنت الآن: إلهي! تزل قدم داود صفيك من المحراب، فكيف أجد القرار؟ أم كيف آمن وأنا متردٍّ في أودية الفتن، وسكك البلاء من ذلك القدم؟ أسألك الأمان من الخذلان، سبحان خالق النور إلهي!يقول داود: إلهي! دعوتك حتى انقطع صوتي، وأثقلت ظهري، وألبس علي أمري، وضاقت بي دنياي، سبحان خالق النور إلهي!فقل أنت الآن: إلهي! واشؤم معصيتاه خطيئة تقطع صوت داود عنك، وتصيره كالطير لا ريش لها، فكيف صنعت بنا في تلك العجائب التي رأيتها منا يا حليم؟ سبحان خالق النور إلهي!يقول داود: إلهي! كنت أبغض الخطائين وأمقتهم، فأنا اليوم أرحمهم؛ لعلك أن تغفر لهم، فتغفر لداود الخاطئ معهم، سبحان خالق النور إلهي!فقل أنت الآن: إلهي! كان داود يبغض الخطائين، ويحمله على مقتهم غيرةً لك، وإن الحبيب يغار للحبيب، فحل به ما حل، حتى صار يدعو لهم، فكيف بمن أبغضهم إعجاباً بنفسه وعقله عن حال صاحبه، وتيهاً وتعظماً على عبيدك؟ سبحان خالق النور إلهي!يقول داود: إلهي! بعثتني بالنبوة، وألبستني لباس الملوك بعد الثيابالخشنة، ومنعتني بالمهابة من خلقك، فحدثت نفسي أن أتفرغ لك في المحراب، وأعبدك، وقلت: إني سأغلب نفسي إن وكلت إليها، ولم يكن ينبغي لي أن أقول هذا، فلما وكلت إلى نفسي، أتتني الهلكة، فهلكت حين خذلتني، سبحان خالق النور إلهي!فقل أنت الآن: إلهي! لم يحتمل هذا عن صفيك داود، فوكلته إلى ما أعطيته، فلم ينفعه العطية حين تخليت عنه، فكيف بمن ركن في جميع عمره إلى الأسباب؟ واعتصم بالمخلوقين، وشخصت آماله لدى العبيد المربوبين؟ سبحان خالق النور إلهي!يقول داود: إلهي! لا ينقضي ما أنت معطي النبيين والصديقين من أجل خطيئتي، إنما أنا من ولد آدم المذنب الخاطئ التائب. سبحان خالق النور إلهي!فقل أنت الآن: إلهي داود يخاف على نبوته من أجل خطيئته، فكيف يكون خوفي على توحيدي من أجل جرائمي فيك؟ أعوذ من وبال ما كسبت يداي أن يكون رجعاه سلب إيماني، سبحان خالق النور إلهي!يقول داود: إلهي! يسبح لك الطير بأصوات ضعاف من خشيتك، وليست لها ذنوب، وأنا العبد المذنب الذي لم يكن للساني ولا لقلبي أن يفترا من ذكرك والتسبيح بحمدك، فارحم ضعفي ورقة جلدي من النار التي تعذب بها أعداءك، فلا تجعلني لك عدواً بعد إذ توليتني بأني أعمل عملاً أستحق رضوانك، أو ماذا أقول وقد أحصيت عملي كله، وهو مكتوب عندك في أم الكتاب؟ سبحان خالق النور إلهي!فقل أنت الآن: إلهي! تخلصت الطيور في الجو، والوحوش في البراري والقفار، والحيتان في البحار من النار والعار، وتخلص داود بالغفران والرحمة السابقة من الحنان المنان بما سبق له منك من الحظ وقرب المكان، فكيف يخلص من أكرمته بالإيمان، فدنس جسمه، وأخلق وجهه، وآثر على ما دعوته إليه الفتن والخسران؟يقول داود: إلهي! امدد عيني بالدموع، وقلبي بالخشية، وضعفي بالقوة حتى أبلغ رضاك عني، لك القدرة في أمرك كما تشاء، أنت الحق، وخالق الخلق، ناصيتي بيدك، إن عجز عني عملي في الدنيا، فكيف يغني عني في الآخرة ما قد عجز عني في الدنيا؟ لا أثق بعملي وأنا منه خائف، وأسألك رأفتك يا أرحم الراحمين، سبحان خالق النور إلهي!ما أعظم ملكك، وأشد سلطانك، وأصدق قولك! من يقوم لغضبك؟ إلهي!فقل أنت الآن: إلهي! داود محتاج إلى مدد الدموع مع غزارة منابع دموعه، ومحتاج إلى مدد الخشية والقوة مع سلطان النبوة، فكيف تكون حاجة من قلبه أسير شهواته؟ وتابع نفسه الأمارة بالسوء، وإن لم تداركه بالرحمة التي تنال بها عصمتك، وإلا، فهو أسير عدوه اليوم، وغداً أسير نارك الكبرى.يقول داود: إلهي! تبت إليك، فتب علي، وتضرعت إليك، فارحم تضرعي، طمح الشيطان بنفسي إلى ما لا ينبغي لي، فإن لم ترحمني، فارحم دموعي.فنودي: يا داود! أتذكر دمعك، ولا تذكر ذنبك؟فنادى: أعوذ بنور وجهك من ظلمة خطيئتي، ومن العمى والصمم يوم يتجلى نورك لمن شئت من خلقك، ويسمع كلامك من رحمت من خلقك، هذا مكان العائذ بك، أعوذ برأفتك من شدة عقابك، وبرحمتك من عذابك، وبعزتك من الذل والخزي يوم تجمع خلقك لفصل القضاء.إلهي! أصبح الشيطان يعيرني، ويقول: يا داود! أين كان منك ربك حين واقعت الخطيئة؟إلهي! نحل جسمي من خشيتك، واشتد خوفي من قضائك، ولا أجد لي أسوة فيمن خلقت، من أجل أنك سميتني نبيك وخليفتك، وأنزلت علي الزبور نوراً للبصر، وربيعاً للقلب، وأمرتني فيه أن أكون لليتيم كالأب الرحيم، وأن أكون عضداً للضعيف والمظلوم، فلم أبطئ على الفتنة إذ عرضت لي، بل أسرعت إليها، سبحان خالق النور إلهي!إلهي! هذا مكان العائذ بك، إني أخطأت، وكنت في خطيئتي كالأعمى في الظلمات، وكالأصم مع البكم، قد علمت أن مصيري ومرجعي إلىحسابك، وأنت تدين بالحق إله الخلق، شديد الملك، عظيم السلطان، ظاهر الجبروت، عزيز جبار لا يكلمك إلا من أذنت له، سبحان خالق النور إلهي!إلهي! إنما أنا من ولد آدم الذي أصاب الذنب وهو في الجنة، فأكل من الشجرة التي نهيته عنها، ونزع عنه لباسه الذي كسوته، ونظر بعينه إلى عورة زوجته، وعاين ما كتب عليه من مرارة العيش، ثم استنقذته بالتوبة بكلماتك التي علمته، فجليت بهن عن بصره، وواريت بهن عورته، ووعدته الرجوع إلى الجنة، وافترضت عليه التوبة وعلى ذريته من بعده، سبحان خالق النور إلهي!إلهي! بأي فم أتكلم بين يديك؟ أفبالفم الذي به أخطأت؟! وبأي لسان أنطق، وأنت إله الحق والصدق؟! وعلى أي رجلين أقوم قدامك يوم القيامة؟ وكيف يقوم من كان الباطل عمله، والكذب قوله؟ وأي قدم تحمل ما جنيته؟إلهي! أين أهرب من غضبك إلا إلى رحمتك، وبمن أستغيث إلا بك؟ سبحان خالق النور إلهي!فنودي: يا داود! ارفع رأسك، فقد غفرنا لك، وجاءه جبريل عليه السلام، فأسنده إلى صدره، وقد سقطت فروة وجهه، وبقي في ذلك الطين الذي ابتل من دموعه، وبشره: أن الله قد تغمد بعفوه زلته، فقال: إلهي! إن لي حاجة إلى السماوات والأرض، وإلى هذا الخلق أن ينصتوا لي، فأمر الله -تبارك وتعالى- السماوات السبع والأرض بمن فيهن من الخلق، فأنصتن لداود، فنادى: إلهي! كيف وأنت حكم عدل؟ وأنا الذي قدمت أوريا بن حنان في مقدمة الخيل إلى التابوت حتى يقتل، فهو يطلبني بدمه يوم القيامة، فنودي: يا داود! اذهب إلى الصخرة، وضع جبهتك عليها، وناد أوريا، وسله عن ذلك.فذهب داود عليه السلام حتى وضع جبهته على الصخرة، ونادى: يا أوريا! فأجابه، قال: لبيك يا نبي الله، لم دعوتني وأخرجتني من النعيم الذي كنت فيه؟ قال: إني أذنبت إليك ذنباً، قال: قد تجاوزت عنك يا نبي الله، فخرج مستروحاً إلى ذلك، فاستقبله جبريل عليه السلام، فقال: ما صنعت؟ قال: قد تجاوز عني، قال: هل أخبرته بما أتيت إليه؟ قال: لا، قال: فإنك لم تصنع شيئاً، اذكر له الذنب الذي أتيت إليه، فرجع داود عليه السلام، فنادى:يا أوريا! قال: لبيك يا نبي الله، لم أخرجتني من النعيم؟ قال: إني أذنبت إليك ذنباً، فتجاوز عني، قال: أوليس قد فعلت ذلك؟ قال: ألا تسألني عما أتيت إليك؟ قال: وما هو يا نبي الله؟ قال: بسبب بتشابع امرأتك، فقص عليه القصة، فسكت أوريا، وانقطع الجواب عن داود عليه السلام، قال: أجبني يا أوريا، وتجاوز عني، قال: يا نبي الله! ما هكذا تفعل الأنبياء يا نبي الله؟ نعم حتى أقوم بين يدي الله أنا وأنت، فصاح داود صيحة أفزعت الخلق والخليقة، وخر لوجهه ينادي: إلهي! قد فني الدمع، وانقطع عني، وطال حزني، ورق عظمي، وبلي لحمي، ونحل جلدي، وبقي ذنبي على ظهري، إليك أشكو فاقتي وضعفي وقلة حيلتي، سبحان خالق النور إلهي!إلهي! لو أتيت أطباء عبادك في بلادك، فكانوا كلهم عليك يدلني، إلهي! لو تؤاخذ كل من في الأرض جميعاً بذنبي، لم يكن لهم في ذلك حجة، ولا معذرة، فكيف لي في مثل ضعفي؟ وكيف أطيق ذلك وحدي؟إلهي! زل داود زلة أبعد ما بين المشرق والمغرب، حتى خفت أن يجعل ذنبه حديثاً للخلوف بعد الخلوف، فارحم ضعف داود، إلهي! من يسألالعبد إلا ربه؟ وأنت ربي، وأنا عبدك، وأنت الغني، وكلٌّ إليك فقير، ومن يسأل الفقير إلا الغني؟ وأنت واجد لكل ما سألت عنه، يغنيهم فضلك، وليس بك فقر إلى أحد، سبحان خالق النور إلهي!إله إبراهيم الذي أنجيته من أيدي الجبابرة، وبعظمتك أنجيته من حريق النيران، وإله إسحاق الذي أكرمته بالبلاء، فكشفت عنه بالصبر واليقين، وجعلته قرة عين لوالديه، وإله يعقوب الذي أكرمته، وجعلت منه أنبياء، وابتليته بيوسف، فرددت عليه بصره، بعد صبره، ويقينه، أنا من سبطهم وذريتهم، فارحمني بفضل رحمتك إياهم، فنودي: يا داود! ارفع رأسك، أما الخطيئة، فقد غفرناها لك، وأما خصمك، فأمكنه منك يوم القيامة، ثم أستوهبك منه، فيهبك لي، وأعطيه حتى يرضى، وأما المودة، فقد انقطعت بيني وبينك، وما أسرع ما نسيت عهد ربك يا خليفة الرحمن؛ حيث قال لك: يا داود! عاد نفسك، وودني بعداوتها، جاءت الفتنة، فحالت بينك وبين الوفاء بها، وجرت النفس بك في ميدان القضاء في قضاء ما عرض لك من المنى، فإن كانت المودة قد انقطعت، فالمحبة قائمة، والحظ باق، فمنها حديث المودة، وإنما كانت المودة التي انقطعت ما شارطه ربه أن قال: ودني بعداوة نفسك.فعادى نفسه، فجعل له وداً بعداوته نفسه، فلما أعطاها منيتها انقطع الود، فلما تاب عليه، وقبله، جعل له بدل الود عطفاً وشفقة، فلم يزل داود يزداد بذلك العطف والشفقة قرباً، وكلما ازداد منه بذلك قرباً، ازداد بقلبه وجعاً، وفر من ربه حياء، وكلما ازداد من ذلك، ازداد من الله عزاً، ومنةً، وشرف محلٍ، وعظيم قدرٍ، وازداد كرامة ونيلاً حتى صار رأس البكائين، ومسعد الخطائين على الذنوب نوحاً وعويلاً بعد أن كان يتغيظ عليهم حنقاً، فلم يزل باكياً منكساً رأسه من الحياء، حتى كادت نفسه تزهق من الوجد والأسى، وأقسم أن لا يشرب شراباً إلا مزجه بدموع عينيه، ولا يطعم طعاماً إلى خلطه بالرماد؛ لئلا تصل إلى نفسه لذة الطعام والشراب، وكان إذا خرج إلى الناس، ألقى نفسه بين الخطائين، ويقول: مسكين بين ظهراني مساكين، وسأل ربه أن ينقش له خطيئته في يده اليمنى، فكان لا ينظر إليها إلا رجفت يده، حتى سقط ما تناوله، وكان إذا علا المنبر، رفع بيمينه، فاستقبل بها الناس؛ ليريهم نقش خطيئته، فكان ينادي: إلهي! إذا ذكرت خطيئتي، ضاقت علي الأرض برحبها، وإذا ذكرت رحمتك، ارتد إلي روحي، رب! اغفر للخطائين كي يغفر لداود معهم، فكان يقعد على سبعة أفرشة من الليف محشوة بالرماد، فكان تستنقع دموعه تحت جنبه، حتى تنفذ الأفرشة كلها، وكان إذا كان يوم نوحه، نادى مناديه في الطريق والأسواق والأودية والشعاب، وعلى رؤوس الجبال، وأفواه الغيران: ألا إن هذا اليوم يوم نوح داود، فمن أراد أن يبكي على ذنبه، فليأت داود، فيسعده، فيهبط السياح والعباد من الغيران والأدوية، وترتج الأصوات حول منبره، والوحوش، والسباع، والطير عكف، وبنو إسرائيل حول منبره، فإذا أخذ في العويل والنوح، وأنارت الحرقات منابع دموعه، صارت للجماعة ضجة واحدة نوحاً وبكاء، حتى يموت حول منبره بشر كثير في مثل ذلك اليوم. وكان ينادي في جوف الليل: إلهي! هدأت العيون، وغارت النجوم، وأنت حي قيوم لا تأخذك سنة ولا نوم، ذنبي عظيم، وأنت الرب العظيم، قد علمت سري، فاقبل معذرتي، وقد علمت ما في نفسي، فأقلني عثرتي، إليك رفعت رأسي، يا ساكن السماء! نظر العبيد إلى أربابها يا عامر السماء تساقطت القرى، وأبطل ذكرهم، وأنت دائم الدهر مستغني كرسي القضاء.ولما أصاب الخطيئة، نفرت الوحوش عنه، فنادى: إلهي! رد علي الوحوش كي آنس بها، فرد الله عليه الوحوش، فأحطن به وأصغين بأسماعهن نحوه، فرفع صوته بقراءة الزبور، والبكاء على نفسه، ونادينه: هيهات هيهات يا داود، ذهبت الخطيئة بحلاوة صوتك.قال: وقال الله تعالى له: قد غفرت لك يا داود، وألزمت عارها بني إسرائيل، قال: وكيف ذلك يا رب وأنت الحكم العدل لا تظلم أحداً، أنا أعمل الخطيئة، ويلزم عارها غيري؟فأوحى الله إليه: إنك لما اجترأت علي بالمعصية، لم يعجلوا عليك بالنكرة. وأما محمد صلى الله عليه وسلم:فإنه وافى باب زيد بن حارثة، ووقع بصره على امرأة زيد، وهي زينب بنت جحش، وهي في خمار أسود، وكانت وسيمة ذات هيئة، وهي واقفة في صحن الدار، فوقعت في نفسه، فقال بكفيه على عينيه، وتولى، وقال: سبحان مقلوب القلوب! فرجع إلى منزله.فروي في الخبر: أنه لما أوى زيد إلى فراشه تلك الليلة، عجز عنها، فقالت زينب: أرادني ما يستطيعني، وما امتنعت، فعلمت أن هذا من أمر الله.وروي في الخبر: أن زيداً أصابه هناك ورم حتى حيل بينه وبينها، فلما رأى ذلك، أحس بأمر حادث من الله، وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليطلقها، فاعتل بعلل؛ تطييباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! إن زينب لا تأتي ما أحب، ولا تبرني، ولا تطيعني في أشياء؛ كهيئة الشكوى، فقال: اتق الله يا زيد، وأمسك عليك زوجك.فلم يزل زيد على عزمه الذي عزم لله على قلبه، فكما قلب قلب صفيه محمد صلى الله عليه وسلم، فهواها، فكذلك قلَّب قلب عبده زيد حتى طلقها، وانقضت عدتها، فنزل القرآن بتزويجها منه، وولي الله تزويجها منه على لسان الروح الأمين، فكانت تفتخر على سائر أزواجه فتقول: إن الله أنكحني من العرش، وهو وليي من دون الخلق، والسفير في ذلك جبريل عليه السلام، فلما نزل قوله تعالى: {فلما قضى زيدٌ منها وطراً زوجناكها}، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل عليها، وهي لا تعلم بشيء، فقعد عندها.

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول #1111

Sahih

حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا محمد بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، قال: حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابتٍ، عن أنسٍ -رضي الله تعالى عنه-: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى زينب حين انقضت عدتها، فخطبها، فقالت: حتى أؤامر ربي، فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن بتزويجها، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل عليها بغير إذن. وأما الأول: وهو يوسف -صلوات [الله] عليه-، فقال حين شخص له البلاء: {معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي}، اعتصم بالله، وأخذه العدة من التعوذ به، وذكر إحسان من ملكه، وأن هذا كفران النعمة أن أخونه في أهله.والثاني: وهو داود عليه السلام حين شخص له البلاء، اعتصم بالحيل للنفس، فنقل تلك المرأة إلى نسائه؛ لتطمئن النفس به.والثالث: وهو محمد صلى الله عليه وسلم فزع إلى الله فرداً حين شخص له البلاء، واعتصم بفرديته.ألا ترى أنه قال: سبحان؟ فذكر نزاهة الفردية، ثم انظر بأي شيء وصفه، وبأي شيء نطق، فقال: مقلب القلوب؛ فإن التقليب إنما خرج من مشيئته، ولأن القلوب لم يكلها إلى أحد، وهو الذي يقلبها كيف شاء، فهذه أظهر كلمة، وأبرأها من الأسباب ذكر نزاهته، ثم ذكر مشيئته، فتعلق بها، وتضرع إليه أن لا يقلبها إلى ما لا يليق بها، ولا يحسن عنده، فكان عقبى تعلق يوسف عليه السلام أن ترك حتى هم بها، وكاد الأمر أن يكون، ثم تداركه الرحمن برحمته حتى نال بها الاستخلاص.ألا ترى أنه قال: {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء}؟ ثم قال: {إنه من عبادنا المخلصين}، فنسب فعل الإخلاص إلى نفسه، لا إلى يوسف، ولم يقل مخلِصين، وإنما قال: مخلَصين، وصرف عنه بالبرهان، وهو جبريل عليه السلام في صورة يعقوب عليه السلام، وهو سبب من الأسباب.وكان عقبى تعلق داود عليه السلام: أن تركه حتى هم بما هم من شأن أوريا، حتى مضى الأمر إلى آخره، ثم نبهه بالملكين، وملأ الشرق والغرب بكاء وعويلاً وصراخاً، حتى عجبت الملائكة وخليقة الأرض من الطيور والوحوش والدواب جزعاً على مأثمه للمصيبة التي حلت به، والحرقات التي هاجت منه، وصارت إنابته وتوبته حديثاً للعالمين يكون مدد التوابين أيام الدنيا.وكان عقبى تعلق محمد صلى الله عليه وسلم أنه ولي خلاصه من ذلك بنفسه فرداً، كما فزع إليه فرداً، فمنع زيداً من إتيانها، وأخذ بقلبه عنها، حتى عجز عنها، فطلقها، وهذه من الربوبية خرجت له، ثم ولي تزويجها منه فرداً، وأنبأه من طريق الوحي أن قد زوجناكها.أخرجه من تدبير أهل الدنيا، فإنما تدبيرهم أن يزوجوا بولي، ورضا المرأة، وشاهدين، وصداق، فأخرجه من تدبير جمع خلقه، قال: {فلما قضى زيدٌ منها وطراً زوجناكها}، وليس هاهنا صداق، ولا شهود، ولا ولي، ولا رضا.فمن هاهنا قال العلماء: إذا زوج الرجل عبده أمته، ولم يفرض لها صداقاً، جاز؛ لأنه ملكه، فهذه مرتبة رفيعة لمحمد صلى الله عليه وسلم أن أخرج شأن تزويجه لزينب من تدبيره لعامة خلقه، زوج أمته من عبده، فولي ذلك بكرمه ورحمته، وأشهد الوحي على ذلك، وجعل مرتبته صداقاً لها منه، فأعلم الأمة محل هذه القلوب الثلاثة أين كانت منه، وبروز قلب محمد صلى الله عليه وسلم على سائر القلوب -صلوات الله عليهم أجمعين-.

ثَابِتٍ، ← سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، ← عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ ← مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، ← أَبِي

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · المجلد الخامس · Hadith 1111

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول #1112

Sahih

حدثنا سفيان، قال: حدثنا جريرٌ، عن مغيرة، عن الشعبي، عن النعمان بن بشيرٍ رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن في الجسد مضغةٌ إذا صلحت، صلح الجسد كله، وإذا فسدت، فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)).

النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ← الشَّعْبِيِّ ← مُغِيرَةَ، ← جَرِيرٌ ← سُفْيَانَ،

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · المجلد الخامس · Hadith 1112

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول #1113

Sahih

حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا الفضل بن دكينٍ، قال: حدثنا زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبي، عن النعمان بن بشيرٍ رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمثله.فالقلب: ملك، والأركان عبيد، إنما يعمل كل ركن في معمله بمشيئة القلب وأمره والقلب في مشيئة الله يشاء، لم يكلها إلى أحد سواه، ولم يطلع على القلب أحداً، يضع منها ما شاء، ويرفع منها ما يشاء، فالنور فيه، والتوحيد فيه، والطاعات منه، وفكر ذلك كله في الصدر، وعن الصدر تصدر الأمور، ولذلك سمي الصدر صدراً، والقلب لتقلبه، والفؤاد لتفييده، وهي بضعة واحدة، فالفؤاد: البضعة الظاهرة، والقلب: البضعة الباطنة التي في جوف الفؤاد، وفي الفؤاد العينان والأذنان.ألا ترى إلى قوله عز وجل: {ما كذب الفؤاد ما رأى}، فنسب الرؤية إلى الفؤاد، ومنه قيل لخبز الملة: خبز فئيد؛ لأنها خبزة في جوف خبزة،وما ظهر منها وقايتها من الرماد والحريق، فالقلب معدن النور، ومنظر الرب -تبارك وتعالى-، ومستقر التوحيد، والصدر موضع التدبير والفكر، والنفس معدن الشهوات، فإذا وجدت النفس طريقاً إلى القلب، مرت بشهواتها إلى القلب، فدنست الإيمان، وكان كما وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال له رجل: أخبرني يا رسول الله بوصية قصيرة فألزمها؟ قال: ((لا تغضب؛ فإن الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الصبر العسل)).وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الإيمان حلوٌ نزه، فنزهوه)).فنزاهته: أن تعظم نفسك عن الشهوات، حتى لا يصل إلى قلبك منها أذى، فيكون بمنزلة ماء صاف جرى إليه ماءٌ كدر، فذهب بصفائه، أو عسل ماذي وصل إليه غبار الحنظل المر والصبر، فغيره عن حلاوته، وذلك: أنه استقر في قلبك بذلك النور توحيد رب واحد ليس له نظير، ولا مشارك في شيء، وهو رب ودود كريم، فوجدت حلاوة شعورك بإلهك أكثر من عبد يشعر بأن له سيداً يسود السادات في الدنيا، ويملك سادة الملوك بغناه وملكه وسؤدده، فصال به على أهل الدنيا أن له سيداً هكذا، فامتلأ قلبه بذاك سروراً وفرحاً، ولكل سرور وفرح حلاوة، فهذا في عبيد الدنيا، فكيف رب العالمين، ومالك الملوك، وسيد السادات إذا شعر الموحد بذلك من ربه إذا ظهر له وداده وكرمه، وبره وحبه لعبده، فأي شيء بقي للعبد مما به إليه حاجة إذا تم له هذا منه؟ فهذه حلاوة التوحيد ونزاهته، فجاءت شهوة النفس، ووجدت سبيلاً إلى القلب، خالطته وكدرته، ومازجت حلاوته، فدنست وكدرت، فلا خسران أعظم من هذا.فما ظنك بمن خلع على بعض قواده -وهو ملك من الملوك- خير خلعة في خزائنه، فذهب فدنسها، وأخلقها بقلة التوقي بلبسها لها عن مواضع الدنس؟ ألم يك محقوقاً أن يسلب ويهان؟ أوليس على حياء من فعله في يومه الذي يدخل فيه على الملك بتلك الخلعة؟ فانظر ماذا حل للموحدين من هذا الذي وصفت؟ وأي شيء عملت هذه النفوس بأهلها؟ وهي لباس التقوى الذي ذكر الله في تنزيله، ثم قال: {ذلك خيرٌ ذلك من آيات الله}.وأي آية أعظم من رجل أعطى قلبه خلعة، فإذا جاء يوم القيامة غشي بها، ووقي حتى يجوز النار كلها وهي خادمة من سلطان تلك الخلعة، فمثل القلب مع قلة اليقين، وكثرة صور الطاعات مثل ملك له عبيد، لهم هيئة، وشارة ومراكب، وزي الأغنياء، والملك فقير معدم، ليست له مادة، ولا كنز، إنما ملكه على ما ظهر منه، فالعاقل إذا نظر إليه، يقول في نفسه: ليس لهذا الأمير نظام، ولا له دوام، فإنه معدم، وهذه الهيئات التي أراها لا تدوم، وسيحتاج إلى مثلها، وليس له مدد، وإن برز له مناوئ، فإنما زوال ملكه، وضياع هؤلاء العبيد، وتغيير أحوالهم، بأدنى مناوشة من هذا المناوئ العارض له.وإذا كان الملك ذا كنوز ومادة، والعبيد في هيئة بزةٍ، لم يجسر على مناوءته ولم يعزه ذلك من فعله يقول في نفسه: له بيوت أموال من الكنوز، ففي ساعة واحدة يصيرهم فرساناً يجمع آلة الفرسان، ويكسوهم من الكسوة، ويعطيهم من العدة ما يعرفهم بغناه، فكذلك الذي قلبه بين يدي الله في غناه وسلطانه، قد احتظى منه الحظ الأوفى من جلاله، وعظمته، وكبريائه، ومجده، فهو بتلك الأنوار مشرق صدره بها.فإن رأى أركانه معطلة من أعمال البر، لم يضره ذلك؛ لأن الملك غني، قوي الأركان لم يضره، فإنه لا يترك فرضاً، إنما يترك فضلاً، وأي شيء يستبين من فضائل الأركان في جنب ما تفضل الله به عليه، ومن به من معرفته التي برز بها على خلقه، فلو زالت الجبال، لم تزل، قد عرف الله معرفة، قد وثق به في جميع أحواله، وفوضها إليه، ناظراً إلى تدبيره، ومراقباً له، قابلاً أحكامه، قنعاً بالذي يؤتى من الدنيا، مؤتمراً بأمره، مطمئناً له، ليست له همة، ولا نهمة، ولا قرار، إلا الخلاص من هذا السجن الذي أخذ بنفسه، قد ضاقت عليه الدنيا، وصارت له سجناً بطول احتباسه؛ لأنه ظمآن إلى لقاء الصفاء، وأي شيء ألذ من لقاء العبد سيده الذي كان أمله من الدنيا والآخرة؟وإنما فقدت هذه اللذة العبيد الإباق الذين جهلوا سيدهم، ومتى سمعت بعبد شهوته في الإباق، ومنيته الإباق من سيده أنه يحب لقاء سيده؟ وهل شيء أثقل عليه من لقاء سيده؟ وإنما أبقوا من مولاهم، لأنهم تعجلوا حرية النفس، وتقلبهم في دنياهم وشهواتهم، استبطؤوا الحرية، فتعجلوها، فهربوا من العبودة، ولو وجدوا لذة العبودة، لم يهربوا، وإنما فقدوا لذة العبودة؛ لأنهم جهال، بمنزلة العبودة، فقد عرفوا وهم به جهال، لم ينكروه بعد أن عرفوه، ولم يشكوا فيه بعد أن أيقنوا، وعلموه علم اللسان أنه عظيم، وأنه جليل، وأنه كبير، وأنه ماجد بهي، وأنه كريم واحد علي، وأنه حنان منان، وأنه محسن مفضل.ولكنه لم يتراء على قلوبهم نور جلاله، ولا حل بقلوبهم عظمة الله، ولا تجلل عليهم كبرياء الله، ولا عارضها سلطانه، ولا طالعت مجده وبهاءه، ولا عاينت مننه وإحسانه وأياديه، ولا فهمت تدبيره ولطفه في الأمور، ولا انتبهت لربوبيته التي قد ملكت الخلق، ولا شربت بالكأس الأوفى من محبته، ولا ظمئت من الشوق إليه، ولا ولهت وله العكف ببابه، ولا حملت حمل الوفد من مهابته، ولا تفسحت في ساحات توحيده مستأنسة بجماله، ولا انفردت لأحدية الأحد الصمد، ولا حييت بحياة الحي القيوم، ولا خلصت لواحدية الواحد، ولا طابت بنسيم قربه، ولا انشرحت صدورهم بذلك من قلوبهم، إنما علموا جميع ما ذكرنا علماً مجملاً، اقتضاهم الإيمان الإقرار بذلك قولاً، والاعتقاد له قلباً، وصدورهم غير منشرحة بباطن علمه، فمن جهل هذا، اكتفى بهيئة العبيد، والملك فقير معدم.فالغافل ينظر إلى صلاته، وصيامه، وحجه، وجهاده، وأعمال بره؛ من الصدقة، وعتق الرقاب، وبناء الرباطات والقناطر، وغسل الموتى، وحفرالقبور، وتشييع الجنائز، وعيادة المرضى، فكأنه نظر إلى أركان، وجوارح كهيئة عبيد عليهم ثياب جدد، وهيئة مرتفعة، ومراكب سرية، وأسلحة وافرة.فإذا نظر إلى باطن أحدهم، وجد خوف الرزق على قلبه كالجبال، كاد يموت من همه، وخوف الخلق، وخوف سقوط المنزلة من قلوبهم، والفرح بمدحهم والثناء عليه، وحب الرياسة، فطلب العلو، والتبصبص للأغنياء، والاستحقار للفقراء، وتناول النعمة على أيدي الغفلة، والأنفة من الفقراء، والاستكبار في موضع الحق، والحقد على أخيه المسلم، والعداوة، والبغضاء، وترك الحق لمخافة ذل ينزل به، والقول بالهوى، والحمية والرغبة في الدنيا، والحرص عليها، والشح، والبخل، وطول الأمل، والأشر، والبطر، والغل، والغش، والمباهاة، والرياء، والسمعة، والاشتغال بعيوب الخلق، والمداهنة، والإعجاب بالنفس، والتزين للمخلوقين، والصلف، والتجبر، وغرة النفس، والقسوة، والفظاظة، وغلظ القلب، والغفلة، وسوء الخلق، وضيق الصدر، والفرح بالدنيا، والحزن على فوتها، وترك القناعة، والمراء في الكلام، والجفاء، والبطش، والعجلة، والحدة، والجرأة،وقلة الرحمة، وقلة الحياء، والاتكال على الطاعات، والأمن لسلب ما أعطي، وفضول الكلام، والشهوة الخفية، وطلب العز، واتخاذ إخوان في العلانية على عداوة في السر، واختبار الأحوال، والتملك، والاقتدار في الله، وذهاب ملك النفس إذا رد عليه قوله، والتماس المغالبة لا لله، والانتصار للنفس، إذا نالها الذل، والأنس بالمخلوقين، والوحشة إذا عجز عن رؤوسهم، والتعظيم للأغنياء من أجل غناهم، والاستهانة للفقراء من أجل فقرهم، والحسد، والغيبة، والنميمة، والجور، والعدوان.فهذه كلها مزابل قد انضمت عليها طوايا صدره، وظاهره: صوم، وصلاة، وزهادة، وأنواع أعمال البر، فإذا انكشف الغطاء بين يدي الله عز وجل عن هذه الأشياء، كان كمزبلة فيها أنواع الأقذار، غشيت بالديباج، فلما رفع الغشاء، أخذت بالأنف من نتنها، وأعرض الناظرون إليها من قبحها، فهذا عبد مراءٍ، مداهن، متصنع، عبد شهواته، فلم يقدر أن يخلص من عمله، فإنه لا ينفك من عمل يحتاج إلى أن يجتهد فيه، فكما احتاج أنيجتهد في صلاته فيخلصها، فكذلك هو محتاج إلى أن يخلص في مشيه، وركوبه، ونزوله، وأكله، وشربه، ومنطقه، وصمته، وأخذه، وإعطائه، وجميع معاملاته، وجميع سعيه، فلم يقدر أن يخلص بهذا الجهل لربه سعيه، ونفسه متقدة بنار الشهوة، وقلبه مشحون بهوى نفسه، ولو أنه اجتهد حتى أخلص في هذا كله أليس هذه المزابل معه، فهذه كلها عيوب، والعبد إذا كثرت عيوبه، انحطت قيمته.فالعاقل: لا يغره ما رأى من ظاهر أقواله، وتقلبه في أعمال البر، إذا اطلع على باطنه، فوجده على ما وصفناه، وقال في نفسه: هذا كملك له عبيد في زي، وهيئة، ومراكب، والملك بنفسه ليس له مادة من الكنوز، ولا من القوة ما يدوم لعبيده هذا الذي أرى، فلم يعبأ بما عاين من عبيده، وعلم أن الملوك إذا اجتمعوا، وهذا معدم فيما بينهم، تبين عدمه عند محاولتهم ومشاكلتهم الأمور، وأنه إذا ناب نائب فالملوك على مراتبهم، وقواهم، وعدتهم، وهذا فيما بينهم أسير، أو رجل ناديته من عرض الناس.وإذا رأى عبيداً في هيئة رثة، والملك صاحب كنوز وجواهر، وقد ملأ من الجواهر بيته، وملأ الخزائن من الأموال، علم هذا العاقل: أن هذه الهيئة لا تضر عبيده؛ لأنه متى عرض أمر، فتح لهم باباً من خزائنه فعرفهم، فكذلك إذا رأى عبداً أركانه معطلة من هذه الأشغال التي ذكرنا من أعمال البر؛ من غسل الموتى، وبناء القناطر، واتخاذ الرباطات، وعيادة المرضى، وصلاة الضحى، وتشييع الجنائز، وعتق الرقاب، وما أشبه ذلك، وقلبه ملك من الملوك، مملوءة خزائنه أموالاً، وبيته جواهر.فأما الأموال: فهي غناه بالله، وأي غنى أغنى ممن استغنى بالله تعالى؟! فالأموال كلها مددها منقطع، والله حي دائم لا يزول، فالغنى بالله دائم، والغنى بالأموال منقطع.وأما الجواهر: فحكمة صفاته، وهي الحكمة العليا، وهي حكمة الحكيم، قد عجز عن دركها الخلق، وإنما خص بها الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم-، وخاص الأولياء أهل خدمة الله، فموجود عند هذا القلب الهيبة والحياء والخشية والمحبة، فقد انفرد للفرد الواحد، واحتظى من جلاله، وعظمته، وكبريائه، ومجده، وجماله، فتواضع لله، وخشعت جوارحه بخشوع قلبه، وعظم أمر الله، وحفظ حدوده، وراقب تدبيره؛ إعظاماً لجلال الله، وهيبة له، وتذللاً لربوبيته، فعنده الرأفة بالخلق، والرحمة لهم، واللين، والرفق، والحلم، وسعة الصدر، وتعظيم أمر الله، والإخلاص له، وحراسة القلب، ودوام الفكر، والقناعة، والرضا، والإنابة، والشوق إليه، والتبرم بالحياة، ورؤية المنة، واليقظة في الأمور، والمعاينة لها، والرزانة، والصيانة، والنزاهة، والشفقة، والعطف، والتأني، والوقار، والسكون، والذكر الدائم، والرهبة، والرغبة، والخوف، والرجاء والأنس بالله،والسرور به، والسخاء، والجود، والبشاشة، والنصيحة، وسلامة الصدر.فهذا قلب قد امتلأ خيراً، وامتلأت جوارحه من هذا الخير، فلساعةٌ من عمره بهذه الصفة أفضل من عبادة الثقلين دهراً، فإن تعطلت أركانه عن كثير من أعمال البر، فهذا الخير كله دائم عليه، بدوام قلبه على ذلك، وقليل من عمله أزكى من عمل ذلك المخلط سنين كثيرة.

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول #1114

حدثنا قتيبة بن سعيدٍ، قال: حدثنا محمد بن يزيد بن خنيسٍ، قال: سمعت وهيب بن الورد يقول: بلغني: أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رأى ما به من الضر، قال: ((ما بلغ بك ما أرى؟))، قال: بأبي أنت وأمي، السقم والحاجة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أفلا أعلمك كلماتٍ إذا أنت قلتهن، أذهب الله عنك كل ما بك؟))، قال: بأبي أنت وأمي، ما أحب أن لي بما ترى بي وقيعة بدر وأحد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا أخا الأنصار! وأين تقع وقيعة بدرٍ وأحدٍ من موقع الفقير القانع؟!)).

وُهَيْبُ بْنُ الْوَرْدِ ← مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ خُنَيْسٍ، ← قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · المجلد الخامس · Hadith 1114

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول #1115

حدثنا عبد الله بن أبي زيادٍ، قال: حدثني سيارٌ، قال: حدثنا بشر بن منصور، عن عبد العزيز بن أبي روادٍ، رفعه: أن رجلاً شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، فلم ير له صوم ولا صلاة، فقيل له في ذلك، فقال: ((إني أبيت وليس لأحدٍ في قلبي غلٌّ، ولو أعطيت الدنيا، ما فرحت بها، ولو أخذت مني، لم أحزن عليها)).

عَبْد الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي رَوَّادٍ ← بِشْرُ بْنُ مَنْصُورٍ، ← سَيَّارٌ ← عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · المجلد الخامس · Hadith 1115

Previous
123
Next

عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ← أيوب بن عبد الله الفهري، ← الزبير بن عبد السلام، ← حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، ← ابْنُ مُبَارَكٍ، ← جعفر بن محمدٍ الهمداني، ← حميد بن عليٍّ مولى رسول الله

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · المجلد الخامس · Hadith 1108

وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ ← أَبِيهِ ← عصام بن المثنى الحمصي، ← به عمر بن أبي عمر، ← مَا

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · المجلد الخامس · Hadith 1109

عَطَاءُ بْنُ اَبِیْ رَبَاحٍ ← جدي اليسع بن طلحة، ← عبد الوهاب بن فليح بن رباحٍ المكي،

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · المجلد الخامس · Hadith 1110

النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ← الشَّعْبِيِّ ← زَکَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ ← الْفَضْلُ بْنُ دُکَيْنٍ ← أَبِي

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · المجلد الخامس · Hadith 1113

All Chapters1. First volume1. First origin1. The Forty-Second Origin1. Original Eighty-sixth1. Origin forty-seventh and century1. Original sixteenth two hundred1. The original forty-seventh and two hundred1. The original eighty-fifth century2. The second origin2. 2- Al-Hamzah with Faa'a2. The Forty-third Origin2. The original eighty-seventh