نا صالح بن عبد الله، قال: نا جريرٌ، عن ليثٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرٍو، قال: أول ما خلق الله من الإنسان فرجه، ثم قال: هذه أمانة خبأتها عندك، فلا تبسل منها شيئاً إلا بحقها، فالسمع أمانة، والبصر أمانة، والفرج أمانة، والبطن أمانة، واللسان أمانة، واليد أمانة، والرجل أمانة.قال أبو عبد الله رحمه الله:والذي يكشف عما خبأه الله إهمالاً واستعمالاً بغير حق؛ استوجب هذه العقوبات البارزة في الدنيا والآخرة على سائر العقوبات، أما في الدنيا، فالنكال والرجم، وأما في الآخرة: فإن أهل النار يتأذون من نتن فروج الزناة، ويزدادون بذلك عذاباً، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أكثر ما يدخل الناس النار الأجوفان: البطن والفرج)).فقد قلد كل جارحة الأمانة بقسطها، فمن استبدل بالأمانة في كل جارحة خيانةً، انتقص من وزن إيمانه حين يوزن، ومن ضوئه ما دام حياً، فإن ضوء الإيمان رأس مال الموحدين، به يستضيئون في السير إلى الله تعالى في الطاعات، فإذا غاب الضوء، ضل القلب؛ بمنزلة قمر وقع في الكسوف، فضل المسافر الذي أظلم عليه الطريق عن المسير، فكسوف ضوء الأمانة في ظلمة الخيانة.فلكل فعل حرم الله تعالى على كل جارحة من الجوارح ستر، فإنهتكته تلك الجارحة، انهتكت تلك الحرمة برفع حجابها، فقد خان الأمانة، ومثل ذلك مثل راكب يسير إلى الملك على راحلة نجيبة من النجائب، فإذا هو ساعةً بساعة ينيخها، فمن كثرة الإناخة صارت النجيبة صعبة، فحرنت، وخلأت، وصالت، واستبدت، فتركت نجابتها من كثرة الإناخة، فكذلك صاحب الأمانة إذا نزهها عن الخيانة، فهي نجيبة تطير به إلى الله، وفيها منجاة لكل نائبة تنوبه في الدنيا، وفي البرزخ، وفي المحشر، وعند الميزان، وعلى الصراط.فالمتقون فهموا هذه القصة، فخرسوا ألسنتهم عن أن تنطق بما نهى الله عنه، والسمع عن الاستماع إلى ما نهى الله عنه، والبصر واليد والرجل والبطن، والفرج كذلك، وحفظوا القلب وساحته، وهي الصدر مع الله فيما بينه وبين الخلق، فكلما زلت جارحة من جوارحك بفعل حظره الله عليك، فقد ضيعت من الأمانة بقدرها، وانكسف من ضوء نورك بقدرها، ونقص من وزن إيمانك غداً بقدرها، فإذا أحكمت شأن هذه الجوارح السبع، وجعلتها في وثاق الأمانة، فقد نجوت من اقتضاء الأمانة جوارحك ما قلدت.وإن كنت ممن فتح له الطريق، فسار إلى الله، صار حفظ الأمانة أصعب وأعظم خطراً، وأوفر حظاً من ثمرته؛ لأن العبد حتى الآن كان في كسب الجوارح عملاً ينال به أجراً، والآن قد وقع في كسب القلب سعياً إلى الله تعالى ينال به القربة، والحراسة هاهنا للأمانة من الخواطر، فإن حرسها بحقها وصدقها، تحول الضوء الذي كان بدءًا شعاعاً يتوهج، يخطف بصائر النفس، فضوء الإيمان للصادقين مع جهدهم، وشعاع الإيمان للصديقين مع تفويضهم؛ لأنهم خرجوا من قمر الإيمان إلى شمسه، فإن الكفر كليلٍ مظلم، فإذا أضاء الإيمان في الصدر، كان كليلٍ طلع قمره، فليلة يقمر بربعه، وليلة بثلثه، وليلة بنصفه، وليلة ببدره كملاً.فالموحدون كلٌّ يأخذ من ذلك القمر بقدره، وكل مطيع يأخذ بقدره من الضوء، فمؤمن مخلط إنما يقمر له من إيمانه بمقدار ما يقمر الليلة الثالثة من الشهر، ويغيب عنه ما سوى ذلك؛ لظلمة خيانته، وعامل يقمر ليله من إيمانه الثلث، ويغيب عنه ما سوى ذلك، وكذلك الورع والمتقي والزاهد والناسك، كلٌّ على قدر صدقه، حتى إذا انتهى الصدق منتهاه من هؤلاء الأصناف، استحق اسم الصدق، فسمي صادقاً؛ لأنه يصدق الله، مطيعاً له في كل جارحة.فالظاهر مستقيم، والباطن ذو تخليط كثير، فمن أقمر ليله بدراً، فصار ضوء إيمانه كالقمر ليلة البدر، والضوء ليس له شعاعٌ ولا حريقٌ؛ لأنه ممحو، فكذلك الصادق محجوب قلبه عن الله، فاسد الباطن، مجهود، ومن فتح لقلبه الطريق إلى الله؛ فصار على منهج الصدق، وهو البذل لنفسه لله، غير ملتفتٍ إليها؛ تحول قمره شمساً.فإنما يبدو لقلبه من شعاع ذلك الشمس بمقدار ما كان يبدو من القمر في مبتدأ أمره، فلا يزال يسير حافظاً للأمانة في العطايا، حتى تزول عنه الخيانة، ويتبرأ من النفس، وينساها، فإذا وصل إلى هذه الحظة، وافتقد مشيئته لمشيئة مولاه، ونسي أحوال نفسه لما طالع من العظائم، واشتغل بالمرعى، أشرقت شمسه بتمامها بجميع شعاعها، ولذلك قوله لداود عليه السلام: ((يمشي تماماً، ويقول صواباً))، وقوله تعالى: {ثم آتينا موسى الكتاب تماماً على الذي أحسن}.فالحافظ لهذه الأمانة بحقها وصدقها في أمان الله يوم المقدم على الله عند معالجة سكرات الموت، وفي البرزخ عند فتاني القبر، ويوم المنشر، وفي ساعات المحشر، وهناك في الموقف عند الجواز على الصراط، وعند الوزن، وعند قراءة الصحيفة، وعند العرض الأكبر، حتى يوافي دار الأمن والأمان، فاتصلت أمانة هذا العبد من هاهنا بدار الأمان، وهذا هو المؤمن المستكمل لوفارة الإيمان وبهائه.ولذلك قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: وددت أني شعرة في صدر مؤمن.وروي في الخبر: أن الله تعالى إذا أثنى على عبد، فأبلغ في الثناء، سماه مؤمناً، وقال إبراهيم حين أثنى عليه: {إنه من عبادنا المؤمنين}.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 1260
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
