Thursday, Rabiʻ I 1, 1448 AH · Aug 13, 2026

Preserving the Prophetic ﷺ tradition for every generation

favorite Support This Mission
logo

Hadith Nabawi

logo

Hadith Nabawi

    SearchBooksTopicsNarratorsTerminologyAbout
person Sign in

About

  • Our Mission
  • Methodology
  • Team
  • Contact

Resources

  • FAQ
  • Book Catalog
  • Narrator Database
  • Topics

Contribute

  • Become a Translator
  • Report an Error
  • Donate
  • GitHub

Legal

  • Terms of Use
  • Privacy Policy
  • License

Follow Us تابعنا

fin@X

Daily Hadith, scholarly articles, and updates from the team.

© 2026 Hadith Nabvi Platform · A project by Learning SoulsHadith e Nabawai (PBUH)
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول

Nawadar Al Asool Fi Marfa Al Hadith Al Rasool

1,631 Hadith302 Chapters
Read Book arrow_right_alt
IntroductionChaptersHadithsNarratorsAuto Biography

Chapters

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول #384

Sahih

حدثنا بذلك محمد بن علي الشقيقي، قال: أخبرنا أبي، قال: حدثنا عبد الله بن جعفرٍ، عن إسماعيل ابن محمدٍ، عن أبي بكر رضي الله عنه بذلك.قال: فلما ولي عمر رضي الله عنه، عمل بالذي كان يرى، ففضل أصحاب بدرٍ، وجعل بين الناس فضائل.ففعل أبي بكر رضي الله عنه، فعل الصديقين، المال عنده بلاغٌ، فكلما تناول شيئاً منه، قدمه في نوعٍ من أنواع البر، ولم يجعل عدةً ليوم فقره، كما فعل هذا المقتصد؛ لأن عدة الصديقين والمقربين خالقهم، وأعينهم مادةإلى رحمته، والمقتصدون ومن دونهم، عدتهم عدة الإيمان، فإن صاروا إلى الحقائق، صيروا أعمالهم عدة.

أبي بكر بذلك ← إسماعيل ابن محمدٍ، ← عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ ← أَبِي ← بذلك محمد بن علي الشقيقي،

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · 2-الهمزة مع الفاء · Hadith 384

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول #385

حدثنا أبو الحجاج النضر بن طاهر البصري، قال: حدثنا زنفلٌ أبو عبد الله العرفي، كان ينزل عرفاتٍ، قال: أخبرنا ابن أبي مليكة، عن عائشة، عن أبي بكر رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أمراً، قال: ((اللهم خر لي، واختر لي)).قال أبو عبد الله: فالخيرات كلها من خيرته، والصفوة من الخيرات مختارة، خار لعباده الأعمال والأفعال، واختار لنفسه من الذي خار لهم، فذلك محبوبه ومصطفاه، وإنما هو خير وشر منقسم في الأعمال كلها، فسأله أن يخير له؛ أي: يرزقه الخير، وإذا رزقه الخير، وقاه الشر، ثم سأله أن يختار له من الخير محبوبه.وله دعوة أخرى في حديث آخر: كان يقول: ((اللهم إني أسألك التوفيق لمحابك من الأعمال))، وهذا بابٌ غامضٌ، يخفى على الصادقين، وإنما ينكشف للصديقين؛ لأن الصادق إنما يفتش عن الأعمال كي لا يدخل العدو، والنفس، والهوى في ذلك شيئاً ينجسه فيه، فيروجه عليه بخدعه، فهو يبغي الصدق، والإخلاص، وإليه يلحظ في جميع أموره.والصديق يلحظ في أعماله إلى الله؛ لأنه قد ركب الصعاب، وذللها، فاستقام قلبه ونفسه على الصدق، وانطرد عنه الهوى، وانخسأ العدو، فهو يفرق من ظله، وتمكن الصدق فيه، ومرنه، وتفرغ قلبه من الاشتغال بالنفس، فهو مشغول بالله، ولحاظ في أعماله إلى الله، فهو الذي يكشفله التوفيق من الله لمحابه، فرب عملٍ هو في الظاهر أعلى وأشرف على ألسنة الكتب والرسل، والمحبوب عند الله في ذلك الوقت ما هو دونه في الظاهر، فالذي يحبه الله في ذلك الوقت قد خفي على الأنبياء، حتى سألوا التوفيق لذلك.

أَبِي بَكْرٍ، ← عَائِشَةَ ← ابْنِ أَبِي مُلَيْکَةَ ← زنفلٌ أبو عبد الله العرفي، كان ينزل عرفاتٍ، ← أبو الحجاج النضر بن طاهرٍ البصري،

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · 2-الهمزة مع الفاء · Hadith 385

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول #386

حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا عثمان ابن الهيثم، عن عبد الوهاب بن مجاهدٍ، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: كان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اللهم إني أسألك التوفيق لمحابك من الأعمال، وصدق التوكل عليك، وحسن الظن بك)).فانظر إلى هذه الخصال الثلاث التي سأل كيف يشبه بعضها بعضاً،وكأنها نظامٌ واحدٌ، سأله التوفيق لمحابه، ومحابه في الغيب لا تدرى، فربما كان محابه في شيء هو في الظاهر دون غيره، فإذا استقبل النفس ذلك، واحتاج إلى أن يؤثره على الذي هو في الظاهر أعلى، تلكأت النفس، وترددت، فسأله صدق التوكل.والتوكل: هو التفويض إليه في جميع الأمور، وأن يتخذه وكيلاً في جميع ذلك، فسأله صدق ذلك التوكل، وصدقه: أنه إذا استقبلك أمر هو عندك في ظاهر العلم دون غيره، وبين يديك أمر أعلى من ذلك، فوفقك الله في ذلك الوقت إلى هذا الأدون، وهو دون محابه في ذلك الوقت، ومختاره أن لا تتردد نفسك، ولا تتلكأ فيه، وتسارع فيه كما تسارع في الذي كان عندها أعلى، فهذا صدق التوكل قد اتخذ الله وكيلاً في أمره، وفوضه إليه، فوفقه للأدون، فلم يتحرك، ولم يتبرم، ومر فيه مسرعاً.قال: ((وأسألك حسن الظن بك))؛ فإن النفس إذا مرت في الأدون، دخلها سوء الظن من قبلها، يقول: لعلي فيها مخذول، فأقبل على الأدون، وأعرض عما هو أعلى منه، فسأله توفيقاً لمحابه من الأعمال، ثم سأله صدق التوكل؛ ليجعله إذا وفقه لذلك لا تتلكأ نفسه ولا تتردد، ثم سأله أن يرزقه حسن الظن به، فلا تأخذه الحيرة من ربه، ولا يخاف أن يكون قد خذل، ويسخط بهذا الأمر، فهذه الخصال كلها منظومة محتاجة إليها في طلق واحد لا يستغني ببعضها عن بعض لمن سأله أن يختار له محبوبه، ويوفقه لمحابه من الأمور، فجاءت الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بهاتين اللفظتين، وكلتا هما تؤديان إلى معنى واحد.قوله: ((اختر لي))، وقوله: ((وفقني لمحابك))، فالاختيار: من الخير، هو محابه في ذلك الوقت.قال قائل: صف لنا واحدةً من هذه الأمور نعتبر بها ما سواها؟قال: نعم، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم معتمراً يزور بيت الله الحرام لبعدعهده به فصد عن البيت، فكان محاب الله في ذلك أن يصالحهم، ويعطيهم ما يحبون ويريدون من ذلك؛ فإنهم كانوا يريدون أن لا يدخل مكة في تلك الهيئة، فحصر دون قضاء العمرة، ونحر الهدي، ولم يصل إلى البيت، ولم يبلغ محلها، وكان في الظاهر تعظيم البيت، والاعتمار، والوفاء بالنذر، وهو الإحرام، وهدي البدن، وهي سبعون بدنةً، أعلى عندهم وأشرف، والصلح والرجوع عنهم محاب الله في ذلك الوقت، فاتسع في هذا الأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يضق به ذرعاً.واتسع أبو بكر، وضاق عمر، حتى صار إلى أبي بكر، فقال: يا أبا بكرٍ! أليس هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أوليس نحن المسلمون؟ فقال: نعم، فقال: فعلام ما نعطي الدنية في ديننا، وهم الكفار؟! قال أبو بكر: يا عمر! الزم غرز رسول الله صلى الله عليه وسلم -أي: بركابه-، واسمع، وأطع؛ فإني أشهد أنه رسول الله، فقال: وأنا أشهد، فلم يصبر على ذلك، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! ألست برسول الله، أولسنا بالمسلمين أوليسوا بالمشركين؟ قال: ((بلى))، قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا وهم الكفار؟! قال: ((أنا عبد الله ورسوله، ولن أخالف أمره، ولن يضيعني)).قال عمر رضي الله عنه: فما زلت أصوم، وأصلي، وأتصدق، وأعتق من الذي صنعت، مخافة الكلام الذي تكلمت به يومئذٍ، فصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين، وكتب الكتاب فيما بينهم على وضع الحرب عشر سنين، يأمن فيهن الناس، ويكف بعضهم عن بعضٍ، فأمنوا، ولقي بعضهم بعضاً، وخالطوهم، فاستمعوا إلى القرآن، وإلى ما جاء به عن الله عز وجل، والرجل يكلم أخاه، وصديقه، ورحمه بذلك، فدخل الناس أفواجاً في دين الله، مثلما دخلوا في سنين كثيرةٍ.فانظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف فوض أمره إلى الله، وأبرز صدق توكله، وكيف حسن ظنه بالله، فقال: ((إني لن أخالف أمره، ولن يضيعني))، وكيف تابعه على ذلك أبو بكر رضي الله عنه، واتسع فيه، وكيف ضاق عمر رضي الله عنه به، ومن بعد عمر عامة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى بلغ من أمرهم: أنه أمر مناديه فنادى بأن يحلقوا رؤوسهم، فلم يحلقوا حتى دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الخيمة، فقال:((يا أم سلمة! ألا ترين أن الناس لا يحلقون؟!))، فقالت: يا نبي الله! بأبي وأمي أنت، احلق أنت، فلو رأوك قد حلقت، لقد فعلوه، فحلق رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه، فأخذ الناس يحلقون رؤوسهم، ومنهم من قصر، فقال: ((اللهم اغفر للمحلقين))، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: ((اللهم اغفر للمحلقين))، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: ((والمقصرين))، قالوا: ظاهرت بالترحم والمغفرة للمحلقين، قال: ((لأنهم لم يشكوا)).فليس هذا شكاً في أصل الفعل، إنما الشك هنا ضيق الصدر بذلك الفعل، احتاجوا إلى أن يحلقوا وهم في إحرامٍ، ولم يحلوا بعد؛ لأن السبيل كان عندهم في الجاهلية وراثةً أن لا يحل أحد من إحرامه دون الطواف بالبيت، فلما أمرهم بالحلق، استعظموا ذلك، وضاقت صدورهم، ثم اتبعوه، وقصروا، كأنهم على كراهية شديدةٍ، وهذا من خلق النفس وكزازتها، فحرموا الدعوة للكزازة التي فيهم، وركوب الهوى.وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إني لن أخالف أمره ولا يضيعني)) فلا نعلم أنه أمر بالرجوع أمراً ولكن عنى بقوله: ((لن أخالف أمره))؛ أي: إني لن أخالف ما استقبلني من وجه الأمر، ومن توفيقه لما هو أحب إليه، وذلك أن أهل مكة لما تلقوه ليردوه في جمعهم، أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم في أسفل مكة، فلما بلغ الحديبية بركت ناقته، فقال الناس: خلأت [القصواء]؛ أي: حرنت، فقال: ((ما خلأت، وما لها ذلك بخلقٍ)).كأن معناه: أن هذه ناقة مسخرة لصاحبها، وصاحبها ليس بمحرون، فإذا لم يحرن الذي سخرت له على ربه، لم تحرن المسخرة، فقال: ((ما خلأت، ولكن حبسها حابس الفيل)).فعلم أن بروك هذه الناقة هاهنا ليس من الحرانة؛ لأنه لم يحرن على ربه في أمره ونهيه، ولكن هذا شيءٌ بديعٌ قد اختار له ربه ما هو أحب إليه.فنزل، وعسكر هناك، وانتظر ما يكون، ثم وجه الرسل إلى أهل مكة واحداً بعد آخر: ((إني لم أجئكم للحرب، وإنما جئت معظماً للبيت،ومعي هذا)). فعاهدوا الله أن لا يدخلها أبداً أو نحاربك ما قدرنا، ثم كان في تلك الرسل: عثمان بن عفان، وأتاه الخبر: أن عثمان قد قتل، فانتدب رسول الله صلى الله عليه وسلم لحربهم، وقال: ((لا نبرح حتى نناجزهم))، فدعا إلى البيعة تحت الشجرة، فبايعوه، فقال أصحابه بعد ذلك: نحن بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت، وقال آخرون ممن فهم الأمر: لم نبايعه على الموت، ولكن بايعناه على أن لا نفر، فأنزل -الله تبارك اسمه-: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة} الآية، فأوجب لهم رضاه، وبشرهم بذلك، ووعدهم النصرة والفتح.وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في الطريق رؤيا أن يدخل المسجد الحرام مع أصحابه محلقين رؤوسهم ومقصرين، لا يخافون، فأخبر بها أصحابه، فلم يشكوا إلا أنها تفتح لهم، فلما استقبلهم هذا الصلح، شكوا في الرؤيا، وساءت ظنون كثير منهم، فقال الله تعالى: {فجعل من دون ذلك فتحاً قريباً}، فصالحوا، وانصرفوا، فخرجوا إلى خيبر، ففتحها الله عليهم، فاستأصلوا اليهود، وهم أحد الأعداء، وغنموا الغنائم الكثيرة، وتقووا بما غنموا، وأخذوا العدة من الكراع والسلاح، وبلغ المشركين ذلك، فذلوا، وانقصموا.وعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم من العام المقبل، يقضي عمرته، وأخلوا له مكة من نسائهم وأولادهم حتى انصرف، ثم عاد من العام المقبل لفتح مكة في عشرة آلاف رجلٍ، وكان ذلك العام الذي صد عنه في تسع مئة، وكثر أصحابه؛ لدخول الناس في دين الله، وذلك للصلح الذي كان بينهم وما التقوا، فوعظ بعضهم بعضاً، وقرأ عليه ما نزل.فانظر إلى محاب الله، ومختاره، وإلى محاب الخلق، ومختارهم، فكان مختار الخلق: أن يدخلوها عنوةً، فيقتلون، ويقتلون، وقد كان لله فيها أولياء، قد اجتباهم واختارهم، وسبقت لهم منه الحسنى، ولم يجيء وقت إسلامهم بعد.وفيهم أيضاً من قد أسلم من المستضعفين نساء وشيوخ وعجزة، فلو دخلوها بقتال، لأصابهم معرة الجيش، فقال الله تعالى في تنزيله: {وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم}.وكانت طائفة من أهل مكة خرجوا عليه من وراء عسكره، فهزمهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذوهم أسرى، وأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذلك قوله: {من بعد أن أظفركم عليهم}، ثم قال: {ولولا رجالٌ مؤمنون ونساءٌ مؤمناتٌ لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرةٌ بغير علمٍ ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً}.فهؤلاء: رجال مؤمنون، ونساء مؤمناتٌ، قد كانوا هناك مستضعفين، في أيديهم، فلو دخلتم للحرب، لوطئتهم الخيل، فهلكوا، ولو تزيلوا؛ أي: فارقوهم وزايلوهم، لعذبنا الذين كفروا؛ أي: نسلطكم عليهم بالحرب حتى تقتلوهم، ولكن هيأ الصلح، وحبس الناقة فبركت، فلما بركت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((حبسها حابس الفيل، لا تدعوني قريشٌ اليوم إلى خطةٍ فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها)).وكان رجال مؤمنون، ونساء مؤمناتٌ في أصلاب الآباء، وأرحام الأمهات، لم يخرجهم الله إلى دار الدنيا، وكان في سابق علمه أنه سيخرجهم إلى مدةٍ، وأسماؤهم مكتوبة في اللوح المحفوظ بالسعادة من الله، فلو دخلها عنوةً، لهلك آباؤهم وأمهاتهم في الحرب، ومعرة الجيش، فلو تزيلوا؛ أي: لو زايلوا الأصلاب والأرحام، لعذبنا الذين كفروا؛ أي: الآباء والأمهاتالكفرة، وأنجينا هؤلاء الأطفال الذين هم في علمي أولياء، فهيأ الله الصلح بينهم.حتى توالدوا، وخرج من أصلابهم من يعبد الله وحده، وتهيأ للمستضعفين حالة نجاةٍ، وفتح الله مكة من العام الثالث عليهم، وأظفره بهم، ومن قبل فتح مكة سهل الله سبيله، حتى جاء قاضياً لعمرته في ذلك الشهر الذي كان جاء أول عام الحديبية، فاعتمر، وغاظ المشركين في ذلك، واقتص الله لنبيه منهم كما ردوه وصدوه عن العمرة، فأنزل الله: {الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاصٌ}.ثم فتح الله عليه مكة من العام الثالث من الحديبية، وهو سنة ثمان من الهجرة، وكانت الحديبية سنة ستٍّ، وقضاء العمرة في سنة سبعٍ، وافتتح مكة سنة ثمانٍ، فغص المسجد الحرام بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان في عشرة آلاف حتى لم تجد ناقته موضعاً تبرك فيه في المسجد حتى دنا من البيت فاحتملوه على أيدي الرجال، فدعا بالمفتاح، ففتح له، فدخل البيت فصلى فيه، ثم خرج فوقف على الباب فقال: ((الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده)).فانظر إلى هذه الكلمات: عظم ربه، وصغر ما دونه بتعظيمه.ثم قال: ((صدق الله وعده)): نشر عن ربه الجميل بأنه وفى له.ثم قال: ((ونصر عبده)): رأى النصرة من عنده، ورأى دوران الأمور به كيفما دارت، ونظر إلى تدبيره من لدن مبعثه، وما لقي منهم من الأذى، والضرب، والشتم، والمصائب، وما حرم أقاربه وأرحامه من بركة ما جاء به، وإلى ناسٍ من أفناء الناس غرباء كيف رزقوا ذلك، واحداً من الروم، وواحداً من الحبشة، وآخر من فارس، وواحداً من الخيام، وآخر من حضرموت، وبلاد الشام، وأبو طالبٍ، وأبو لهبٍ، وولد عمومته حاربوه، وعادوه، وأخرجوه من بلده ووطنه، وبيت الله الحرام، وغربوه، وتواطؤوا على قتله، وطلبوه، فلم يظفروا به.وانظر إلى تدبير الله في الأنصار، وبذلهم أنفسهم، قال تعالى: {فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين}.ثم حروبهم ببدرٍ وأحدٍ، وتلك العجائب التي كانت هناك مرةً لهم، ومرةً عليهم، إلى يوم الحديبية، وصلحه، وأنهم قد وضعوا الحرب فيما بينهم عشر سنين، فضاق بذلك عمر رضي الله عنه يوم الحديبية، ولا يعلم أن الله سيفتح عليهم مكة في العام الثالث من عامهم، في أعز نصرٍ، وأوفر جمعٍ، فحسن الظن، وسوء الظن يتبين، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ جميل صنع الله فيه وفي أمرهم، وقال: ((الله أكبر، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده)).فلو شاء الله، لبعث مع محمد صلى الله عليه وسلم ملائكة معهم الشهب، فيحرقوا ويدمروا على من جحده، ولكن تدبير الله في عباده على التؤدة، والرفق بهم، ليتسعوا مع تدبيره؛ فإن الاتساع في أمره عبودةٌ، والضيق من الاستبداد، وخلق النفس، والعبودة الصادقة أن يدور مع تدبير الله في الأحوال كيفما دارت الأحوال، فهناك تكون عند الله راضياً في أحوالك فيرضى الله عنك، وهو قوله: {يأيتها النفس المطمئنة. ارجعي إلى ربك راضيةً مرضيةً}.اطمأنت إلى الله، وماتت شهواتها، وذهب استبدادها، فرضيت عن اللهفي أحوالها على اختلاف محبوبها ومكروهها، فرضي الله عنها، فلما تكلم على باب الكعبة بما تكلم، قال لأهل مكة وهم حوله: ((ماذا تقولون وماذا ترون أني صانعٌ بكم؟))، قالوا: أخٌ كريمٌ وابن أخٍ كريمٍ، قال: ((فإني أقول كما قال أخي يوسف: {لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين})).قال عمر رضي الله عنه: فانتضحت عرقاً من الحياء من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أني قد كنت قلت لهم حين دخلنا مكة: اليوم ننتقم منكم، ونفعل ما نفعل، فلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال، استحييت من قولي.فهكذا يكون فعل الناظر إلى تدبير الله المعاين له؛ رفق بهم، وألان لهم القول، وطيب نفوسهم لما رأى تدبير الله فيهم من قبل في تلك الأمور الماضية.وأيضاً قصة أخرى: في شأن أبي جندل بن سهيل بن عمرو، وكان مسلماً في أيدي المشركين، مقيداً بمكة، فلما جاء سهيل بن عمرٍو أبوه يراجع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلح، وهو بعض رؤسائهم، أبرم الصلح، وكتب الكتاب، فجاء ابنه أبو جندل يرسف في قيوده، قد انفلت من محبسه، فقال: يا محمد! يا رسول الله! إني مسلمٌ في أيدي المشركين، واستغاث برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالمسلمين، فقام إليه أبوه، فضرب وجهه، ورده، وقال: يا محمد! قد نجزت القضية فيما بيننا، فتركه رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده، حتى رده، فكاد المسلمون أن يفتتنوا في ذلك الأمر، وأخذهم الغيظ الشديد، ولم يقدروا على شيءٍ للصلح، وكان قد وقع الصلح بينهم على أنه من صار من المشركين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يرد عليهم، ومن صار من المسلمين إليهم مرتداً، لم يطلب، فأجابهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك، فتحرك أصحابه في ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من جاءنا منهم مسلماً، فرددناه عليهم، فإن الله جاعلٌ له فرجاً ومخرجاً، ومن صار إليهم مرتداً، فإلى النار، فما نصنع بمن ارتد عن دين الله؟)).فانظر إلى حسن ظنه، حيث قال: ((فإن الله جاعلٌ له فرجاً))، وكيف لا يحسن ظنه، وقد أوحى الله إليه: {ومن يتق الله يجعل له مخرجاً. ويرزقه من يث لا يحتسب}.فالوحي قد نجع فيه، وانكشف الغطاء عن قلبه، حتى عاين حسن تدبير الله، وصنائع ربه، وعرفه بالمجد والكرم.فذهب سهيل بن عمرو بابنه إلى مكة في قيوده، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ففتح خيبر، حتى قال عمر رضي الله عنه: كنت أماشي أبا جندلٍ وهو في قيوده، وهو إلى جنب أبيه، وأهوي بمقبض سيفي نحوه، وأدنيه منه، وأقول: يا أبا جندل! ليهن عليك، فإنما دم أحدهم كدم كلب، وأدني قائمة السيف منه رجاء أن يأخذ السيف فيضرب به أباه، قال: فضن الرجل بأبيه وسهيل آخذٌ بتلبيبه يجره إلى المنزل، وأبو جندل يصرخ: يا معشر المسلمين! أرد إلى المشركين، فيفتنوني عن ديني؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اصبر واحتسب أبا جندلٍ، فإن الله جاعلٌ لك وللمستضعفين فرجاً، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحاً، وأعطيناهم على ذلك عهداً، وإنا لن نغدر)).فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فلم يلبث إلا يسيراً حتى انفلت أبو جندل من قيوده، ومر إلى ناحية البحر على طريق الشام، فقعد هناك؛ لأنه قد علم أنه إن صار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يجد بداً من رده عليهم؛ لما جرى بينهم في الصلح من ذلك، فأقام هناك أياماً، فكان كل من سمع به من الشداد المنفلتين ممن هم في محابس المشركين لحق به، حتى توافوا نحواً من سبعين رجلاً، فقطعوا الطريق على المشركين عيرهم، وأخذوا أموالهم،وقتلوا وأضروا حتى بلغ من أمرهم، وما تأذى بهم المشركون أن وجهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه أن يضمهم إلى نفسه؛ كي يرتفع عنهم ضررهم، ثم أسلم سهيل بن عمرو، وقتل شهيداً في خلافة عمر رضي الله عنه.فأهل سعة الصدور عاشوا مع الله في دار الحبس، والضيق، عيش أهل الجنان، وإنما نالوا ذلك كله بذلك النور الذي انشرحت به صدورهم، فاتسعت لتدبير الله، وأن الله -تبارك اسمه- دبر للعباد أموراً فقد مرنت النفوس سلوك طريق ذلك التدبير، وعرفوه، ووطنوه، ثم له -تبارك اسمه- في ذلك التدبير تدبير آخر مختصر.فأهل الضيق يتحيرون هناك، ويضيقون، ومن عاين الصنفين، والتدبيرين، لم يضق، فإن لله في كل تدبير مشيئةً، إن شاء أمضاه، وإن شاء أخره، فالتدبير الذي قد وطنه الناس: أن يكون الولد من ذكرٍ وأنثى، فاختص الله لعيسى تدبيراً، فحملت به مريم من غير ذكرٍ، فتحير فيه علماء ذلك الزمان، وأحبارهم، وهلك فيه العوام والسفهاء، وأدركت مريم بعض تلك الحيرة، فقالت: {أنى يكون لي ولدٌ ولم يمسسني بشرٌ قال كذلك الله يخلق ما يشاء}، فأبصرت وأذعنت لحكم ربها، فاستوجبت بذلك أن أثنى عليها رب العالمين فقال: {وصدقت بكلمات ربها}، وقال: {وأمه صديقةٌ}.فمن سماها الله في تنزيله صديقة هو البالغ في الصدق بشهادة الله له بذلك، وكذلك فعل زكريا فيما بشر به من الولد بعد الكبر، وكذلك رزق مريم: {كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حسابٍ}؛ أي بغير محسبة، فقد علم الناس أرزاقهم من مظانها من السوق، ومن الكرس، ومن الكرم، ومن الكيس، ومن أيدي الخلق، فرزقها على وجه التدبير المختص مما لم تمسه أيدي العالمين، فأبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم التدبيرين، ودخول أحدهما في الآخر، وخفاء شأنهما، فسأل التوفيق، وسأل مع التوفيق أن لا يكون من نفسه إذا وفقه تلك، وسأله إذا وفقه، فلم يوافق شهوة نفسه أن لا تتلكأ نفسه، ويحسن الظن به.فقد يكون الرجل من أهل الغفلة يقول: اللهم اختر لي، ووفق لي، فإذا وفقه، هرب من مختار الله، ودفع عن نفسه حلول ذاك به، وعصى الله في الدفع عن نفسه، فانظر أي جهلٍ في هذا الآدمي؟وبلغنا: أن موسى -صلوات الله عليه- قال: يا رب! أي عبادك أكبر ذنباً؟ قال: الذي يتهمني، قال: ومن يتهمك يا رب؟ قال: الذي يستخيرني في الأمور، فإذا اخترت له، لم يرض بقضائي وخيرتي.وأيضاً قصة أخرى في شأن بدرٍ: وعدهم الله إحدى الطائفتين أنها لهم: الظفر بالعير، أو الظفر بالعدو الذي انتدب من مكة، وهم رؤساء الكفر، وصناديد قريش.وكان محاب الله في ذلك أن يظفروا بالعدو، فيقتلهم على أيديهم، ويقطع دابرهم، ومحابهم الظفر بالعير؛ ليقووا به وينكثوا فيهم، وقال في تنزيله: {وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين. ليحق الله ويبطل الباطل}.ومثل ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه كان يخطب على المنبر، فدخل رجل فقال: يا رسول الله! جئت امرأ لا أعقل شيئاً من أمر الإسلام، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن منبره، وترك خطبته، ووضع له كرسي، فجلس عليه، فعلمه.فمثل هذا كثير أكثر من نحصيه، فكان يدعو: ((اللهم خر لي، واختر لي من الأمور الخير، ومن الخير مختارك، فاختر لي)).ومثل ما جاء: أنه أمر بقتال أهل سبأ، فنزلت قصتهم: {كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدةٌ طيبةٌ وربٌّ غفورٌ}. فبعث على إثر ذلك الرجل الذي أمره بقتالهم، فرده، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام، ويكف؛ لما رأى من جميل نظر الله لهم، ورفقه بهم، فعلم محاب الله فيهم، فكان في الظاهر أنه يقاتلهم كما يقاتل سائر الخلق على إقامة الكلمة العليا، فلما ظهر محاب الله فيهم، كف عنهم، وكان سبأ أبو الأنصار، وعمران بن عامر أبو الأنصار من ولد سبأ، تحول إلى المدينة حين أتاهم العذاب من قبل ذلك.

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول #387

Mozu

حدثنا حميد بن الربيع اللخمي، قال: حدثنا محمد بن بشرٍ العبدي، قال: حدثنا عبد الله بن الأسود الحارثي، عن حصين بن عمر الأحمسي، عن مخارق بن عبد الله، عن طارق بن شهابٍ، عن عثمان بن عفان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من غش العرب، لم يدخل في شفاعتي، ولم تنله مودتي)).

عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، ← طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، ← مخارق بن عبد الله، ← حُصَيْنُ بْنُ عُمَرَ الْأَحْمَسِيُّ، ← عبد الله بن الأسود الحارثي، ← مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِیُّ ← حميد بن الربيع اللخمي،

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · 2-الهمزة مع الفاء · Hadith 387

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول #388

Mozu

حدثنا إسماعيل بن نصرٍ، قال: حدثنا محمد ابن بشرٍ، قال: حدثنا عبد الله بن الأسود الحارثي، عن حصين ابن عمر، عن مخارق بن عبد الله بن جابرٍ -رجلٍ من الأحمس-، عن طارق بن شهاب، عن عثمان بن عفان رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثله.

عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، ← طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، ← مخارق بن عبد الله بن جابرٍ -رجلٍ من الأحمس-، ← حصين ابن عمر، ← عبد الله بن الأسود الحارثي، ← محمد ابن بشر ← إسماعيل بن نصرٍ،

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · 2-الهمزة مع الفاء · Hadith 388

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول #389

Mozu

حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا الحماني قال: حدثنا حصين بن عمر الأحمسي، عن مخارق بن عبد الله، عن طارق بن شهابٍ، عن عثمان بن عفان رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمثله.فغش العرب: أن يصدهم عن سبيل الهدى، ويحملهم على أمور يبعدون بها عن الرسول، ومن فعل ذلك؛ فقد قطع الرحم فيما بينهم وبينه، فمن كان سبباً لذلك، حرم شفاعته ومودته.ومن غشهم أيضاً: أن يحسدهم على ما آتاهم الله من فضله، ويضع رفعتهم، ويحقر شأنهم، ويسويهم بسائر لناس، ومن فعل ذلك؛ فقد سفه الحق، وغمط الناس، وذلك عين الكبر، ووضع ما رفعه الله، وغمر فضل الله بجهله، ويأبى الله أن يكون مغموراً فضله عليهم.قال أبو عبد الله: فالأخبار أتت بفضلهم.

عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، ← طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، ← مخارق بن عبد الله، ← حُصَيْنُ بْنُ عُمَرَ الْأَحْمَسِيُّ، ← الحماني ← أَبِي

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · 2-الهمزة مع الفاء · Hadith 389

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول #390

حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا الحماني عن قيسٍ، عن الأعمش، عن عباية بن ربعي، عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله عز وجل قسم الخلق نصفين، فجعلني في خيرهما قسماً، فذلك قوله: {وأصحاب اليمين}، {وأصحاب الشمال}، فأنا من أصحاب اليمين، وأنا خير أصحاب اليمين. ثم جعلالقسمين أثلاثاً، فجعلني في خيرهم ثلثاً، فذلك قوله: {فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة. وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة. والسابقون السابقون}، فأنا من السابقين، وأنا خير السابقين، ثم جعل الأثلاث قبائل، فجعلني في خير قبيلةٍ، فذلك قوله: {وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم}، فأنا أتقى ولد آدم، وأكرمهم على الله، ولا فخر، ثم جعل القبائل بيوتاً، فجعلني في خيرها بيتاً، فذلك قوله تعالى: {إنما يريد ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً}.

ابْنِ عَبَّاسٍ ← عَبَايَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ ← الْاَعْمَشِ ← قَيْسٍ، ← الحماني ← أَبِي

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · 2-الهمزة مع الفاء · Hadith 390

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول #391

حدثنا الحسن بن محمدٍ الزعفراني، قال:حدثنا عبد الله بن بكر السهمي أبو وهب، قال: حدثنا يزيد بن عوانة، عن محمد بن عقبة بن ذكوان، قال أبو وهبٍ السهمي: لا أحسب محمداً إلا وقد حدثني به عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: بينما نحن جلوسٌ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ مرت بنا امرأةٌ من بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال بعض القوم: هذه ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو سفيان: إنما مثل محمد في بني هاشم كالريحانة بين النتن، فسمعت المرأة، فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرته له، فخرج ولا أراه إلا مغضباً، فصعد المنبر، فقال: ((ما بال أقوالٍ تبلغني عن أقوامٍ؟! إن الله خلق سبع سماوات، فاختار العليا فسكنها، وأسكن سماواته من شاء من خلقه، وخلق سبع أرضين، فاختار العليا، فأسكنها خلقه، ثم اختار خلقه، فاختار بني آدم، ثم اختار بني آدم، فاختار العرب، ثم اختار العرب، فاختار مضر، ثم اختار مضر، فاختارقريشاً، ثم اختار قريشاً، فاختار بني هاشم، ثم اختار بني هاشمٍ، فاختارني، فلم أزل خياراً من خيارٍ، ألا، فمن أحب العرب، فبحبي أحبهم، ومن أبغض العرب، فببغضي أبغضهم)).

أبو وهبٍ السهمي: ← محمد بن عقبة بن ذكوان، ← يَزِيدُ بْنُ عَوَانَةَ ← عبد الله بن بكر السهمي أبو وهب، ← الحسن بن محمدٍ الزعفراني، قال:

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · 2-الهمزة مع الفاء · Hadith 391

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول #392

حدثنا الفضل بن محمدٍ، قال: حدثنا يزيد ابن سعيدٍ الإسكندراني، عن محمد بن عياض بن منذرٍ الأنصاري، عن جعفر بن محمدٍ، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أتاني جبريل فقال: يا محمد! إن الله بعثني،فطفت شرق الأرض وغربها، وسهلها وجبلها، فلم أجد حياً خيراً من العرب، ثم أمرني فطفت في العرب، فلم أجد حياً خيراً من مضر، ثم أمرني فطفت في مضر، فلم أجد حياً خيراً من كنانة، ثم أمرني فطفت في كنانة، فلم أجد حياً خيراً من قريشٍ، ثم أمرني فطفت في قريشٍ، فلم أجد حياً خيراً من بني هاشمٍ، ثم أمرني أن أختار من أنفسهم، فلم أجد فيهم نفساً خيراً من نفسك)).قال أبو عبد الله: فإنما ذكر النفس؛ لأن الأخلاق هي في النفس، حسنها وسيئها، فهذا يدل على أن ما قلنا أنه إنما طاف في هذا الخلق يطلب النفوس الطاهرة الصافية الزاكية بمحاسن الأخلاق، فمن أجل ذلك اختارهم، فلم ينظر إلى أعمالهم؛ فإنهم كانوا أهل جاهلية، إنما ينظر إلىأخلاقهم، فوجد الخير في هؤلاء، وجواهر النفوس متفاوتةٌ، بعيدة التفاوت، وذلك أن الله -تبارك اسمه- خلق آدم من قبضته.

أَبِيهِ ← جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ← محمد بن عياض بن منذرٍ الأنصاري، ← يزيد ابن سعيدٍ الإسكندراني، ← الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · 2-الهمزة مع الفاء · Hadith 392

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول #393

Sahih

حدثنا بذلك يحيى بن حبيب بن عربي، قال: حدثنا بشر بن المفضل، عن عوفٍ، عن قسامة بن زهيرٍ، قال: حدثنا الأشعري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله عز وجل خلق آدم من قبضةٍ قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، منهم الأحمر، والأسود، والأبيض، وبين ذلك، والسهل، والحزن، والخبيث، والطيب)).قال أبو عبد الله: فالتربة الطيبة: نفوسها سهلة كريمة، وليس فيها كزازة ولا يبوسة، ولا شعوثة، فهم أحرارٌ كرامٌ، ولدتهم أمهاتهم أحراراً كراماًمن رق النفس، وشهواتها، (وآخرون: كانت الحزونة في تربتهم، فجاءت الكزازة، والشعوثة، والصعوبة، ولدتهم أمهاتهم عبيداً، قد ملكهم رق نفوسهم بشهواتها)، وهو قول عيسى -عليه الصلاة والسلام- فيما يعظ به بني إسرائيل، فقال: لا عبيد أتقياء، ولا أحرار كرماء.معناه: أي: ليس أنت من العبيد الذي تجاهد نفسك وتتقي الله، ولا من الأحرار الذين نجوا من رق النفوس، فساروا إلى الله سير الكرام، بلا تعريج، ولا ترددٍ.فالبخل، والضيق، والحدة، والعجلة، والحقد، والحرص، وما أشبهه من كزازة النفس.والجود، والسماحة، والسعة، واللين، والتؤدة، والتأني، والرفق من سهولة النفس وطيبها.فنفوس العرب بارزة أخلاقها، لا ينكرها إلا معاندٌ، ولا يجحدها إلا ماردٌ، إنها أخلاق الكرام، فبهذا فضلوا، لا باللسان العربي، والله يحب معالي الأخلاق، ويبغض مدانيها.ومما يحقق ذلك: ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم بدرٍ: أنه سمع رجلاً يقول بعدما انصرفوا من بدرٍ، إنما قتلنا عجائز صلعاً، فأنكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: ((مه، أولئك الملأ من قريش، لو نظرت إلى فعالهم لاحترقت فعالك عند فعالهم، لولا أن تطغى قريشٌ، لأخبرتها بما لها عندالله، اللهم إنك أذقت أولهم نكالاً، فأذق آخرهم نوالاً)).فالعرب: بالأخلاق شرفوا، وإلا، فالشجرة واحدةٌ، وهو خليل الرحمن، ومما يدلك على ذلك دعوة إبراهيم خليل الرحمن حيث رفع القواعد من البيت، وأتم بناءه، وقال: {ربنا واجعلنا مسلمين لك}، ثم قال: {ومن ذريتنا أمةً مسلمةً لك}، فإنما سأل في ذرية إسماعيل خاصةً، ألا ترى أنه قال على أثر ذلك، {وابعث فيهم رسولاً منهم}؛ يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم.فالإسلام: هو تسليم النفس، وبذلها، والجود بها، ومن جاد بنفسه على الله، فلا أحد أحسن خلقاً منه، ولا أكرم منه، فليس الشأن في الجود بالمال، الشأن في الجود بالنفس، حتى تسلمه إلى خالقه، فجرت هذه الدعوة في ولد إسماعيل خاصةً أن صيرهم أمةً مسلمةً له، فوهب لهم أخلاق الكرام، حتى تكرمت نفوسهم على الله بذلاً حين جاءهم الرسول، ومن قبل مجيء الرسول، كانت تلك الأخلاق ظاهرةً فيهم، فلما جاء الرسول، وجدهم مهذبين كراماً، فصاروا صديقين، وأبراراً وأتقياء، وحكماء، وعلماء بالله، باذلين مهجهم لله وأموالهم، السيوف على عواتقهم، والحجر على بطونهم من الجوع، ينصرون الله ورسوله، وبنو إسرائيل قالوا لموسى: {فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون}، وقيل لأمة محمدٍ: {إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل}، فكانت تلك منهم كلمة صدق من قلوبهم، فحكى الله عنهم في تنزيله، وأثنى عليهم بذلك، فصار قولهم هاهنا كقول أبيهم حين ألقي في النار فقال: حسبي الله ونعم الوكيل.فهل يمكن ظهور هذا إلا ممن حسن خلقه، فجاد بنفسه على الله، وإنما قال هذا أصحاب محمدٍ صلى الله عليه وسلم يوم أحدٍ بعدما انهزموا، وأصابتهم جراحاتٌ، وقتل من قتل منهم، وانصرف عسكر المشركين، فنزلوا مكاناً، وتآمروا فيما بينهم أن يجمعوا جمعاً، فيكروا عليهم، ووشوا إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الخبر ليفزعوهم، فانتدب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، وفيهم من الجراحة غير قليل يمضون إلى جمعهم، وفيهم مشاةٌ، حتى إن الرجل ليغشى عليه في الطريق من كثرة ما يسيل من الدم من جراحاته، فيحمله صاحبه، يسيرون بمثل هذه الحالة إلى العدو، وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، فوجدوا العدو قد تفرقوا وذهبوا، قال الله تبارك اسمه: {فانقلبوا بنعمةٍ من الله وفضلٍ لم يمسسهم سوءٌ واتبعوا رضوان الله}، ولم يقل: رضا الله؛ ليعلمك أنهم اتبعوا الرضوان؛ فإنه أكثر من الرضا، وهو غاية الرضا.قال أبو عبد الله: فنهاية العرب إلى إسماعيل -صلوات الله عليه-، والشجرة واحدةٌ، وهو إبراهيم صلى الله عليه وسلم، وهو خليل الرحمن، ولسانه عبرانيٌّ، وإنما هما غصنان لهذه الشجرة: إسماعيل، وإسحاق.فإسماعيل: عربي اللسان.وإسحاق: عبراني اللسان.وإسماعيل: أبو العرب.وإسحاق: أبو العبرانيين، وهم: بنو إسرائيل، نسبوا إلى يعقوب، إسرائيل الله بن إسحاق بن إبراهيم خليل الله.ولكل واحدٍ من الغصنين حظٌّ من الله، وفضيلةٌ، وكرامةٌ، وموهبةٌ، فذهب الغصنان بحظهما من الله، وبموهبته، فصارت وراثةً في أولادهما إلى الأبد، وذهب إسماعيل بفضيلته وموهبته، وذهب إسحاق بفضيلته وموهبته، فظهر في ولد إسحاق من تلك الموهبة والكرامة الجهد والعبادة، وظهر في ولد إسماعيل الأخلاق والسماحة والشجاعة.والموهبة إنما تكون على قدر الحظ، والجاه له عنده على قدر ذلك، فنظرنا إلى موهبة كل واحد منهما من أية خزانةٍ أعطي؛ ليستدل به على حظيهما منه.قال: فوجدنا الجهد والعبادة من خزائن الحكمة، والأخلاق من خزائن المنة، فنظرنا إلى الحكمة والمنة من أين بدت كل واحدة منهما؟فوجدنا: الحكمة من العدل بدت، والعدل من الربوبية، والربوبية من الملك والقدرة والقوة.ووجدنا المنة: أنها بدت من العطف، والعطف من الفضل، والفضل من الجمال، فمن الملك بدأ الغضب، فأسعرت، فاستحرت النار،فاسودت من غضبه، فهي سوداء مظلمة، مشحونةٌ بغضبه.ومن جماله بدت الرحمة، وظهر الفضل والعطف، حتى اهتزت الجنان، ونورت، واستنارت بنوره، فهي بيضاء نورانية، مشحونة برحمته وروحه، وإنما هي نظرةٌ وجفوةٌ، فأهل الثواب سعدوا منه بنظرةٍ واحدةٍ، وأهل العقاب شقوا منه بجفوةٍ واحدةٍ، ففهمنا بمبلغ ما علمنا من ظاهر ما عليهما، وعلى أولادهما من بعدهما، ما بطن من حظيهما وموهبتيهما ومكرمتيهما.وإنما كثر ولد إسحاق، وظهروا في وقت موسى -صلوات الله عليه- حيث أنقذهم من بلية فرعون وسخرته، وجاء بالكتب من الله، وظهرت العبودة لله إلى وقت عيسى بن مريم -صلوات الله عليه-، ثم صارت فترة، فظهرت منازلهم، ودرجاتهم، وجواهر نفوسهم، بما عاملهم الله، وبما عاملوه، وكثر ولد إسماعيل، وظهر شأنهم بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم، وظهرت سيرتهم في دينهم، وما عاملهم الله به وما عاملوه، فتبين لنا بفعليهما شأن نفوسهم، ومحلهم من الله -تبارك اسمه-، وحظوظهم منه.

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول #394

حدثنا المعتمر بن سليمان، عن نهاس بن قهمٍ، عن مكحولٍ، قال: لما كثر بنو معدٍّ، أغار منهم أربعون فارساً عليهم أدراع الصوف، خاطمي خيلهم بالليف، معلني رماحهم ومعقبيها، فأغاروا على عسكر بني إسرائيل، فيهم موسى وهارون، قال: فملؤوا أيديهم من الغنيمة، ورجعوا بغنيمتهم، لم يستنقذ مما في أيديهم شيءٌ، فقالوا لموسى: أغار علينا بنو معدٍّ، وهم قليلٌ، فكيف لو كانوا كثيراً؟! وأنتم بيننا، فكيف لو لم تكونوا فينا؟! فادع الله عليهم، وكانت الأنبياء -صلوات الله عليهم- يفزعون إلى الصلاة، فصلى، فقال: اللهم إن بني معدٍّ أغاروا على قومي، ففعلوا، وفعلوا، وإن قومي أمروني أن أدعو عليهم، فقيل له: لا تدع عليهم؛ فإنهمعبادي، وإنهم ينتهون إلى أداء أمري، وإني أغفر لهم أول ما يستغفرونني، قال: يا رب! فاجعلهم من أمتي، قال: نبيهم منهم، قال: يا رب! فاجعلني منهم، قال: استقدمت واستأخروا.ولذلك ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال في حديث المعراج: ((فلما جاوزت موسى في السماء السادسة، بكى موسى، وقال: يزعم بنو إسرائيل أني أكرم ولد آدم على الله، وهذا عبدٌ أكرم على الله مني، فلو كان إليه وحده هان علي، ولكن الله قضى أن مع كل نبيٍّ تبعةً من أمته، ثم انطلق بي إلى السماء السابعة، فإذا إبراهيم ملزقٌ ظهره بالبيت المعمور، ومعه تبعةٌ من أمته، فقال لي جبريل: هذه منزلتك، ومنزلة أمتك، وهذا أبوك إبراهيم، فقال: {إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين}.فألحق هذه الأمة بإبراهيم -صلوات الله عليه-، وضمهم في الولاية جميعاً، ولم يدخل فيه بنو إسرائيل، وهم ولد إبراهيم أيضاً.فقد بين في هذا الحديث منزلتيهما ودرجتيهما، وإنما أري في السماء الأنبياء، وأتباعهم على درجاتهم، وإبراهيم المقدم عليهم، ووصفهم الله في تنزيله شأن الأمتين، فوجدنا شأن بني إسرائيل يجري على سبيل العدل وأساس الربوبية، وشأن هذه الأمة يجري على سبيل الفضل والألوهية، فظهرت في بني إسرائيل السياحة والرهبانية، وعليهم في شريعتهم إلى الله الأغلال والآصار.وظهرت في هذه الأمة السماحة، والصديقية، والشجاعة، والولاية، وسيوف الله في أيديهم، يقتلون آباق عبيده، أو يردونهم إلى الله للرق والعبودة، وفك عنهم الأغلال، ووضع عنهم الآصار، وصاروا في حد الأمناء، وجعلت شريعتهم أسمح الشرائع، وأوسعها، فهم في عبودتهم في صورة الخدم، وبنو إسرائيل في عبودتهم في صورة عبيد الغلة.ألا ترى أنه لما خاطبهم، قال: {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون}، كما يقول الرجل لعبده: أوف لي بهذه الغلة عند هلال كل شهر، أوف لك بالعتق في سنة كذا؟ثم قال لهذه الأمة: {يأيها الذين آمنوا}، فدعاهم بالكنية، كنية باطنها منةٌ، وظاهرها مدحةٌ، من عليهم في الباطن بالإيمان، ثم نسب ذلك إلى فعلهم، فقال: {آمنوا}، فمدحهم بذلك، فبهذه الكنية دعاهم، ودعا أولئك، فنسبهم إلى أبيهم، فقال: {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين}؛ أي: عالمي زمانكم، ولكل زمان عالم.وقال لهذه الأمة: {يأيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون}، ثم قال: {وجاهدوا في الله حق جهاده}، ثم قال: {هو اجتباكم}؛ أي: هو اختاركم.ثم قال: {وما جعل عليكم في الدين من حرجٍ}؛ أي: ضيق {ملة أبيكم إبراهيم}، ثم قال: {هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا}؛ أي: من قبل أن يخلقكم في اللوح المحفوظ، ثم سماكم هكذا {لتكونوا شهداء على الناس}، فهم شهداء الله للأنبياء على الأمم يوم القيامة {ويكون الرسول عليكم شهيداً}، {واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير}.فانظر إلى مخاطبة بني إسرائيل في أي صورة ذلك الأمر، وانظر إلى مخاطبة هذه الأمة في أي صورة ذلك، يبين لك أنهم في صورة عبيدٍالغلة، وهذه الأمة في صورة عبيد الخدمة، وعبيد الخدمة أولى بالسيد من عبيد الغفلة.فساحت بنو إسرائيل بأبدانهم إلى الجبال في مفاوز الدنيا عزلة بالأبدان عن الخلق، كي يصدقوا الله في طلب ما عهد إليهم، ويوفوا بعهد الله عليهم.وساحت أمة محمدٍ صلى الله عليه وسلم بقلوبهم في مفاوز الملكوت إلى خالق العرش، (عزلة بالقلوب عن همم النفوس؛ كي يصدقوا الله في طلبه، والوصول إليه)؛ فإن الله -تبارك وتعالى- دعا الخلق إليه، فلما علم تلكؤ نفوسهم وتباطؤهم في إجابته، دعاهم إلى دار السلام؛ لتستريح نفوسهم، وتخف في الإجابة؛ فقد وصفها لهم، وعلموا أنها دار الشهوات وقضاء الأماني، فقال فيما مضى من قوله: ((إلي إليّ يا أهل الموت والفناء، لا إلى غيري؛ فإني قضيت بالرحمة على نفسي، وأوجبت المغفرة لمن استغفرني، فأنا العفو، أعفو عن صغير الذنوب وكبيرها، ولا أبالي)).وقال في تنزيله علينا: {يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم}، وقال: {استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يومٌ لا مرد له من الله}.فلما أبطأت النفوس في الإجابة، قال: {والله يدعوا إلى دار السلام}، فإن لم تجيبوني إذ دعوتكم من أجلي، فأجيبوني من أجل دار السلام؛ كي تستحيوا مني إذا لقيتموني، وانكشف الغطاء عن هذه المعاملة.فأهل الالتفات إلى الثواب والعقاب في هذا الحياء من القرن إلى القدم بين يديه غداً؛ لأن نفوسهم لم تسمح بالعبودة لربها إلا بالاسترواح إلى الثواب، والرهب من العقاب، فهذه عبودة برشوة وعربون، وليس هذه عبودة الأنبياء ولا الصديقين، ولا أولياء الرحمن، هذه عبودة عبيد النفوس، وعبيد الشهوات المخلطين سيئاتهم بحسناتهم، وفي حشو أعمالهم الظاهرة من العجائب ما لو بليت السرائر، وحصل ما في الصدور يوم انكشاف الغطاء لهربوا من أعمالهم، وتركوها بمكانهاحياء من الله، فجعل حظوظ بني إسرائيل على قلوبهم في دار الدنيا حقوقه وعهده، وفي الآخرة جنانه ثواباً لرعاية حقوقه، والوفاء بعهده، وحظوظ هذه الأمة على قلوبهم في دار الدنيا جلاله، وعظمته، وسلطانه، ومعرفة آلائه وفضله، ورحمته، وفي الآخرة: رفع الحجاب فيما بينه وبينهم، وقدمهم في الدنيا خروجاً، وأخرنا، وقدمنا في الجنة دخولاً، وأخرهم.وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الجنة محرمةٌ على الأنبياء حتى أدخلها، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتي)).فبهذه الأمة فتح العبودة يوم الميثاق، وبهذه الأمة تختم العبودة يوم تصرم الدنيا، وبهذه الأمة يفتح باب الرحمة، فيدخلون داره.ثم ظهرت من معاملة بني إسرائيل ربهم، ومن معاملة هذه الأمة ربها، ما دلت على نفوسهم وأخلاقهم، ومحلهم من المكارم التي أعطيا، والمواهب.فكانت مكرمة إسماعيل بيت الله الذي خلقه قبل خلق السماوات والأرض، فكانت زبدةً بيضاء، إذ عرشه على الماء، فبوأ لذكره هناك، وخلق ملكين يسبحانه، ويقدسانه على الزبدة، فابيضت، فهناك مظهره، ومعلمه ومبوأ ذكره، وموضع تقديسه، ولا سماء، ولا أرض، ولا خلق، فولاه الله رفع قواعده مع أبيه دون إسحاق، وجعل حجابته بيد ولده، فهم محجبون، ومأذونون، وأنيط له زمزم سقياً له ولولده من بعده، ولجميع من أم البيت معظماً، وساق إليه عيناً من عيون الجنة، ففتح فيه ينبوعها، وجعله مهبط رحمته في كل يوم، ومنه تنتشر على أهل الدنيا، فيخص منها أهلها بمئة رحمة، وعشرين لأهل الدنيا.ومكرمة إسحاق الصخرة التي إليها يجمع الخلق ويحاسبهم، وهي صخرة من الجنة عليها الأرضون السبع، وهي رأس تلك الصخرة.وأما المعاملة: فإنه لما جاءت المحنتان من الله لهما في وقتيهما، برز ما في نفوسهم، وبرز ما لهم من الحظ في الغيب عنده بالمحبة، فإن السيد إذا كان له عبيدٌ، فإنما يبين حظوظ العبيد منه بمعاملته إياهم، وتبين جواهر نفوسهم بمعاملتهم إياه.فإنما كثر ولد إسحاق في زمن يوسف عليه السلام بمصر بعد ما حاز اللهليوسف عليه السلام مدائن مصرٍ، وأسكنه إياها، وجعل بيده خزائنها، ودخلها إسرائيل، وهو يعقوب عليه السلام في ستةٍ وتسعين نفساً من ولده، وولد ولده، ونسلهم، فإنما الله عددهم، وبارك في ذريته، حتى خرجوا إلى البحر يوم غرق فرعون، وهم ست مئة ألفٍ من المقاتلة سوى الشيوخ، والذرية، والنساء، وجاوز عددهم ألف ألفٍ، فقال الله تبارك وتعالى يحكي عنهم: {ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شكٍ مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولاً}.فهذا فعلهم بعد أن صيرهم ملوك مصر وأربابها، فغير الله ما بهم، فصاروا سخرةً لآل فرعون، يخدمونهم خدمة العبيد والإماء رجالهم ونساؤهم، ومن عجز عن الخدمة لسنه، ضع عليه الغلة، فاستودى مساء كل يومٍ، فإن أعطى، وإلا غلت يمينه، فكانوا في عذاب وبلاء، وقتل أبناءهم، وكل مولود يولد فيهم خوفاً من رؤياه: أنه يولد منهم مولود يكون هلاك ملكه على يديه، فبعث الله موسى، ورحمهم به، فقال في تنزيله: {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمةً ونجعلهم الوارثين. ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون}.فجعلهم كذلك، ووفى لهم بما وعد، فإنما عددهم، وأنزل فيهمالكتب، وبعث فيهم الرسل والأنبياء، وجعلهم أهل ديانة وعبادة وجهد وعهود ومواثيق.وأما ولد إسماعيل: فجعل فيهم السخاء، وأولي الأخلاق والمكارم، ومنحهم من خزائنه تلك الأخلاق الطاهرة التي عيش أهلها عيش أهل الجنة.فإن صاحب الأخلاق قلبه في راحةٍ؛ لأن نفسه طيبة غنية كريمة، وصاحب الضيق قلبه معذبٌ؛ لأن نفسه شكسة كزة يابسةٌ، فقيرةٌ، فناءت وبان بوناً بعيداً قلب مستريح وقلب معذب، هذا من قبل أن تأتيهم الهداية، فلما جاءت الهداية والغياث من الله، ورد على قلوب بني إسرائيل نور التوحيد وروحه، وتركوا مع مجاهدة نفس كزة يابسة ضيقة، وورد على قلوب هذه الأمة نور التوحيد وروحه، ونور اليقين وروحه.فقلوب بني إسرائيل قلوب مؤيدة بالتوحيد، معذبة بكزازة النفس، وضيقها، وقلوب هذه الأمة مؤيدة بالتوحيد، مستريحة بروح اليقين، وهو قوله تعالى: {قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم}؛أي: لن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم: {قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسعٌ عليمٌ}، قد علم من هو أهل لذلك، كما قال: {وكانوا أحق بها وأهلها}؛ أي: أهلاً لكلمة لا إله إلا الله، وهي إعلاء كلمة فيما بين العرش والثرى، ثم قال: {يختص برحمته من يشاء؛ أي: قد اختصكم يا أمة محمد بالرحمة، فبذلك نلتم.وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما أعطيت أمةٌ من اليقين ما أعطيت أمتي)).ومثل من أعطي اليقين، وفضل به، ومن حرم ذلك، كمثل شجرة لها غصنان، والسقيا واحدٌ، فلما جرى الماء إلى أحد الغصنين، تحولت طيباً بمشيئة الله، وجرى في الغصن الآخر، فتحولت ثماراً، فمن الثمار حلوٌ وحامض، ومدخول وعفن، ومرٌّ، فمنه ما ينتفع به، ومنه ما ينفى فيرمى به، والطيب يطيب به كل شيءٍ من المأكول والمشروب، والملبوس، والمركوب، والمنكوح.وإذا ذهب الطيب، نتن، فذهبت لذته، وتنغص طعمه على طاعمه لرائحته.فوجدنا هذه الأمة نفوسها طيبة كما ذكرناه بدءاً، وأيدت بروح اليقين، فخرجت الأعمال زاكية طيبة، فيها الهناءة والمراءة، بها يهنأ الحق، ويستمر بها ولم يوجد فيمن سواهم، هذا فضل الله يؤتيه من يشاء.قال له قائل: ما روح اليقين؟قال: برد القربة من الرحمة والعطف، فراحت بها من فورة النفس وحرارتها، وليس فيما قلت شفاء؛ لأنك لم تصل إليه، والشفاء لمن وصل فاحتظى منه، وذلك أن النفس خرجت من هوى المخلوقين إلى هوى القربة، فكل الطيب هناك، فأنقذ الله بني إسرائيل من ملكة فرعون وعذابه وسخرته بمبعث موسى -صلوات الله عليه-، وغرق فرعون، وجعل لهم طريقاً في البحر يبساً، فلما جاوزوه، قالوا: يا موسى! إن قلوبنا لا تطمئن، أن فرعون قد غرق، حتى أمر الله البحر فلفظه، فنظروا إليه، فلما اطمأنوا، وبعثوا من طريق البر إلى مدائن فرعون حتى نقلوا كنوزه وغرقوا في النعمة، رأوا أقواماً يعكفون على أصنام لهم، فقالوا: يا موسى! اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهةً، حتى زجرهم موسى، وقال: {أغير الله أبغيكم إلهاً وهو فضلكم على العالمين}؛ أي: عالمي زمانهم.ثم أمرهم أن يسيروا إلى الأرض المقدسة التي كانت مساكن آبائهم، ويتطهروا من أرض فرعون، وكانت الأرض المقدسة في أيدي الجبابرة، قد غلبوا عليها، فاحتاجوا إلى دفعهم عنها بالقتال، فقالوا له: أتريد أن تجعلنا لحمةً للجبارين، فلو أنك تركتنا في يدي فرعون، كان خيراً لنا، قال: {يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم}، قالوا: {لن ندخلها أبداً ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون} حتى دعا عليهم وسماهم: فاسقين.فبقوا في التيه أربعين سنةً عقوبةً، ثم رحمهم، فمن عليهم بالسلوى، وبالغمام تظلهم، وبالحجر تتفجر منه اثنتا عشرة عيناً إذا ضربه بعصاه، فقالوا: لو أن موسى انكسر عصاه، لمتنا عطشاً، قال: فأوحي إلى موسى: إذا كان وقت الماء، فكلم الحجر، ولا تضربه بالعصا؛ حتى تنفجر العيون بكلمتك.ثم سار موسى إلى طور سيناء ليجيئهم بالتوراة، فاتخذوا العجل، وقال لهم السامري: هذا إلهكم وإله موسى، فاطمأنوا إلى قوله، ونهاهمهارون فقال: {يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري}، قالوا: {لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى}، فلم يتبع هارون، ولم يطعه في ترك العجل إلا اثنا عشر ألفاً فيما روي في الخبر، وتهافت في عبادته سائرهم، وهم أكثر من ألفي ألفٍ.فلما رجع موسى عليه السلام، ألقى الألواح، فرفع من التوراة ستة أجزاءٍ، وبقي جزءٌ واحدٌ، وهو الحلال والحرام، وما يحتاجون إليه، وأحرق العجل، وذراه في البحر، فشربوا من مائه حباً للعجل، فظهرت على شفاههم صفرة، وورمت بطونهم، فتابوا، فلم يقبل توبتهم دون أن يقتلوا أنفسهم، فذلك قوله تعالى: {فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم}.فقاموا بالخناجر والسيوف بعضهم إلى بعض، من لدن طلوع الشمس إلى ارتفاع الضحى، وقتل بعضهم بعضاً، لا يسأل والد عن ولده، ولا أخ عن أخيه، ولا أحد عن أحد، كل من استقبله أحد ضربه بالسيف، وضربه الآخر بمثله، حتى عج موسى عليه السلام إلى الله صارخاً: يا رباه! قد فنيت بنو إسرائيل، فرحمهم، وجاد عليهم بفضله، فقبل توبة من بقي، وجعل من قتل في الشهداء.ثم قالوا: يا موسى! {أرنا الله جهرةً}، فجاءت صاعقةٌ، وأحرقت من جمعهم أربعين ألفاً، فيما جاءنا في الخبر.ثم عرض عليهم ما في التوراة ليقبلوها، فأبوا، ثم قالوا: لا نطيق هذا، فنتق الله عليهم الجبل، ونودوا منها {خذوا ما آتيناكم بقوةٍ}، وإلا رميناكم بالجبل، فسجدوا على حروف جباههم ينظرون إلى الجبل، ويقولون: قبلنا قبلنا.ثم قيل لهم: قد وصلتم إلى بيت المقدس: {وادخلوا الباب سجداً وقولوا حطةٌ}؛ أي: حط عنا، بمنزلة قوله: أستغفر الله، فقالوا: حنطة؛ سخرية واستخفافاً بما أعطوا، قال الله -تبارك وتعالى-: {فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم}.فجاء في الخبر: أنهم أمروا أن يدخلوا الباب سجداً على ركبهم، هكذا حتى يدخلوا، فعلم الله منهم ضيق أخلاقهم، وأنهم لن يدخلوها سجداً، فلما صاروا إلى الباب، طؤطئ لهم الباب، حتى لا يمكنهم أن يدخلوها قياماً، فكزت نفوسهم، والتوت، وانكشفت سوء أخلاقهم، واستلقوا على ظهورهم زحفاً على الأستاه، وهم يقولون: حنطةٌ حنطةٌ هطى سمقاثا.قال الله تعالى: {فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم فأنزلناعلى الذين ظلموا رجزاً من السماء}.فحرموا المغفرة، فكان موسى عليه السلام شديد الحياء، ستيراً، فقالوا: إنه آدر، فلما اغتسل، وضع على الحجر ثوبه، فعدا الحجر بثوبه إلى مجالس بني إسرائيل، وموسى عليه السلام على إثره عريان، وهو يقول: (ثوبي يا حجر، ثوبي يا حجر)، يا أيها الحجر! ثوبي، فذلك قوله: {لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا}.ثم لما مات هارون، قالوا له: أنت قتلت هارون وحسدته، حتى نزلت الملائكة بسرير هارون ميت عليه.ثم سألوه: أن يكون ما تقدم من أموالنا نعلم بقبولها، هل تعلم يقبلها، فجعلت نار تجيء من السماء فيتقبل قربانهم.ثم سألوه: أن يبين لنا كفارات ذنوبنا في الدنيا، فكان من أذنب ذنباً أصبح وعلى بابه مكتوبٌ: عملت كذا، وكفارته قط عضو من أعضائك يسميه له، ومن أصابه بولٌ لم يطهر حتى يقرضه، فيزيل جلدته من بدنه.ثم بدلوا التوراة من بعده، وافتروا على الله، وكتبوا بأيديهم، ليشتروا به من الدنيا عرضاً، ثم صار أمرهم إلا أن قتلوا أنبياءهم ورسلهم.فهذه معاملتهم مع الله، وسيرتهم في دينهم، قد انكشف لنا عن جواهرهم، وأخلاقهم، وحظوظهم من ربهم، بما أنزل الله علينا من أخبارهم، ولمن كان له فهم.وأما ولد إسماعيل: فلم يزالوا مذكورين بالسماحة، والأخلاق السنية، والأفعال العلية، يطعمون الطعام، ويكفلون الأيتام، ويرعون الذمام، وهم في شركهم، ويفكون العاني، ولم يزل تلك عادتهم وسيرتهم وطبيعتهم، ولم يسلط عليهم أحداً فيسبيهم ولا يستسخرهم، ولا صاروا ملكاً لأحد من الفراعنة، حتى أكرمهم الله بمبعث محمدٍ صلى الله عليه وسلم، فصاغ محمد صلى الله عليه وسلم صياغة، برز على الأنبياء والرسل، فصار سيداً لجميع ولد آدم، وأنزل عليه كتاباً مهيمناً على الكتب، أجمل فيه التوراة والإنجيل، واختصر له الكلم، وزاده المفصل، وفاتحة الكتاب، وآية الكرسي، وخاتمة سورة البقرة من كنزه الذي ادخره لهذه الأمة، ووصفهم في التوراة بمحاسنهم لبني إسرائيل من قبل أن يخلقهم بآلاف من السنين، ولعيسىولقومه في الإنجيل، حتى روي في الحديث:أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم مسمون في التوراة: صفوة الرحمن.وفي الإنجيل: حكماء علماء، أبرار أتقياء، كأنهم من الفقه أنبياء.وقال في القرآن: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا}؛ تصديقاً لما في التوراة: أنهم يسمون: صفوة الرحمن.وقال: {كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس}، وقال: {وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً}؛ أي: عدلاً؛ {لتكونوا شهداء على الناس}؛ أي: شهداء الرسل بالبلاغ، عندما تجحد الأمم بتبليغ الرسل رسالات الله.فتشهد هذه الأمة لنوح فمن دونه رسولاً رسولاً: أنهم قد أدوا الرسالة، فيحكم الله بشهادتهم على سائر الأمم، ويتخلص الرسل من أمانات الرسالة، وذلك بعد ما يعدلهم محمدٌ صلى الله عليه وسلم، فذلك قوله تعالى: {لتكونوا شهداء على الناس}، ثم قال: {ويكون الرسول عليكم شهيداً}.فتكون شهادة أمة محمدٍ صلى الله عليه وسلم يومئذ مقبولة على جميع الأمم، لجميع الأنبياء، ثم أعطاهم سيفه ليقتلوا به أعداءه، ولا يقتل أعداءه إلا أولياؤه،ثم قال: {والله ولي المؤمنين}.فهم أولياء الله، والله وليهم، وهم أهل حميته وأنصاره، فدعوا إلى الحرب، فوضعوا السيوف على عواتقهم، وربطوا الحجر على بطونهم من الجوع، والخرق على ظهورهم من العري، وقد هجروا أوطانهم، ومقرهم، وحرم الله، وأظهروا عداوةً في الله لأهل الشرك، وخرجوا من ديارهم وأموالهم، ونابذوا أرحامهم في الله، حتى كان الرجل يقتل أباه وأخاه، فكان أبو عبيدة بن الجراح ممن قتل أباه، فأنزل الله تعالى: {لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم} ثم أثنى عليهم فقال: {أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروحٍ منه}.فمن يعلم كنه هذه الكلمة إلا أهل اليقين وأولو الألباب؟({أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم})، ثم قال: {وأيدهم بروحٍ منه}، فهم المكتوب في قلوبهم الإيمان، المؤيدون بروحه، {ويدخلهم جناتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هو المفلحون}.وقالوا عندما استشارهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من أمر الحرب: مرنا بما شئت، وسر بنا حيث شئت، فلو سرت بنا إلى برك الغماد، لسرنا -موضع بعيد ذكروه-، فوالله! لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل: {فاذهب أنت وربك فقاتلا إن ههنا قاعدون}.وعرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم أمر، فخرج من الحجرة مغضباً، فرقي المنبر وقد احمرت عيناه ووجنتاه، فقال: ((ما بال أقوامٍ يقولون كذا وكذا؟!))، فرأوا الغضب في وجهه، فنادت الأنصار، وقالوا: السلاح السلاح، فأحدقوا حول المنبر في الحديد، لا يرى منهم إلا الحدق، وافتتح خيبر، وغنم الغنائم، فقسم في المهاجرين، ولم يقسم في الأنصار؛ لأنهم في أموالهم، والمهاجرون خلفوا الأموال بمكة، فسمحت الأنصار بذلك، وكانوا حين قدموا المدينة ناصفوهم الأموال، وواسوهم بالكثير، حتى كاد الرجل يطلق إحدى امرأتيه ليتزوجها أخوه المهاجر.هذا كله لحب الله، وحب طاعته، وحب رسوله، فانظر أي قلوبٍ هذه، وأي شيء في هذه القلوب من منن الله، وانظر أي جواهر هذه النفوس، وانظر أي أخلاق لهذه النفوس؟اللهم إنا نتقرب إليك بحبهم، فإنهم أحبوك، ولم يحبوك حتى أحببتهم، فبحبك إياهم وصلوا إلى حبك، ونحن لم نصل إلى حبهم فيك إلا بحظنا منك، فتمم لنا ذلك حتى نلقاك وأنت أرحم الراحمين.وأثنى الله على الأنصار، ومدح سرائرهم، فقال: {يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجةً مما أوتوا}؛ أي: لا يجدون ضيقاً ولا نفاسةً فيما أوتي المهاجرون من غنيمة خيبر، ولم يؤت الأنصار.{ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصةٌ}. يخبر أنه قد كان بالأنصار فقر وحاجة إلى تلك الغنائم، فآثروا المهاجرين على أنفسهم، ثم أخبر أن هذا من منة الله على الأنصار أنه من عليهم بأن أمات فيهم الحرص، وهو الشح، فقال: {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون}.وإنما أمات فيهم الحرص على الدنيا بما أعطاهم من اليقين الفاضل على الأمم، فباليقين مات الحرص، وما يصنع من احتشى قلبه بنور الله،ويرى قربة الله منه بظلمات الدنيا وحطامها ولهوها؟!وسار بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فتح مكة، وهو وطنهم وأرضهم المقدسة؛ كما سار بهم موسى -صلوات الله عليه-، فما تلكأ منهم شيخ ولا شابٌّ، حتى فتح الله عليهم من غير أن يمسهم سوء.ثم قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، فابتعث الله لهذا الدين أئمةً صديقين، خلفاء الأنبياء، وأوتاد الأرض، يقومون بالحق، وبه يعدلون.فتفاوت الأمران والشأنان: شأن بني إسرائيل، وشأن هذه الأمة.

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول #395

حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا المكي بن إبراهيم، قال: حدثنا حنظلة بن أبي سفيان، عن سالم بن عبد الله بن عمر، قال: بينما رجلان جالسان، إذ قال أحدهما: لقد رأيت البارحة كل نبيٍّ في الأرض، قال الآخر: هات، قال: رأيت كل نبيٍّ معه أربعة مصابيح: مصباحٌ بين يديه، ومصباحٌ من خلفه، ومصباحٌ عن يمينه، ومصباحٌ عن يساره، ومع كل صاحبٍ له مصباحٌ، ثم رأيت رجلاً قام، أضاءت له الأرض، وكل شعرة في رأسه مصباحٌ، ومع كل صاحبٍ له أربعة مصابيح: مصباحٌ بين يديه، ومصباحٌ منخلفه، ومصباحٌ عن يمينه، ومصباحٌ عن يساره، فقلت: من هذا؟ قالوا: محمد بن عبد الله، قال كعب: ما هذا الحديث الذي تحدث به؟ قال: رؤيا رأيتها البارحة، وقال: والذي بعث محمداً بالحق نبياً! إنها لفي كتاب الله كما رأيت.فبرز ولد إسماعيل وهم العرب على سائر الناس، بما منحهم الله من أخلاقه.وجاءنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((إن لله مئةً وسبعة عشر خلقاً، من أتاه بواحدٍ منها، دخل الجنة)).

سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، ← حَنْظَلَةُ بن أبي سُفْیَانَ ← المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ← أَبِي

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · 2-الهمزة مع الفاء · Hadith 395

Previous
111213
Next

أَبِي هُرَيْرَةَ، ← أَبِيهِ ← عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ مُجَاهِدٍ، ← عثمان ابن الهيثم، ← عُمَرُ بْنُ أَبِي عُمَرَ،

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · 2-الهمزة مع الفاء · Hadith 386

الْأَشْعَرِيُّ: ← قَسَامَةَ بْنِ زُهَيْرٍ ← عَوْفٌ، ← بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، ← بذلك يحيى بن حبيب بن عربي،

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · 2-الهمزة مع الفاء · Hadith 393

مَكْحُولٌ ← نَهَّاسِ بْنِ قَهْمٍ، ← الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · 2-الهمزة مع الفاء · Hadith 394

All Chapters1. First volume1. First origin1. The Forty-Second Origin1. Original Eighty-sixth1. Origin forty-seventh and century1. Original sixteenth two hundred1. The original forty-seventh and two hundred1. The original eighty-fifth century2. The second origin2. 2- Al-Hamzah with Faa'a2. The Forty-third Origin2. The original eighty-seventh