نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول #1259
Sahih
نا أبي رحمه الله، قال: نا عصمة بن حميمٍ أبو أمية، قال أبو هلال الراسبي: عن قتادة، عن أنسٍ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له)).قال أبو عبد الله رحمه الله:فالإيمان عش الأمانة، والأمانة في جوفه كالفرخ الذي يتفقأ عن البيضة، ووكل العباد بتربيتها، كما يربي الطير فرخه في عشه، ويزقه، ويغدو في طلب تربيته، حتى ينقل إليه من أقطار الأرض، ويكتنفه، ويذب عنه، ويقاتل عنه من يرومه في عشه؛ تحنناً عليه، وشفقة وصيانة، حتى ينبت له جناح، ويطير معه.فالمؤمن موكل بحفظ الأمانة، وقد قبلها مع قبول الإيمان، ولم يتم له الإيمان إلا بقبول الأمانة، وكانت مستورة، فأحب الله أن يبرزها حتى يقبلها آدم بارزاً ظاهراً، فيباشر قبولها بيده ولسانه، فمثلها له درةً بيضاء، وجعلها مستورة في جوفه، فعرضت على السماوات والأرض والجبال، فهبنها، وأشفقن منها؛ لأنه انكشف الغطاء لهن عن ذلك، وستر عن آدم عليه السلام.وإنما عرضت على السماوات والأرض والجبال؛ لمكان آدم، والمقصود بذلك آدم، ولو قصد بذلك غير آدم، فأمر بقبولها، ولم يك عرضاً، فكان إذا قبلها، ثم ضيع منها شيئاً هو أو ولده، لكانوا يكفرون، ولكن الله تعالى لطف لآدم وولده، فجعلها عرضاً على السماوات والأرض، وعرض لذلك آدم حتى قبلها، وإنما قبلها؛ لأنه تحرك ما في قلبه من المتضمن في إيمانه، وهاج، فلم يملك أن سارع إلى القبول مقتدراً، فابتلي باقتداره، فسمي ظلوماً؛ لقبوله على الاقتدار، جهولاً بما في باطن تلك الدرة، فهو في الظاهر بها جاهل، وفي الباطن مستعمله لما في باطن إيمانه يزعجه على القبول حتى وضعها على العاتق.وقال: هي لك بين أذني وعاتقي، وبين الأذن والعاتق العنق، وفيها الرقبة، فألزم الأمانة عنقه كطوق العبيد، وذلل لله رقبته، فلولا ما جرى فيه من الاقتدار؛ لكان أمراً عجيباً، فتكدر عليه الأمر للاقتدار، وانقطعت المادة، وإنما عمل فيه الاقتدار، وانسد عليه باب التعلق بالله؛ لما كان في ظهره من الأعداء، فأحب الله أن يزايله الأعداء، فإن الأحباب والأعداء قد ضمهم صلبه، فابتلاه بقبول الأمانة؛ ليميز الخبيث من الطيب، فقبله على الاقتدار، فصار القبول حظ الأحباب، وصار الاقتدار حظ الأعداء، وذلك قوله تعالى: {إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً}.ثم أعلم العباد لم فعل هذا؟ فقال: {ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفوراً رحيماً}.كأنه يقول: إنما فعلت هذا؛ لأعذب الأعداء، وأتوب على الأحباب، وأغفر لهم بسيئ ما عملوا، وأرحمهم في تقصيرهم؛ حتى تؤديهم الرحمة إلى دار رحمتي، فتقلد حفظ هذه الأمانة، فجرى قبوله لها من القلب إلى الجوارح السبع، فيجري عمله على هذه الجوارح، فللعين جزءٌ، وللسان جزءٌ، وللسمع جزءٌ، ولليد جزءٌ، وللرجل جزءٌ، وللبطن جزءٌ، وللفرج جزءٌ، وجعل أمانة الفرج من بين الجوارح كلها مستورة، ولذلك سميت فاحشة إذا كشف عنها بغير حقٍّ، والاستعمال لها بغير حقٍّ هلكة، والأدب لمن أتاها بغير حقٍّ القتل بالحجارة والتنكيل، والناظر إليها عامداً ملعون، والكاشف عنها منزوع الحياء، وإذا نزع الحياء، هتك الله ستر الحياء منه، فمقته، فلا تلقاه إلا مقيتاً شيطاناً لعيناً، فبهذا جاء الخبر.
أَنَسٍ، ← قَتَادَةَ ← أَبُو هِلَالٍ الرَّاسِبِيُّ ← عصمة بن حميمٍ أبو أمية، ← أَبِي
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · المجلد الخامس · Hadith 1259
