حدثنا حميد بن علي مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: حدثنا جعفر بن محمدٍ الهمداني، قال: حدثنا ابن مباركٍ، عن حماد بن سلمة، عن الزبير بن عبد السلام، عن أيوب بن عبد الله الفهري، عن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مر لقمان على جاريةٍ في الكتاب، فقال: لمن يصقل هذا السيف؟)).قال أبو عبد الله:فهذه كلمة تمثيل خرجت من معدن الحكمة، وعامة الحكمة هي أمثال؛ لأن الأمثال أنموذج الآخرة، وأنموذج الملكوت،فبالخلق حاجة إلى معاينة الآجل، وإنما يعاينونه بالعاجل، ولهذا ضرب الله الأمثال في تنزيله، وعجل لأهل الدنيا من نعيم الجنان أنموذجاً، وهو: الأنوار، والطيب، والذهب، والفضة، واللؤلؤ، والزبرجد، وسائر الجواهر، فلو لم يرهم ذلك في دار الدنيا، ثم وصف لهم الجنان بهذه الأشياء، لم يفهموا عنه تلك الصفة.ألا ترى أنه وصف ثلاث درجات: درجة فضة، ودرجة ذهب، ودرجة نور، وهي مئة درجة، فإنما أمسك عن وصف سائر الدرجات؛ لأنه ليست عندهم أنموذجاتها، فيفهمون بها عنه ما يصف، وذلك قوله تعالى: {فلا تعلم نفسٌ ما أخفي لهم من قرة أعينٍ}؛ لأن النفوس لم تعاين شيئاً من ذلك في الدنيا، فلو سميت لهم، لم يعقلوها، ولم يعلموا من ذلك إلا الاسم، فالسيف أمره لا يكاد يلبث صاحبه، فكذلك المرأة شهوتها من بين الشهوات كالسيف من بين الأسلحة.وذكر لنا: أن إبليس لما خلقت المرأة، قال: أنت نصف جندي، وأنت موضع سري، وأنت سهمي الذي أرمي بك فلا أخطئ.وذكر الله في تنزيله حب الشهوات، وبدأ بذكر النساء، فقال: {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك}؛ ليعلم أنها أقوى الشهوات.وقال في آية أخرى: {وخلق الإنسان ضعيفاً}؛ أي: في شأن النساء، وذلك أنها ركبت فيه شهوة أزعجته.وقال: {خلقكم من نفسٍ واحدةٍ وجعل منها زوجها ليسكن إليها}، فهل يكون السكون إلا من الاضطراب والجولان؟وإن الله تعالى اقتص في تنزيله شأن ثلاثة من أنبيائه، وأعلام أرضه: يوسف، وداود، ومحمد -صلى الله عليهم وسلم- أجمعين.فأما يوسف -صلوات الله عليه-:فابتلي بامرأة العزيز، فلما تزينت له، وراودته، قال: {معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي}، ولم تزل في مراودته ومخادعته، حتى خلت به في بيت، وغلقت الأبواب.بلغنا في الخبر: أنها قالت له: يا يوسف! ما أحسن صورة وجهك! قال: في الرحم صورني ربي، فقالت: يا يوسف! ما أحسن شعرك! قال: هو أول شيء يبلى مني في قبري، قالت: يا يوسف! ما أحسن عينيك! قال: بهما أنظر إلى ربي، قالت: يا يوسف! ارفع بصرك، فانظر في وجهي، قال: أخاف العمى في آخرتي، قالت: يا يوسف! أدنو منك وتتباعد عني؟! قال: أريد بذلك الاقتراب من ربي، قالت: يا يوسف! القيطون [فرشته]، فادخل معي، قال: القيطون لا يسترني من ربي، قالت: يا يوسف! فراش الحرير قد فرشته، قم فاقض حاجتي، قال: إذاً يذهب من الجنة نصيبي، قالت: يا يوسف! إنك لجريء على سخطي، قال: أريد بذلك مرضاة ربي، قالت: يا يوسف! أنت عبدي، اشتريتك بمالي، فتتعظم علي؟! قال: بجرمي وخطيئتي اشتريتني، قالت: يا يوسف! ليتني لم أعرفك، و [لو] لم تكن قربتني بطول صحبتك، رجوت أن تقر بك عيني، قال: إن الموت موكل بي.قالت: يا يوسف! ضع يدك على صدري، قال: إنه لا صبر لي على احتراق جسدي إذا زرعت في أرض غيري، قالت: يا يوسف! الخبيثة قد عطشت، قم فاسقها، قال: الذي بيده مفاتيحها أحق بسقيها، قالت: يا يوسف! أعتقتك من الرق، وجعلتك بمنزلة زوجي، فبأي حيلة امتنعت مني؟! قال:بحول ربي الذي في السماء عرشه، ومكان سيدي الذي في الأرض سلطانه أخافه على نفسي.قالت: يا يوسف! إني مسلمتك إلى المعذبين، فيسلى جسمك كما أسليت جسمي، قال: ذاك فعل إخوتي بي، قالت: يا يوسف! النار قد التهبت، قم فأطفئها، قال: أخاف أن يحرقني بها ربي، فلم تزل تخدعه وتردده حتى هم بها، فلما حل سراويله، ورد يده إلى جيب قميصه ليخلعه، ويدخل معها في فراشها، ناداه منادٍ من السماء ثلاث مرات: مهلاً يا يوسف؛ فإنك إن واقعت الخطيئة، محي اسمك من ديوان النبوة، فلم يكترث لذلك الصوت، وغلبه ما وجد فيه من الشهوة، فمثل الله له أباه في مثل صورته التي عهده فيها، فنظر إليه غضبان عاضاً على أنملته التي تدعى المسبحة يوعده، ويحمل عليه ليقتله، فلما رأى ذلك يوسف عليه السلام، كف، وهرب مولياً نحو الباب، واتبعته سيدته، فتداركا عند الباب، واتبعته سيدته ينازعها ليخرج، وتجره من خلفه ليرجع، فانقد قميصه من دبر {وألفيا سيدها لدا الباب قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً إلا أن يسجن أو عذابٌ أليمٌ}.فلما رأى ذلك يوسف -صلوات الله عليه-، أفشى عليها، فقال: {هي راودتني عن نفسي}، حتى آل الأمر إلى أن شاع أمرها في النساء، وقبح عليها الأمر، فجمعت النساء، واتخذت عيداً، واستعانت بهن عليه، وأوعدته وتهددته إن لم يفعل ذلك: {ليسجنن وليكوناً من الصاغرين. قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين}، قال الله تعالى: {فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم} السميع: لمقالته، العليم: بقلبه، وبتعلقه، فلبث في السجن عشر سنين، فلما انتهت مدة عقوبة الهم، وحان أوان الخروج منه، قال لذلك الذي كان حبسه الملك ثم أخرجه: {اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين}.فروي في الخبر: أنه كان ثلاث سنين، فلما انتهت المدة مدة عقوبة قوله: {اذكرني عند ربك}، جاءه جبريل عليه السلام، فدخل عليه السجن، فقال له: يا يوسف! إن الله يقول لك: أتحب أن يكلك الله في شيء من أمرك إلى فرعون وجنده؟قال يوسف عليه السلام: أعوذ بالله من ذلك، برأفة ربي ورحمته، قال الملك:لم؟ قال: لأنهما لا يملكان لي ضراً ولا نفعاً، قال له الملك: فما الذي حملك على أن تستغيث بهما، وتطلب إليهما حاجتك، وأنت تعلم أنهما لا يملكان لك من الله شيئاً؟ قال: ظلمتني سيدتي، ولم يتبين سيدي في أمري، فرجوت أن ينصفني فرعون حتى يعلم علمي، قال له الملك: أفترضى بفرعون حكماً دون الله في شيء من أمرك؟ قال يوسف عليه السلام: معاذ وجه ربي، قال له الملك: فما أنساك ذكر ربك حين طلبت إلى غيره، وأنت تعلم هذا الذي ابتلاك؟ اذهب؛ فإن الله قد وكلك إلى من اتكلت عليه ثلاث سنين.ثم قال له: يا يوسف! انظر، فنظر إلى الأرض، فقال لها الملك: يا أرض انفرجي، فانفرجت، فقال: يا يوسف! ما ترى؟ قال: [أرى] أرضاً أخرى، فقال لها: يا أرض انفرجي، فانفرجت، فلم يزل كذلك حتى انفرجت عن الصخرة، فإذا علينا دودة حمراء بين يديها طعام، فقال: يا يوسف! ما ترى؟ قال: أرى دودة على الصخرة بين يديها طعام، فقال الملك: فإن ربك يقول: لم أغفل عن دودة تحت سبع أرضين حتى هيأت لها رزقها، وغفلت عنك، وأنت يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليلي، فاتخذت من دوني وكيلاً؟! لأطيلن حبسك، فبكى يوسف عليه السلام، وقال:انتشى قلبي من كثرة البلوى، فقلت: كلمه، فقال: يا يوسف! من خلصك من أيدي إخوتك؟ قال: الله تعالى، قال: فمن أضاء لك الجب؟ قال: الله تعالى، قال: فمن صرف كيد النسوة؟ قال: الله تعالى، قال: فكيف استعنت بالمخلوقين وتركت الخالق؟! قال: ((اللهم اجعل لي من كل أمر أهمني وكربني من أمر ديني ودنياي فرجاً ومخرجاً، واغفر لي ذنوبي، وارزقني من حيث أحتسب، ومن حيث لا أحتسب، وأثبت رجاءك في قلبي، واقطعه ممن سواك، حتى لا أرجو أحداً غيرك)).فخرج من السجن، وآتاه الله ملك مصر، وخوله خزائن أرضها، حتى جمع بينه وبين يعقوب -صلوات الله عليهما-، وجمع شمله في إخوته وأهل بيته، وانتقلوا إلى مصر.وروي لنا في شأن تلك المرأة.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 1108
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
