Thursday, Rabiʻ I 1, 1448 AH · Aug 13, 2026

Preserving the Prophetic ﷺ tradition for every generation

favorite Support This Mission
logo

Hadith Nabawi

logo

Hadith Nabawi

    SearchBooksTopicsNarratorsTerminologyAbout
person Sign in
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول chevron_right2-الهمزة مع الفاء chevron_rightHadith #386 chevron_right


حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا عثمان ابن الهيثم، عن عبد الوهاب بن مجاهدٍ، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: كان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اللهم إني أسألك التوفيق لمحابك من الأعمال، وصدق التوكل عليك، وحسن الظن بك)).فانظر إلى هذه الخصال الثلاث التي سأل كيف يشبه بعضها بعضاً،وكأنها نظامٌ واحدٌ، سأله التوفيق لمحابه، ومحابه في الغيب لا تدرى، فربما كان محابه في شيء هو في الظاهر دون غيره، فإذا استقبل النفس ذلك، واحتاج إلى أن يؤثره على الذي هو في الظاهر أعلى، تلكأت النفس، وترددت، فسأله صدق التوكل.والتوكل: هو التفويض إليه في جميع الأمور، وأن يتخذه وكيلاً في جميع ذلك، فسأله صدق ذلك التوكل، وصدقه: أنه إذا استقبلك أمر هو عندك في ظاهر العلم دون غيره، وبين يديك أمر أعلى من ذلك، فوفقك الله في ذلك الوقت إلى هذا الأدون، وهو دون محابه في ذلك الوقت، ومختاره أن لا تتردد نفسك، ولا تتلكأ فيه، وتسارع فيه كما تسارع في الذي كان عندها أعلى، فهذا صدق التوكل قد اتخذ الله وكيلاً في أمره، وفوضه إليه، فوفقه للأدون، فلم يتحرك، ولم يتبرم، ومر فيه مسرعاً.قال: ((وأسألك حسن الظن بك))؛ فإن النفس إذا مرت في الأدون، دخلها سوء الظن من قبلها، يقول: لعلي فيها مخذول، فأقبل على الأدون، وأعرض عما هو أعلى منه، فسأله توفيقاً لمحابه من الأعمال، ثم سأله صدق التوكل؛ ليجعله إذا وفقه لذلك لا تتلكأ نفسه ولا تتردد، ثم سأله أن يرزقه حسن الظن به، فلا تأخذه الحيرة من ربه، ولا يخاف أن يكون قد خذل، ويسخط بهذا الأمر، فهذه الخصال كلها منظومة محتاجة إليها في طلق واحد لا يستغني ببعضها عن بعض لمن سأله أن يختار له محبوبه، ويوفقه لمحابه من الأمور، فجاءت الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بهاتين اللفظتين، وكلتا هما تؤديان إلى معنى واحد.قوله: ((اختر لي))، وقوله: ((وفقني لمحابك))، فالاختيار: من الخير، هو محابه في ذلك الوقت.قال قائل: صف لنا واحدةً من هذه الأمور نعتبر بها ما سواها؟قال: نعم، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم معتمراً يزور بيت الله الحرام لبعدعهده به فصد عن البيت، فكان محاب الله في ذلك أن يصالحهم، ويعطيهم ما يحبون ويريدون من ذلك؛ فإنهم كانوا يريدون أن لا يدخل مكة في تلك الهيئة، فحصر دون قضاء العمرة، ونحر الهدي، ولم يصل إلى البيت، ولم يبلغ محلها، وكان في الظاهر تعظيم البيت، والاعتمار، والوفاء بالنذر، وهو الإحرام، وهدي البدن، وهي سبعون بدنةً، أعلى عندهم وأشرف، والصلح والرجوع عنهم محاب الله في ذلك الوقت، فاتسع في هذا الأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يضق به ذرعاً.واتسع أبو بكر، وضاق عمر، حتى صار إلى أبي بكر، فقال: يا أبا بكرٍ! أليس هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أوليس نحن المسلمون؟ فقال: نعم، فقال: فعلام ما نعطي الدنية في ديننا، وهم الكفار؟! قال أبو بكر: يا عمر! الزم غرز رسول الله صلى الله عليه وسلم -أي: بركابه-، واسمع، وأطع؛ فإني أشهد أنه رسول الله، فقال: وأنا أشهد، فلم يصبر على ذلك، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! ألست برسول الله، أولسنا بالمسلمين أوليسوا بالمشركين؟ قال: ((بلى))، قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا وهم الكفار؟! قال: ((أنا عبد الله ورسوله، ولن أخالف أمره، ولن يضيعني)).قال عمر رضي الله عنه: فما زلت أصوم، وأصلي، وأتصدق، وأعتق من الذي صنعت، مخافة الكلام الذي تكلمت به يومئذٍ، فصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين، وكتب الكتاب فيما بينهم على وضع الحرب عشر سنين، يأمن فيهن الناس، ويكف بعضهم عن بعضٍ، فأمنوا، ولقي بعضهم بعضاً، وخالطوهم، فاستمعوا إلى القرآن، وإلى ما جاء به عن الله عز وجل، والرجل يكلم أخاه، وصديقه، ورحمه بذلك، فدخل الناس أفواجاً في دين الله، مثلما دخلوا في سنين كثيرةٍ.فانظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف فوض أمره إلى الله، وأبرز صدق توكله، وكيف حسن ظنه بالله، فقال: ((إني لن أخالف أمره، ولن يضيعني))، وكيف تابعه على ذلك أبو بكر رضي الله عنه، واتسع فيه، وكيف ضاق عمر رضي الله عنه به، ومن بعد عمر عامة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى بلغ من أمرهم: أنه أمر مناديه فنادى بأن يحلقوا رؤوسهم، فلم يحلقوا حتى دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الخيمة، فقال:((يا أم سلمة! ألا ترين أن الناس لا يحلقون؟!))، فقالت: يا نبي الله! بأبي وأمي أنت، احلق أنت، فلو رأوك قد حلقت، لقد فعلوه، فحلق رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه، فأخذ الناس يحلقون رؤوسهم، ومنهم من قصر، فقال: ((اللهم اغفر للمحلقين))، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: ((اللهم اغفر للمحلقين))، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: ((والمقصرين))، قالوا: ظاهرت بالترحم والمغفرة للمحلقين، قال: ((لأنهم لم يشكوا)).فليس هذا شكاً في أصل الفعل، إنما الشك هنا ضيق الصدر بذلك الفعل، احتاجوا إلى أن يحلقوا وهم في إحرامٍ، ولم يحلوا بعد؛ لأن السبيل كان عندهم في الجاهلية وراثةً أن لا يحل أحد من إحرامه دون الطواف بالبيت، فلما أمرهم بالحلق، استعظموا ذلك، وضاقت صدورهم، ثم اتبعوه، وقصروا، كأنهم على كراهية شديدةٍ، وهذا من خلق النفس وكزازتها، فحرموا الدعوة للكزازة التي فيهم، وركوب الهوى.وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إني لن أخالف أمره ولا يضيعني)) فلا نعلم أنه أمر بالرجوع أمراً ولكن عنى بقوله: ((لن أخالف أمره))؛ أي: إني لن أخالف ما استقبلني من وجه الأمر، ومن توفيقه لما هو أحب إليه، وذلك أن أهل مكة لما تلقوه ليردوه في جمعهم، أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم في أسفل مكة، فلما بلغ الحديبية بركت ناقته، فقال الناس: خلأت [القصواء]؛ أي: حرنت، فقال: ((ما خلأت، وما لها ذلك بخلقٍ)).كأن معناه: أن هذه ناقة مسخرة لصاحبها، وصاحبها ليس بمحرون، فإذا لم يحرن الذي سخرت له على ربه، لم تحرن المسخرة، فقال: ((ما خلأت، ولكن حبسها حابس الفيل)).فعلم أن بروك هذه الناقة هاهنا ليس من الحرانة؛ لأنه لم يحرن على ربه في أمره ونهيه، ولكن هذا شيءٌ بديعٌ قد اختار له ربه ما هو أحب إليه.فنزل، وعسكر هناك، وانتظر ما يكون، ثم وجه الرسل إلى أهل مكة واحداً بعد آخر: ((إني لم أجئكم للحرب، وإنما جئت معظماً للبيت،ومعي هذا)). فعاهدوا الله أن لا يدخلها أبداً أو نحاربك ما قدرنا، ثم كان في تلك الرسل: عثمان بن عفان، وأتاه الخبر: أن عثمان قد قتل، فانتدب رسول الله صلى الله عليه وسلم لحربهم، وقال: ((لا نبرح حتى نناجزهم))، فدعا إلى البيعة تحت الشجرة، فبايعوه، فقال أصحابه بعد ذلك: نحن بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت، وقال آخرون ممن فهم الأمر: لم نبايعه على الموت، ولكن بايعناه على أن لا نفر، فأنزل -الله تبارك اسمه-: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة} الآية، فأوجب لهم رضاه، وبشرهم بذلك، ووعدهم النصرة والفتح.وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في الطريق رؤيا أن يدخل المسجد الحرام مع أصحابه محلقين رؤوسهم ومقصرين، لا يخافون، فأخبر بها أصحابه، فلم يشكوا إلا أنها تفتح لهم، فلما استقبلهم هذا الصلح، شكوا في الرؤيا، وساءت ظنون كثير منهم، فقال الله تعالى: {فجعل من دون ذلك فتحاً قريباً}، فصالحوا، وانصرفوا، فخرجوا إلى خيبر، ففتحها الله عليهم، فاستأصلوا اليهود، وهم أحد الأعداء، وغنموا الغنائم الكثيرة، وتقووا بما غنموا، وأخذوا العدة من الكراع والسلاح، وبلغ المشركين ذلك، فذلوا، وانقصموا.وعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم من العام المقبل، يقضي عمرته، وأخلوا له مكة من نسائهم وأولادهم حتى انصرف، ثم عاد من العام المقبل لفتح مكة في عشرة آلاف رجلٍ، وكان ذلك العام الذي صد عنه في تسع مئة، وكثر أصحابه؛ لدخول الناس في دين الله، وذلك للصلح الذي كان بينهم وما التقوا، فوعظ بعضهم بعضاً، وقرأ عليه ما نزل.فانظر إلى محاب الله، ومختاره، وإلى محاب الخلق، ومختارهم، فكان مختار الخلق: أن يدخلوها عنوةً، فيقتلون، ويقتلون، وقد كان لله فيها أولياء، قد اجتباهم واختارهم، وسبقت لهم منه الحسنى، ولم يجيء وقت إسلامهم بعد.وفيهم أيضاً من قد أسلم من المستضعفين نساء وشيوخ وعجزة، فلو دخلوها بقتال، لأصابهم معرة الجيش، فقال الله تعالى في تنزيله: {وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم}.وكانت طائفة من أهل مكة خرجوا عليه من وراء عسكره، فهزمهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذوهم أسرى، وأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذلك قوله: {من بعد أن أظفركم عليهم}، ثم قال: {ولولا رجالٌ مؤمنون ونساءٌ مؤمناتٌ لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرةٌ بغير علمٍ ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً}.فهؤلاء: رجال مؤمنون، ونساء مؤمناتٌ، قد كانوا هناك مستضعفين، في أيديهم، فلو دخلتم للحرب، لوطئتهم الخيل، فهلكوا، ولو تزيلوا؛ أي: فارقوهم وزايلوهم، لعذبنا الذين كفروا؛ أي: نسلطكم عليهم بالحرب حتى تقتلوهم، ولكن هيأ الصلح، وحبس الناقة فبركت، فلما بركت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((حبسها حابس الفيل، لا تدعوني قريشٌ اليوم إلى خطةٍ فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها)).وكان رجال مؤمنون، ونساء مؤمناتٌ في أصلاب الآباء، وأرحام الأمهات، لم يخرجهم الله إلى دار الدنيا، وكان في سابق علمه أنه سيخرجهم إلى مدةٍ، وأسماؤهم مكتوبة في اللوح المحفوظ بالسعادة من الله، فلو دخلها عنوةً، لهلك آباؤهم وأمهاتهم في الحرب، ومعرة الجيش، فلو تزيلوا؛ أي: لو زايلوا الأصلاب والأرحام، لعذبنا الذين كفروا؛ أي: الآباء والأمهاتالكفرة، وأنجينا هؤلاء الأطفال الذين هم في علمي أولياء، فهيأ الله الصلح بينهم.حتى توالدوا، وخرج من أصلابهم من يعبد الله وحده، وتهيأ للمستضعفين حالة نجاةٍ، وفتح الله مكة من العام الثالث عليهم، وأظفره بهم، ومن قبل فتح مكة سهل الله سبيله، حتى جاء قاضياً لعمرته في ذلك الشهر الذي كان جاء أول عام الحديبية، فاعتمر، وغاظ المشركين في ذلك، واقتص الله لنبيه منهم كما ردوه وصدوه عن العمرة، فأنزل الله: {الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاصٌ}.ثم فتح الله عليه مكة من العام الثالث من الحديبية، وهو سنة ثمان من الهجرة، وكانت الحديبية سنة ستٍّ، وقضاء العمرة في سنة سبعٍ، وافتتح مكة سنة ثمانٍ، فغص المسجد الحرام بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان في عشرة آلاف حتى لم تجد ناقته موضعاً تبرك فيه في المسجد حتى دنا من البيت فاحتملوه على أيدي الرجال، فدعا بالمفتاح، ففتح له، فدخل البيت فصلى فيه، ثم خرج فوقف على الباب فقال: ((الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده)).فانظر إلى هذه الكلمات: عظم ربه، وصغر ما دونه بتعظيمه.ثم قال: ((صدق الله وعده)): نشر عن ربه الجميل بأنه وفى له.ثم قال: ((ونصر عبده)): رأى النصرة من عنده، ورأى دوران الأمور به كيفما دارت، ونظر إلى تدبيره من لدن مبعثه، وما لقي منهم من الأذى، والضرب، والشتم، والمصائب، وما حرم أقاربه وأرحامه من بركة ما جاء به، وإلى ناسٍ من أفناء الناس غرباء كيف رزقوا ذلك، واحداً من الروم، وواحداً من الحبشة، وآخر من فارس، وواحداً من الخيام، وآخر من حضرموت، وبلاد الشام، وأبو طالبٍ، وأبو لهبٍ، وولد عمومته حاربوه، وعادوه، وأخرجوه من بلده ووطنه، وبيت الله الحرام، وغربوه، وتواطؤوا على قتله، وطلبوه، فلم يظفروا به.وانظر إلى تدبير الله في الأنصار، وبذلهم أنفسهم، قال تعالى: {فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين}.ثم حروبهم ببدرٍ وأحدٍ، وتلك العجائب التي كانت هناك مرةً لهم، ومرةً عليهم، إلى يوم الحديبية، وصلحه، وأنهم قد وضعوا الحرب فيما بينهم عشر سنين، فضاق بذلك عمر رضي الله عنه يوم الحديبية، ولا يعلم أن الله سيفتح عليهم مكة في العام الثالث من عامهم، في أعز نصرٍ، وأوفر جمعٍ، فحسن الظن، وسوء الظن يتبين، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ جميل صنع الله فيه وفي أمرهم، وقال: ((الله أكبر، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده)).فلو شاء الله، لبعث مع محمد صلى الله عليه وسلم ملائكة معهم الشهب، فيحرقوا ويدمروا على من جحده، ولكن تدبير الله في عباده على التؤدة، والرفق بهم، ليتسعوا مع تدبيره؛ فإن الاتساع في أمره عبودةٌ، والضيق من الاستبداد، وخلق النفس، والعبودة الصادقة أن يدور مع تدبير الله في الأحوال كيفما دارت الأحوال، فهناك تكون عند الله راضياً في أحوالك فيرضى الله عنك، وهو قوله: {يأيتها النفس المطمئنة. ارجعي إلى ربك راضيةً مرضيةً}.اطمأنت إلى الله، وماتت شهواتها، وذهب استبدادها، فرضيت عن اللهفي أحوالها على اختلاف محبوبها ومكروهها، فرضي الله عنها، فلما تكلم على باب الكعبة بما تكلم، قال لأهل مكة وهم حوله: ((ماذا تقولون وماذا ترون أني صانعٌ بكم؟))، قالوا: أخٌ كريمٌ وابن أخٍ كريمٍ، قال: ((فإني أقول كما قال أخي يوسف: {لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين})).قال عمر رضي الله عنه: فانتضحت عرقاً من الحياء من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أني قد كنت قلت لهم حين دخلنا مكة: اليوم ننتقم منكم، ونفعل ما نفعل، فلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال، استحييت من قولي.فهكذا يكون فعل الناظر إلى تدبير الله المعاين له؛ رفق بهم، وألان لهم القول، وطيب نفوسهم لما رأى تدبير الله فيهم من قبل في تلك الأمور الماضية.وأيضاً قصة أخرى: في شأن أبي جندل بن سهيل بن عمرو، وكان مسلماً في أيدي المشركين، مقيداً بمكة، فلما جاء سهيل بن عمرٍو أبوه يراجع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلح، وهو بعض رؤسائهم، أبرم الصلح، وكتب الكتاب، فجاء ابنه أبو جندل يرسف في قيوده، قد انفلت من محبسه، فقال: يا محمد! يا رسول الله! إني مسلمٌ في أيدي المشركين، واستغاث برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالمسلمين، فقام إليه أبوه، فضرب وجهه، ورده، وقال: يا محمد! قد نجزت القضية فيما بيننا، فتركه رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده، حتى رده، فكاد المسلمون أن يفتتنوا في ذلك الأمر، وأخذهم الغيظ الشديد، ولم يقدروا على شيءٍ للصلح، وكان قد وقع الصلح بينهم على أنه من صار من المشركين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يرد عليهم، ومن صار من المسلمين إليهم مرتداً، لم يطلب، فأجابهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك، فتحرك أصحابه في ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من جاءنا منهم مسلماً، فرددناه عليهم، فإن الله جاعلٌ له فرجاً ومخرجاً، ومن صار إليهم مرتداً، فإلى النار، فما نصنع بمن ارتد عن دين الله؟)).فانظر إلى حسن ظنه، حيث قال: ((فإن الله جاعلٌ له فرجاً))، وكيف لا يحسن ظنه، وقد أوحى الله إليه: {ومن يتق الله يجعل له مخرجاً. ويرزقه من يث لا يحتسب}.فالوحي قد نجع فيه، وانكشف الغطاء عن قلبه، حتى عاين حسن تدبير الله، وصنائع ربه، وعرفه بالمجد والكرم.فذهب سهيل بن عمرو بابنه إلى مكة في قيوده، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ففتح خيبر، حتى قال عمر رضي الله عنه: كنت أماشي أبا جندلٍ وهو في قيوده، وهو إلى جنب أبيه، وأهوي بمقبض سيفي نحوه، وأدنيه منه، وأقول: يا أبا جندل! ليهن عليك، فإنما دم أحدهم كدم كلب، وأدني قائمة السيف منه رجاء أن يأخذ السيف فيضرب به أباه، قال: فضن الرجل بأبيه وسهيل آخذٌ بتلبيبه يجره إلى المنزل، وأبو جندل يصرخ: يا معشر المسلمين! أرد إلى المشركين، فيفتنوني عن ديني؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اصبر واحتسب أبا جندلٍ، فإن الله جاعلٌ لك وللمستضعفين فرجاً، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحاً، وأعطيناهم على ذلك عهداً، وإنا لن نغدر)).فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فلم يلبث إلا يسيراً حتى انفلت أبو جندل من قيوده، ومر إلى ناحية البحر على طريق الشام، فقعد هناك؛ لأنه قد علم أنه إن صار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يجد بداً من رده عليهم؛ لما جرى بينهم في الصلح من ذلك، فأقام هناك أياماً، فكان كل من سمع به من الشداد المنفلتين ممن هم في محابس المشركين لحق به، حتى توافوا نحواً من سبعين رجلاً، فقطعوا الطريق على المشركين عيرهم، وأخذوا أموالهم،وقتلوا وأضروا حتى بلغ من أمرهم، وما تأذى بهم المشركون أن وجهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه أن يضمهم إلى نفسه؛ كي يرتفع عنهم ضررهم، ثم أسلم سهيل بن عمرو، وقتل شهيداً في خلافة عمر رضي الله عنه.فأهل سعة الصدور عاشوا مع الله في دار الحبس، والضيق، عيش أهل الجنان، وإنما نالوا ذلك كله بذلك النور الذي انشرحت به صدورهم، فاتسعت لتدبير الله، وأن الله -تبارك اسمه- دبر للعباد أموراً فقد مرنت النفوس سلوك طريق ذلك التدبير، وعرفوه، ووطنوه، ثم له -تبارك اسمه- في ذلك التدبير تدبير آخر مختصر.فأهل الضيق يتحيرون هناك، ويضيقون، ومن عاين الصنفين، والتدبيرين، لم يضق، فإن لله في كل تدبير مشيئةً، إن شاء أمضاه، وإن شاء أخره، فالتدبير الذي قد وطنه الناس: أن يكون الولد من ذكرٍ وأنثى، فاختص الله لعيسى تدبيراً، فحملت به مريم من غير ذكرٍ، فتحير فيه علماء ذلك الزمان، وأحبارهم، وهلك فيه العوام والسفهاء، وأدركت مريم بعض تلك الحيرة، فقالت: {أنى يكون لي ولدٌ ولم يمسسني بشرٌ قال كذلك الله يخلق ما يشاء}، فأبصرت وأذعنت لحكم ربها، فاستوجبت بذلك أن أثنى عليها رب العالمين فقال: {وصدقت بكلمات ربها}، وقال: {وأمه صديقةٌ}.فمن سماها الله في تنزيله صديقة هو البالغ في الصدق بشهادة الله له بذلك، وكذلك فعل زكريا فيما بشر به من الولد بعد الكبر، وكذلك رزق مريم: {كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حسابٍ}؛ أي بغير محسبة، فقد علم الناس أرزاقهم من مظانها من السوق، ومن الكرس، ومن الكرم، ومن الكيس، ومن أيدي الخلق، فرزقها على وجه التدبير المختص مما لم تمسه أيدي العالمين، فأبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم التدبيرين، ودخول أحدهما في الآخر، وخفاء شأنهما، فسأل التوفيق، وسأل مع التوفيق أن لا يكون من نفسه إذا وفقه تلك، وسأله إذا وفقه، فلم يوافق شهوة نفسه أن لا تتلكأ نفسه، ويحسن الظن به.فقد يكون الرجل من أهل الغفلة يقول: اللهم اختر لي، ووفق لي، فإذا وفقه، هرب من مختار الله، ودفع عن نفسه حلول ذاك به، وعصى الله في الدفع عن نفسه، فانظر أي جهلٍ في هذا الآدمي؟وبلغنا: أن موسى -صلوات الله عليه- قال: يا رب! أي عبادك أكبر ذنباً؟ قال: الذي يتهمني، قال: ومن يتهمك يا رب؟ قال: الذي يستخيرني في الأمور، فإذا اخترت له، لم يرض بقضائي وخيرتي.وأيضاً قصة أخرى في شأن بدرٍ: وعدهم الله إحدى الطائفتين أنها لهم: الظفر بالعير، أو الظفر بالعدو الذي انتدب من مكة، وهم رؤساء الكفر، وصناديد قريش.وكان محاب الله في ذلك أن يظفروا بالعدو، فيقتلهم على أيديهم، ويقطع دابرهم، ومحابهم الظفر بالعير؛ ليقووا به وينكثوا فيهم، وقال في تنزيله: {وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين. ليحق الله ويبطل الباطل}.ومثل ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه كان يخطب على المنبر، فدخل رجل فقال: يا رسول الله! جئت امرأ لا أعقل شيئاً من أمر الإسلام، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن منبره، وترك خطبته، ووضع له كرسي، فجلس عليه، فعلمه.فمثل هذا كثير أكثر من نحصيه، فكان يدعو: ((اللهم خر لي، واختر لي من الأمور الخير، ومن الخير مختارك، فاختر لي)).ومثل ما جاء: أنه أمر بقتال أهل سبأ، فنزلت قصتهم: {كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدةٌ طيبةٌ وربٌّ غفورٌ}. فبعث على إثر ذلك الرجل الذي أمره بقتالهم، فرده، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام، ويكف؛ لما رأى من جميل نظر الله لهم، ورفقه بهم، فعلم محاب الله فيهم، فكان في الظاهر أنه يقاتلهم كما يقاتل سائر الخلق على إقامة الكلمة العليا، فلما ظهر محاب الله فيهم، كف عنهم، وكان سبأ أبو الأنصار، وعمران بن عامر أبو الأنصار من ولد سبأ، تحول إلى المدينة حين أتاهم العذاب من قبل ذلك.

نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 386

Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020

Chain of Narration

  • أَبِي هُرَيْرَةَ،
  • أَبِيهِ
  • عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ مُجَاهِدٍ،
  • عثمان ابن الهيثم،
  • عُمَرُ بْنُ أَبِي عُمَرَ،

Scholarly Opinions on Authenticity

    Topics

    Related Hadith from Other Books

      About

      • Our Mission
      • Methodology
      • Team
      • Contact

      Resources

      • FAQ
      • Book Catalog
      • Narrator Database
      • Topics

      Contribute

      • Become a Translator
      • Report an Error
      • Donate
      • GitHub

      Legal

      • Terms of Use
      • Privacy Policy
      • License

      Follow Us تابعنا

      fin@X

      Daily Hadith, scholarly articles, and updates from the team.

      © 2026 Hadith Nabvi Platform · A project by Learning SoulsHadith e Nabawai (PBUH)