ما حدثنا به عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا عصام بن المثنى الحمصي، عن أبيه، عن وهب بن منبهٍ، قال: أصابت امرأة العزيز حاجةٌ، فقيل لها: لو أتيت يوسف ابن يعقوب، فسألتيه، فاستشارت الناس في ذلك، فقالوا لها: لا تفعلي؛ فإنا نخاف عليك، قالت: كلا، إني لا أخاف ممن يخاف الله تعالى، قال: فدخلت عليه، فرأته في ملكه، فقالت: الحمد لله رب العالمين الذي جعل العبيد ملوكاً بطاعته، ثم نظرت إلى نفسها؛ فقالت: الحمد لله الذي جعل الملوك عبيداً بمعصيته، قال: فقضى لها جميع حوائجها، ثم تزوجها، فوجدها بكراً، فقال لها: أليس هذا أجمل مما أردت؟ قالت: يا نبي الله! إني ابتليت فيك بأربعٍ: كنت أجمل الناس كلهم، وكنت أنا أجمل أهل زماني، وكنت بكراً، وكان زوجي عنيناً.قال: وكتب يعقوب إلى يوسف عليه السلام وهو لا يعلم أنه يوسف: من يعقوب نبي الله ابن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله إلى عزيز آل فرعون،سلام عليك: فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد:فإنا أهل بيت مولعٌ بنا أسباب البلاء، كان جدي إبراهيم خليل الله في حداثة سنه ألقي في النار، فجعلها الله عليه برداً وسلاماً، وأمر الله جدي إبراهيم أن يذبح له ابنه إسحاق، ففداه الله بما فداه، وكان لي ابن من أحب الناس إلي كلهم، ففعل به ما أذهب حزني عليه بصري، وألصق جلدي بعظمي، وكان له أخ لأمه، وكنت إذا ذكرته ضممته إلى صدري، فأذهب بعض وجدي، وهو المحبوس عندك في السرقة، وإني أخبرك أنه لم يسرق قط؛ لأني لم أكن سارقاً، ولم ألد سارقاً قط.فلما قرأ يوسف عليه السلام الكتاب، بكى وصاح، وقال: اذهبوا بقميصي هذا، فألقوه على وجه أبي يأت بصيراً.وأما داود عليه السلام:فإنه لما قعد في المحراب، والزبور في حجره يقرؤه، إذا طائر بين يديه عليه من الألوان ما لا يوصف، فلما أهوى ليأخذه، طار إلى كوة المحراب، هو سبب البلاء، فوضع الزبور، وقام إليه ليأخذه، فطار من الكوة، فأخرج داود رأسه من الكوة، فوقع بصره على امرأة تغتسل على رأس بركة في بستانها تحت محراب داود عليه السلام، فرأت ظله، وأنه قد اطلع عليها إنسان، فقالت بشعرها، فجللت جميع جسدها بشعرها، فرجع من الكوة بجسده، وبقي القلب هناك عند البركة، فما يصنع العبد بلا قلب؟ وإنما القلب ملك، فسبي الملك، وانهزم الجند، وهم الجوارح؛ لأن الهوى هزمهم، فخرج من المحراب، وقصد لبيت المرأة لينقلها إلى نسائه؛ ليكون لنفسه في ذلك شفاء مما حدث، حتى يقدم زوجها، أو ينتظر ما يكون.فروي في الخبر: أنه وقف على مدرجته ملكان يقول أحدهما لصاحبه: لقد أكرم الله عز وجل عن مثل هذا الشيء إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، فلم ينتفع بما سمع، حتى صار من أمره، إلى أن كتب إلى صاحب البعث: أن يقدم زوجها إلى التابوت، وكان من قدم لذلك لا يرجع حتى تفتح المدينة، أو يقتل، فقدم زوجها في نفر إلى التابوت، فقاتلوا حتى قتلوا، فاعتدت المرأة، فخطبها، وتزوجها، واشتغل عنها بالتوبة.وأقبل على العبادة معتذراً فيها نادماً، متداركاً لما سلف منه، حتى شغل عن النظر في أمور بني إسرائيل، وجعل يأكل قويهم ضعيفهم، فلا يجد الضعيف غياثاً، يقيم الشهر ونحوه ببابه، فلا يصل إليه؛ لشغله بما أحدث من الأمر، حتى طمع فيه سفهاء بني إسرائيل، وائتمروا في خلعه، وكان قبل ذلك لا يرام؛ لقوله تعالى: {وشددنا ملكه}.فانطلقوا إلى ابن له أكبرهم سناً، وأعزهم عليه، وهو بكره، فخدعوه، ومنوه الملك، فقالوا: أنت أكبر ولد أبيك، وقد كبر أبوك، وشغل، وعجز عن السياسة، وضاعت حقوق الناس، وأحكامهم، وأنت أحق من يدارك ذلك، ولا نراه يكره ذلك، ولا يباليه، فإن هو عاتبك من ذلك، أخبرته: أنك إنما فعلت ذلك نظراً له، وشفقة عليه، حيث خشيت الإثم، وضياع الناس، وخشيت على ملكه الأعداء، فلم يزالوا يخدعونه حتى بايعهم، وإنما فعل ذلك السفهاء منهم؛ رجاء أن يملك، فيملكهم.فلم يشعر داود عليه السلام حتى خلع، وأصبح ابنه يبايع الناس، ويدعو إلى نفسه، فلما بلغ ذلك داود عليه السلام، عرف أنه عقوبة لذنبه، فخاف الفتنة، والبلاء،والسفهاء، فهرب بنفسه، ومعه رجلان: أمير جنده، وصاحب مشورته، حتى إذا كان ببعض الطريق، وهو يريد جبلاً يتحصن فيه، وكان في بني إسرائيل رجل قد غلب القضاة والحكام قبل داود عليه السلام، فلما وليه داود، أنصف منه الضعيف، وأقام عليه الحدود، وكان جلده حدوداً مراراً، فلما سمع ببيعة ابن داود، أسرع إليه، فلقي داود عليه السلام في بعض الطريق، فلما نظر إليه في مذلة البلاء، قال: أداود؟ قال: نعم، فقال: الحمد لله الذي نزع ملكك، وأهانك، وأذلك، وأفردك إلى نفسك، وفرق عنك جموعك، فلما سمع ابن أخت داود عليه السلام مقالة الرجل، وهو أمير جنده الذي كان معه، سل سيفه ليضربه، فقال داود عليه السلام: مهلاً، فإن هذا ليس هو الذي يسبني، وإنما الله هو الذي يسبني على لسانه بذنبي، وخطيئتي، ومتى كان يطمع هذا وأمثاله حتى يأذن الله له، فلم يظلمني ربي، ولكن أنا الذي ظلمت نفسي، ثم انطلقوا هاربين، حتى كمنوا في تلك الجبال خائفين لا يأمنون القتل.وكان لداود عليه السلام: صاحب شورى يقال له نوفيل، فغضب عليه، فعزله، واستبدل به، فقال ابنه لنوفيل: من أجل أي شيء غضب عليك أبي داود، وقد كان ينتصحك، ويعمل بمشورتك؟ قال نوفيل: إنه لما نزلت به البلية، وعرف فيه الوهن، كنت أول من فطن له، فأخبرت بني إسرائيل حتى خاضوا فيه، فأكثروا أن داود عليه السلام لم يهن، ولم يستكن إلا لجرم أجرمه فيما بينه وبين الله، وحدثٍ أحدثه، فعرفت حين رأيت الوهن والخلل أن الرجل مذنب، وأن ذنبه هو الذي فله وأضعفه، فغضب حين لم أستر عليه ذلك.قال: كيف الرأي في أمره؟قال: أن تطأ فراشه حتى يستيقن الناس أنه ليست لداود تقية عندك.قال: كيف الرأي في قتالي له؟ قال: إن كنت تريده في يوم من الأيام، فعاجله اليوم ما دام مخذولاً مسخوطاً عليه، فإني أعلم أنه لم يترك هذه المنزلة إلا لذنب، فالله عنه معرض، وهو بعد لم يتدارك التوبة، ولن يعترضه بمثلها، وإن أخرت أمره حتى يتوب الله عليه، ويغفر له، لم تطقه، فهو الذي قتل جالوت، ونزع طالوت ملكه، وأذل رقاب الملوك.واستشار الآخر، فقال له: هل سمعت بابن نبي قتل أباه؟ أم هل سمعت بنبي أذنب فلم تقبل توبته؟ أم لعلك تطمع أن تبلغ المعشار مما صنع الله لداود في علمه وحكمه وقسطه؟ أم ماذا تقول لربك يوم القيامة وقد قتلت أباك ونبيه، ووطئت فراشه؟ وما وجه التوبة من قتل نبي ووالد ونكاح أمهاته؟ ما أعلم يقبل ممن فعل هذا صرفاً ولا عدلاً، فإن كان لا محالة أنت ضابط هذا الملك، وبما أجمعت عليه من عقوق أبيك وخلعه، فلا تطلبه، ولا تقتله، فإن كان الله قد أذن بفنائه وهلاكه، فما أكثر معاريض البلاء التي تكفيك ذلك منه، وإن كانت بقيت له حياة يستكملها، ألفيتك لم تأثم بربك، ولم تفرط بوالدك.فقال: الرأي رأيك، وما أسمعك عرضت بغشٍّ، ولا ادخرت نصيحة، وأنا متابعك على ما في قلبك، وكافٍ عن داود ما كف عني، فإن قاتلني، حميت نفسي مخافة أن يظفر بي فيقتلني.قال الرجل: كف عن داود حتى يقاتلك.واعلم: أنه لن يقاتلك أبداً ما كان ذنبه له مهيناً، ولن يفعل ذلك حتى يقبل الله توبته، ويأذن له بقتالك، فإذا جاءه الأمر من الله، والقائم به داود، فأنت لا طاقة لك به، فأقصر عندها، إني لك نذير مبين، وإنه إن ظفر بك أبوك، أحياك وأمنك، وإنه أعظم حلماً وعفواً من أن يقتل ولده.ولبث داود عليه السلام من يوم خرج إلى أن رجع إلى ملكه سنتين، وانقطع الوحي، فلما رد الله إليه ملكه، سرح ابن أخته، وهو أمير جنده، فأمره أن يدخل المدينة، ويدعو إلى داود عليه السلام، ويخبر بني إسرائيل: أن الله عز وجل قدقبل توبته، ورد إليه ملكه، فاتبعوه إلا قليلاً منهم انحازوا إلى ابن داود عليه السلام، ولم يجرؤوا أن ينظروا إلى وجه داود عليه السلام بعد الذي كان منهم، فاستقبلوه، فقاتلوا قتالاً شديداً، حتى قتلوا.وكف ابن داود، فلم يقاتل حتى قتل أصحابه، ثم إنه هرب حياءً من أبيه، وكان يريد أن لا يرى أبوه له وجهاً، فتبعه ابن أخت داود، وعهد إليه داود عليه السلام، فقال: أحذرك أن تقتله، فإياك ثم إياك أن تقتله، فإني قاتلك به إن خالفت أمري؛ فإن ابني بكري، وأعز ولدي علي، وأحبهم إلي توبة، وبقاء، وصلاحاً ابتلاني الله بأحب أولادي إلي، وأعزهم علي؛ ليغيظني، ويذلني، ويغمني بذنبي، ويهينني بخطيئتي، وينزع ملكي، ثم تداركني عفوه، ورحمته، فعفا عني، وقبل توبتي، فينبغي لي: أن أعفو كما عفا عني، وأرجو له من التوبة والرحمة ما رجوت لنفسي، فليس هو بأعظم جرماً مني، فالحذر على دمه.فلحقه، فوجده قد علقته شجرة، دخل منها عود في برنسه، فاقتلعمن السرج، وزالت الدابة من تحته، حين اقتلع العود، فبقي معلقاً، وذهبت الدابة، فوقف عليه ابن أخت داود، فلما دنا منه، ناداه، قال: لبيك، قال: أخي أنت؟ قال: نعم، فأدركني إن كان لداود في حاجة، فإني قد أشرفت على الموت، فلما قال هذا، طعنه بالرمح حتى اعتدل فيه، وترك وصية داود عليه السلام، ثم انصرف وتركه حتى مات معلقاً، فلما رجع إلى داود عليه السلام، غضب عليه، قال له: أما إني قاتلك إما عاجلاً، وإما آجلاً، فوطن نفسك على ذلك، فقال: ما فعلت فعلي إلا وقد وطنت نفسي على أنك قاتلي، فاستبقاه داود عليه السلام؛ لأنه كان رجلاً منصوراً، لا ترد له راية، وكان بعيد الصوت والنكاية في العدو، فكره داود عليه السلام أن يعجل قتله، وأحب أن يمتع به المجاهدين في سبيل الله تعالى ما دام حياً، فلما حضره الموت، أوصى سليمان عليه السلام بقتله، فقتله ساعة رفع يده من قبره.فلما تيب عليه التوبة الظاهرة، ورد الله إليه ملكه، واطمأن، نزل عليه ملكان، فتسورا المحراب، فكان من خبره ما اقتص الله في تنزيله، وانكشف له الغطاء عن فعله، فبدر إلى البراز صارخاً متململاً، وسجد سجدة العويل، والنوح، دام في ذلك أربعين صباحاً، حتى نبت العشب حول رأسه.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 1109
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
