حدثنا المعتمر بن سليمان، عن نهاس بن قهمٍ، عن مكحولٍ، قال: لما كثر بنو معدٍّ، أغار منهم أربعون فارساً عليهم أدراع الصوف، خاطمي خيلهم بالليف، معلني رماحهم ومعقبيها، فأغاروا على عسكر بني إسرائيل، فيهم موسى وهارون، قال: فملؤوا أيديهم من الغنيمة، ورجعوا بغنيمتهم، لم يستنقذ مما في أيديهم شيءٌ، فقالوا لموسى: أغار علينا بنو معدٍّ، وهم قليلٌ، فكيف لو كانوا كثيراً؟! وأنتم بيننا، فكيف لو لم تكونوا فينا؟! فادع الله عليهم، وكانت الأنبياء -صلوات الله عليهم- يفزعون إلى الصلاة، فصلى، فقال: اللهم إن بني معدٍّ أغاروا على قومي، ففعلوا، وفعلوا، وإن قومي أمروني أن أدعو عليهم، فقيل له: لا تدع عليهم؛ فإنهمعبادي، وإنهم ينتهون إلى أداء أمري، وإني أغفر لهم أول ما يستغفرونني، قال: يا رب! فاجعلهم من أمتي، قال: نبيهم منهم، قال: يا رب! فاجعلني منهم، قال: استقدمت واستأخروا.ولذلك ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال في حديث المعراج: ((فلما جاوزت موسى في السماء السادسة، بكى موسى، وقال: يزعم بنو إسرائيل أني أكرم ولد آدم على الله، وهذا عبدٌ أكرم على الله مني، فلو كان إليه وحده هان علي، ولكن الله قضى أن مع كل نبيٍّ تبعةً من أمته، ثم انطلق بي إلى السماء السابعة، فإذا إبراهيم ملزقٌ ظهره بالبيت المعمور، ومعه تبعةٌ من أمته، فقال لي جبريل: هذه منزلتك، ومنزلة أمتك، وهذا أبوك إبراهيم، فقال: {إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين}.فألحق هذه الأمة بإبراهيم -صلوات الله عليه-، وضمهم في الولاية جميعاً، ولم يدخل فيه بنو إسرائيل، وهم ولد إبراهيم أيضاً.فقد بين في هذا الحديث منزلتيهما ودرجتيهما، وإنما أري في السماء الأنبياء، وأتباعهم على درجاتهم، وإبراهيم المقدم عليهم، ووصفهم الله في تنزيله شأن الأمتين، فوجدنا شأن بني إسرائيل يجري على سبيل العدل وأساس الربوبية، وشأن هذه الأمة يجري على سبيل الفضل والألوهية، فظهرت في بني إسرائيل السياحة والرهبانية، وعليهم في شريعتهم إلى الله الأغلال والآصار.وظهرت في هذه الأمة السماحة، والصديقية، والشجاعة، والولاية، وسيوف الله في أيديهم، يقتلون آباق عبيده، أو يردونهم إلى الله للرق والعبودة، وفك عنهم الأغلال، ووضع عنهم الآصار، وصاروا في حد الأمناء، وجعلت شريعتهم أسمح الشرائع، وأوسعها، فهم في عبودتهم في صورة الخدم، وبنو إسرائيل في عبودتهم في صورة عبيد الغلة.ألا ترى أنه لما خاطبهم، قال: {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون}، كما يقول الرجل لعبده: أوف لي بهذه الغلة عند هلال كل شهر، أوف لك بالعتق في سنة كذا؟ثم قال لهذه الأمة: {يأيها الذين آمنوا}، فدعاهم بالكنية، كنية باطنها منةٌ، وظاهرها مدحةٌ، من عليهم في الباطن بالإيمان، ثم نسب ذلك إلى فعلهم، فقال: {آمنوا}، فمدحهم بذلك، فبهذه الكنية دعاهم، ودعا أولئك، فنسبهم إلى أبيهم، فقال: {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين}؛ أي: عالمي زمانكم، ولكل زمان عالم.وقال لهذه الأمة: {يأيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون}، ثم قال: {وجاهدوا في الله حق جهاده}، ثم قال: {هو اجتباكم}؛ أي: هو اختاركم.ثم قال: {وما جعل عليكم في الدين من حرجٍ}؛ أي: ضيق {ملة أبيكم إبراهيم}، ثم قال: {هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا}؛ أي: من قبل أن يخلقكم في اللوح المحفوظ، ثم سماكم هكذا {لتكونوا شهداء على الناس}، فهم شهداء الله للأنبياء على الأمم يوم القيامة {ويكون الرسول عليكم شهيداً}، {واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير}.فانظر إلى مخاطبة بني إسرائيل في أي صورة ذلك الأمر، وانظر إلى مخاطبة هذه الأمة في أي صورة ذلك، يبين لك أنهم في صورة عبيدٍالغلة، وهذه الأمة في صورة عبيد الخدمة، وعبيد الخدمة أولى بالسيد من عبيد الغفلة.فساحت بنو إسرائيل بأبدانهم إلى الجبال في مفاوز الدنيا عزلة بالأبدان عن الخلق، كي يصدقوا الله في طلب ما عهد إليهم، ويوفوا بعهد الله عليهم.وساحت أمة محمدٍ صلى الله عليه وسلم بقلوبهم في مفاوز الملكوت إلى خالق العرش، (عزلة بالقلوب عن همم النفوس؛ كي يصدقوا الله في طلبه، والوصول إليه)؛ فإن الله -تبارك وتعالى- دعا الخلق إليه، فلما علم تلكؤ نفوسهم وتباطؤهم في إجابته، دعاهم إلى دار السلام؛ لتستريح نفوسهم، وتخف في الإجابة؛ فقد وصفها لهم، وعلموا أنها دار الشهوات وقضاء الأماني، فقال فيما مضى من قوله: ((إلي إليّ يا أهل الموت والفناء، لا إلى غيري؛ فإني قضيت بالرحمة على نفسي، وأوجبت المغفرة لمن استغفرني، فأنا العفو، أعفو عن صغير الذنوب وكبيرها، ولا أبالي)).وقال في تنزيله علينا: {يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم}، وقال: {استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يومٌ لا مرد له من الله}.فلما أبطأت النفوس في الإجابة، قال: {والله يدعوا إلى دار السلام}، فإن لم تجيبوني إذ دعوتكم من أجلي، فأجيبوني من أجل دار السلام؛ كي تستحيوا مني إذا لقيتموني، وانكشف الغطاء عن هذه المعاملة.فأهل الالتفات إلى الثواب والعقاب في هذا الحياء من القرن إلى القدم بين يديه غداً؛ لأن نفوسهم لم تسمح بالعبودة لربها إلا بالاسترواح إلى الثواب، والرهب من العقاب، فهذه عبودة برشوة وعربون، وليس هذه عبودة الأنبياء ولا الصديقين، ولا أولياء الرحمن، هذه عبودة عبيد النفوس، وعبيد الشهوات المخلطين سيئاتهم بحسناتهم، وفي حشو أعمالهم الظاهرة من العجائب ما لو بليت السرائر، وحصل ما في الصدور يوم انكشاف الغطاء لهربوا من أعمالهم، وتركوها بمكانهاحياء من الله، فجعل حظوظ بني إسرائيل على قلوبهم في دار الدنيا حقوقه وعهده، وفي الآخرة جنانه ثواباً لرعاية حقوقه، والوفاء بعهده، وحظوظ هذه الأمة على قلوبهم في دار الدنيا جلاله، وعظمته، وسلطانه، ومعرفة آلائه وفضله، ورحمته، وفي الآخرة: رفع الحجاب فيما بينه وبينهم، وقدمهم في الدنيا خروجاً، وأخرنا، وقدمنا في الجنة دخولاً، وأخرهم.وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الجنة محرمةٌ على الأنبياء حتى أدخلها، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتي)).فبهذه الأمة فتح العبودة يوم الميثاق، وبهذه الأمة تختم العبودة يوم تصرم الدنيا، وبهذه الأمة يفتح باب الرحمة، فيدخلون داره.ثم ظهرت من معاملة بني إسرائيل ربهم، ومن معاملة هذه الأمة ربها، ما دلت على نفوسهم وأخلاقهم، ومحلهم من المكارم التي أعطيا، والمواهب.فكانت مكرمة إسماعيل بيت الله الذي خلقه قبل خلق السماوات والأرض، فكانت زبدةً بيضاء، إذ عرشه على الماء، فبوأ لذكره هناك، وخلق ملكين يسبحانه، ويقدسانه على الزبدة، فابيضت، فهناك مظهره، ومعلمه ومبوأ ذكره، وموضع تقديسه، ولا سماء، ولا أرض، ولا خلق، فولاه الله رفع قواعده مع أبيه دون إسحاق، وجعل حجابته بيد ولده، فهم محجبون، ومأذونون، وأنيط له زمزم سقياً له ولولده من بعده، ولجميع من أم البيت معظماً، وساق إليه عيناً من عيون الجنة، ففتح فيه ينبوعها، وجعله مهبط رحمته في كل يوم، ومنه تنتشر على أهل الدنيا، فيخص منها أهلها بمئة رحمة، وعشرين لأهل الدنيا.ومكرمة إسحاق الصخرة التي إليها يجمع الخلق ويحاسبهم، وهي صخرة من الجنة عليها الأرضون السبع، وهي رأس تلك الصخرة.وأما المعاملة: فإنه لما جاءت المحنتان من الله لهما في وقتيهما، برز ما في نفوسهم، وبرز ما لهم من الحظ في الغيب عنده بالمحبة، فإن السيد إذا كان له عبيدٌ، فإنما يبين حظوظ العبيد منه بمعاملته إياهم، وتبين جواهر نفوسهم بمعاملتهم إياه.فإنما كثر ولد إسحاق في زمن يوسف عليه السلام بمصر بعد ما حاز اللهليوسف عليه السلام مدائن مصرٍ، وأسكنه إياها، وجعل بيده خزائنها، ودخلها إسرائيل، وهو يعقوب عليه السلام في ستةٍ وتسعين نفساً من ولده، وولد ولده، ونسلهم، فإنما الله عددهم، وبارك في ذريته، حتى خرجوا إلى البحر يوم غرق فرعون، وهم ست مئة ألفٍ من المقاتلة سوى الشيوخ، والذرية، والنساء، وجاوز عددهم ألف ألفٍ، فقال الله تبارك وتعالى يحكي عنهم: {ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شكٍ مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولاً}.فهذا فعلهم بعد أن صيرهم ملوك مصر وأربابها، فغير الله ما بهم، فصاروا سخرةً لآل فرعون، يخدمونهم خدمة العبيد والإماء رجالهم ونساؤهم، ومن عجز عن الخدمة لسنه، ضع عليه الغلة، فاستودى مساء كل يومٍ، فإن أعطى، وإلا غلت يمينه، فكانوا في عذاب وبلاء، وقتل أبناءهم، وكل مولود يولد فيهم خوفاً من رؤياه: أنه يولد منهم مولود يكون هلاك ملكه على يديه، فبعث الله موسى، ورحمهم به، فقال في تنزيله: {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمةً ونجعلهم الوارثين. ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون}.فجعلهم كذلك، ووفى لهم بما وعد، فإنما عددهم، وأنزل فيهمالكتب، وبعث فيهم الرسل والأنبياء، وجعلهم أهل ديانة وعبادة وجهد وعهود ومواثيق.وأما ولد إسماعيل: فجعل فيهم السخاء، وأولي الأخلاق والمكارم، ومنحهم من خزائنه تلك الأخلاق الطاهرة التي عيش أهلها عيش أهل الجنة.فإن صاحب الأخلاق قلبه في راحةٍ؛ لأن نفسه طيبة غنية كريمة، وصاحب الضيق قلبه معذبٌ؛ لأن نفسه شكسة كزة يابسةٌ، فقيرةٌ، فناءت وبان بوناً بعيداً قلب مستريح وقلب معذب، هذا من قبل أن تأتيهم الهداية، فلما جاءت الهداية والغياث من الله، ورد على قلوب بني إسرائيل نور التوحيد وروحه، وتركوا مع مجاهدة نفس كزة يابسة ضيقة، وورد على قلوب هذه الأمة نور التوحيد وروحه، ونور اليقين وروحه.فقلوب بني إسرائيل قلوب مؤيدة بالتوحيد، معذبة بكزازة النفس، وضيقها، وقلوب هذه الأمة مؤيدة بالتوحيد، مستريحة بروح اليقين، وهو قوله تعالى: {قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم}؛أي: لن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم: {قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسعٌ عليمٌ}، قد علم من هو أهل لذلك، كما قال: {وكانوا أحق بها وأهلها}؛ أي: أهلاً لكلمة لا إله إلا الله، وهي إعلاء كلمة فيما بين العرش والثرى، ثم قال: {يختص برحمته من يشاء؛ أي: قد اختصكم يا أمة محمد بالرحمة، فبذلك نلتم.وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما أعطيت أمةٌ من اليقين ما أعطيت أمتي)).ومثل من أعطي اليقين، وفضل به، ومن حرم ذلك، كمثل شجرة لها غصنان، والسقيا واحدٌ، فلما جرى الماء إلى أحد الغصنين، تحولت طيباً بمشيئة الله، وجرى في الغصن الآخر، فتحولت ثماراً، فمن الثمار حلوٌ وحامض، ومدخول وعفن، ومرٌّ، فمنه ما ينتفع به، ومنه ما ينفى فيرمى به، والطيب يطيب به كل شيءٍ من المأكول والمشروب، والملبوس، والمركوب، والمنكوح.وإذا ذهب الطيب، نتن، فذهبت لذته، وتنغص طعمه على طاعمه لرائحته.فوجدنا هذه الأمة نفوسها طيبة كما ذكرناه بدءاً، وأيدت بروح اليقين، فخرجت الأعمال زاكية طيبة، فيها الهناءة والمراءة، بها يهنأ الحق، ويستمر بها ولم يوجد فيمن سواهم، هذا فضل الله يؤتيه من يشاء.قال له قائل: ما روح اليقين؟قال: برد القربة من الرحمة والعطف، فراحت بها من فورة النفس وحرارتها، وليس فيما قلت شفاء؛ لأنك لم تصل إليه، والشفاء لمن وصل فاحتظى منه، وذلك أن النفس خرجت من هوى المخلوقين إلى هوى القربة، فكل الطيب هناك، فأنقذ الله بني إسرائيل من ملكة فرعون وعذابه وسخرته بمبعث موسى -صلوات الله عليه-، وغرق فرعون، وجعل لهم طريقاً في البحر يبساً، فلما جاوزوه، قالوا: يا موسى! إن قلوبنا لا تطمئن، أن فرعون قد غرق، حتى أمر الله البحر فلفظه، فنظروا إليه، فلما اطمأنوا، وبعثوا من طريق البر إلى مدائن فرعون حتى نقلوا كنوزه وغرقوا في النعمة، رأوا أقواماً يعكفون على أصنام لهم، فقالوا: يا موسى! اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهةً، حتى زجرهم موسى، وقال: {أغير الله أبغيكم إلهاً وهو فضلكم على العالمين}؛ أي: عالمي زمانهم.ثم أمرهم أن يسيروا إلى الأرض المقدسة التي كانت مساكن آبائهم، ويتطهروا من أرض فرعون، وكانت الأرض المقدسة في أيدي الجبابرة، قد غلبوا عليها، فاحتاجوا إلى دفعهم عنها بالقتال، فقالوا له: أتريد أن تجعلنا لحمةً للجبارين، فلو أنك تركتنا في يدي فرعون، كان خيراً لنا، قال: {يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم}، قالوا: {لن ندخلها أبداً ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون} حتى دعا عليهم وسماهم: فاسقين.فبقوا في التيه أربعين سنةً عقوبةً، ثم رحمهم، فمن عليهم بالسلوى، وبالغمام تظلهم، وبالحجر تتفجر منه اثنتا عشرة عيناً إذا ضربه بعصاه، فقالوا: لو أن موسى انكسر عصاه، لمتنا عطشاً، قال: فأوحي إلى موسى: إذا كان وقت الماء، فكلم الحجر، ولا تضربه بالعصا؛ حتى تنفجر العيون بكلمتك.ثم سار موسى إلى طور سيناء ليجيئهم بالتوراة، فاتخذوا العجل، وقال لهم السامري: هذا إلهكم وإله موسى، فاطمأنوا إلى قوله، ونهاهمهارون فقال: {يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري}، قالوا: {لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى}، فلم يتبع هارون، ولم يطعه في ترك العجل إلا اثنا عشر ألفاً فيما روي في الخبر، وتهافت في عبادته سائرهم، وهم أكثر من ألفي ألفٍ.فلما رجع موسى عليه السلام، ألقى الألواح، فرفع من التوراة ستة أجزاءٍ، وبقي جزءٌ واحدٌ، وهو الحلال والحرام، وما يحتاجون إليه، وأحرق العجل، وذراه في البحر، فشربوا من مائه حباً للعجل، فظهرت على شفاههم صفرة، وورمت بطونهم، فتابوا، فلم يقبل توبتهم دون أن يقتلوا أنفسهم، فذلك قوله تعالى: {فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم}.فقاموا بالخناجر والسيوف بعضهم إلى بعض، من لدن طلوع الشمس إلى ارتفاع الضحى، وقتل بعضهم بعضاً، لا يسأل والد عن ولده، ولا أخ عن أخيه، ولا أحد عن أحد، كل من استقبله أحد ضربه بالسيف، وضربه الآخر بمثله، حتى عج موسى عليه السلام إلى الله صارخاً: يا رباه! قد فنيت بنو إسرائيل، فرحمهم، وجاد عليهم بفضله، فقبل توبة من بقي، وجعل من قتل في الشهداء.ثم قالوا: يا موسى! {أرنا الله جهرةً}، فجاءت صاعقةٌ، وأحرقت من جمعهم أربعين ألفاً، فيما جاءنا في الخبر.ثم عرض عليهم ما في التوراة ليقبلوها، فأبوا، ثم قالوا: لا نطيق هذا، فنتق الله عليهم الجبل، ونودوا منها {خذوا ما آتيناكم بقوةٍ}، وإلا رميناكم بالجبل، فسجدوا على حروف جباههم ينظرون إلى الجبل، ويقولون: قبلنا قبلنا.ثم قيل لهم: قد وصلتم إلى بيت المقدس: {وادخلوا الباب سجداً وقولوا حطةٌ}؛ أي: حط عنا، بمنزلة قوله: أستغفر الله، فقالوا: حنطة؛ سخرية واستخفافاً بما أعطوا، قال الله -تبارك وتعالى-: {فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم}.فجاء في الخبر: أنهم أمروا أن يدخلوا الباب سجداً على ركبهم، هكذا حتى يدخلوا، فعلم الله منهم ضيق أخلاقهم، وأنهم لن يدخلوها سجداً، فلما صاروا إلى الباب، طؤطئ لهم الباب، حتى لا يمكنهم أن يدخلوها قياماً، فكزت نفوسهم، والتوت، وانكشفت سوء أخلاقهم، واستلقوا على ظهورهم زحفاً على الأستاه، وهم يقولون: حنطةٌ حنطةٌ هطى سمقاثا.قال الله تعالى: {فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم فأنزلناعلى الذين ظلموا رجزاً من السماء}.فحرموا المغفرة، فكان موسى عليه السلام شديد الحياء، ستيراً، فقالوا: إنه آدر، فلما اغتسل، وضع على الحجر ثوبه، فعدا الحجر بثوبه إلى مجالس بني إسرائيل، وموسى عليه السلام على إثره عريان، وهو يقول: (ثوبي يا حجر، ثوبي يا حجر)، يا أيها الحجر! ثوبي، فذلك قوله: {لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا}.ثم لما مات هارون، قالوا له: أنت قتلت هارون وحسدته، حتى نزلت الملائكة بسرير هارون ميت عليه.ثم سألوه: أن يكون ما تقدم من أموالنا نعلم بقبولها، هل تعلم يقبلها، فجعلت نار تجيء من السماء فيتقبل قربانهم.ثم سألوه: أن يبين لنا كفارات ذنوبنا في الدنيا، فكان من أذنب ذنباً أصبح وعلى بابه مكتوبٌ: عملت كذا، وكفارته قط عضو من أعضائك يسميه له، ومن أصابه بولٌ لم يطهر حتى يقرضه، فيزيل جلدته من بدنه.ثم بدلوا التوراة من بعده، وافتروا على الله، وكتبوا بأيديهم، ليشتروا به من الدنيا عرضاً، ثم صار أمرهم إلا أن قتلوا أنبياءهم ورسلهم.فهذه معاملتهم مع الله، وسيرتهم في دينهم، قد انكشف لنا عن جواهرهم، وأخلاقهم، وحظوظهم من ربهم، بما أنزل الله علينا من أخبارهم، ولمن كان له فهم.وأما ولد إسماعيل: فلم يزالوا مذكورين بالسماحة، والأخلاق السنية، والأفعال العلية، يطعمون الطعام، ويكفلون الأيتام، ويرعون الذمام، وهم في شركهم، ويفكون العاني، ولم يزل تلك عادتهم وسيرتهم وطبيعتهم، ولم يسلط عليهم أحداً فيسبيهم ولا يستسخرهم، ولا صاروا ملكاً لأحد من الفراعنة، حتى أكرمهم الله بمبعث محمدٍ صلى الله عليه وسلم، فصاغ محمد صلى الله عليه وسلم صياغة، برز على الأنبياء والرسل، فصار سيداً لجميع ولد آدم، وأنزل عليه كتاباً مهيمناً على الكتب، أجمل فيه التوراة والإنجيل، واختصر له الكلم، وزاده المفصل، وفاتحة الكتاب، وآية الكرسي، وخاتمة سورة البقرة من كنزه الذي ادخره لهذه الأمة، ووصفهم في التوراة بمحاسنهم لبني إسرائيل من قبل أن يخلقهم بآلاف من السنين، ولعيسىولقومه في الإنجيل، حتى روي في الحديث:أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم مسمون في التوراة: صفوة الرحمن.وفي الإنجيل: حكماء علماء، أبرار أتقياء، كأنهم من الفقه أنبياء.وقال في القرآن: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا}؛ تصديقاً لما في التوراة: أنهم يسمون: صفوة الرحمن.وقال: {كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس}، وقال: {وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً}؛ أي: عدلاً؛ {لتكونوا شهداء على الناس}؛ أي: شهداء الرسل بالبلاغ، عندما تجحد الأمم بتبليغ الرسل رسالات الله.فتشهد هذه الأمة لنوح فمن دونه رسولاً رسولاً: أنهم قد أدوا الرسالة، فيحكم الله بشهادتهم على سائر الأمم، ويتخلص الرسل من أمانات الرسالة، وذلك بعد ما يعدلهم محمدٌ صلى الله عليه وسلم، فذلك قوله تعالى: {لتكونوا شهداء على الناس}، ثم قال: {ويكون الرسول عليكم شهيداً}.فتكون شهادة أمة محمدٍ صلى الله عليه وسلم يومئذ مقبولة على جميع الأمم، لجميع الأنبياء، ثم أعطاهم سيفه ليقتلوا به أعداءه، ولا يقتل أعداءه إلا أولياؤه،ثم قال: {والله ولي المؤمنين}.فهم أولياء الله، والله وليهم، وهم أهل حميته وأنصاره، فدعوا إلى الحرب، فوضعوا السيوف على عواتقهم، وربطوا الحجر على بطونهم من الجوع، والخرق على ظهورهم من العري، وقد هجروا أوطانهم، ومقرهم، وحرم الله، وأظهروا عداوةً في الله لأهل الشرك، وخرجوا من ديارهم وأموالهم، ونابذوا أرحامهم في الله، حتى كان الرجل يقتل أباه وأخاه، فكان أبو عبيدة بن الجراح ممن قتل أباه، فأنزل الله تعالى: {لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم} ثم أثنى عليهم فقال: {أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروحٍ منه}.فمن يعلم كنه هذه الكلمة إلا أهل اليقين وأولو الألباب؟({أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم})، ثم قال: {وأيدهم بروحٍ منه}، فهم المكتوب في قلوبهم الإيمان، المؤيدون بروحه، {ويدخلهم جناتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هو المفلحون}.وقالوا عندما استشارهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من أمر الحرب: مرنا بما شئت، وسر بنا حيث شئت، فلو سرت بنا إلى برك الغماد، لسرنا -موضع بعيد ذكروه-، فوالله! لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل: {فاذهب أنت وربك فقاتلا إن ههنا قاعدون}.وعرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم أمر، فخرج من الحجرة مغضباً، فرقي المنبر وقد احمرت عيناه ووجنتاه، فقال: ((ما بال أقوامٍ يقولون كذا وكذا؟!))، فرأوا الغضب في وجهه، فنادت الأنصار، وقالوا: السلاح السلاح، فأحدقوا حول المنبر في الحديد، لا يرى منهم إلا الحدق، وافتتح خيبر، وغنم الغنائم، فقسم في المهاجرين، ولم يقسم في الأنصار؛ لأنهم في أموالهم، والمهاجرون خلفوا الأموال بمكة، فسمحت الأنصار بذلك، وكانوا حين قدموا المدينة ناصفوهم الأموال، وواسوهم بالكثير، حتى كاد الرجل يطلق إحدى امرأتيه ليتزوجها أخوه المهاجر.هذا كله لحب الله، وحب طاعته، وحب رسوله، فانظر أي قلوبٍ هذه، وأي شيء في هذه القلوب من منن الله، وانظر أي جواهر هذه النفوس، وانظر أي أخلاق لهذه النفوس؟اللهم إنا نتقرب إليك بحبهم، فإنهم أحبوك، ولم يحبوك حتى أحببتهم، فبحبك إياهم وصلوا إلى حبك، ونحن لم نصل إلى حبهم فيك إلا بحظنا منك، فتمم لنا ذلك حتى نلقاك وأنت أرحم الراحمين.وأثنى الله على الأنصار، ومدح سرائرهم، فقال: {يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجةً مما أوتوا}؛ أي: لا يجدون ضيقاً ولا نفاسةً فيما أوتي المهاجرون من غنيمة خيبر، ولم يؤت الأنصار.{ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصةٌ}. يخبر أنه قد كان بالأنصار فقر وحاجة إلى تلك الغنائم، فآثروا المهاجرين على أنفسهم، ثم أخبر أن هذا من منة الله على الأنصار أنه من عليهم بأن أمات فيهم الحرص، وهو الشح، فقال: {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون}.وإنما أمات فيهم الحرص على الدنيا بما أعطاهم من اليقين الفاضل على الأمم، فباليقين مات الحرص، وما يصنع من احتشى قلبه بنور الله،ويرى قربة الله منه بظلمات الدنيا وحطامها ولهوها؟!وسار بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فتح مكة، وهو وطنهم وأرضهم المقدسة؛ كما سار بهم موسى -صلوات الله عليه-، فما تلكأ منهم شيخ ولا شابٌّ، حتى فتح الله عليهم من غير أن يمسهم سوء.ثم قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، فابتعث الله لهذا الدين أئمةً صديقين، خلفاء الأنبياء، وأوتاد الأرض، يقومون بالحق، وبه يعدلون.فتفاوت الأمران والشأنان: شأن بني إسرائيل، وشأن هذه الأمة.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 394
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
