حدثنا بذلك يحيى بن حبيب بن عربي، قال: حدثنا بشر بن المفضل، عن عوفٍ، عن قسامة بن زهيرٍ، قال: حدثنا الأشعري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله عز وجل خلق آدم من قبضةٍ قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، منهم الأحمر، والأسود، والأبيض، وبين ذلك، والسهل، والحزن، والخبيث، والطيب)).قال أبو عبد الله: فالتربة الطيبة: نفوسها سهلة كريمة، وليس فيها كزازة ولا يبوسة، ولا شعوثة، فهم أحرارٌ كرامٌ، ولدتهم أمهاتهم أحراراً كراماًمن رق النفس، وشهواتها، (وآخرون: كانت الحزونة في تربتهم، فجاءت الكزازة، والشعوثة، والصعوبة، ولدتهم أمهاتهم عبيداً، قد ملكهم رق نفوسهم بشهواتها)، وهو قول عيسى -عليه الصلاة والسلام- فيما يعظ به بني إسرائيل، فقال: لا عبيد أتقياء، ولا أحرار كرماء.معناه: أي: ليس أنت من العبيد الذي تجاهد نفسك وتتقي الله، ولا من الأحرار الذين نجوا من رق النفوس، فساروا إلى الله سير الكرام، بلا تعريج، ولا ترددٍ.فالبخل، والضيق، والحدة، والعجلة، والحقد، والحرص، وما أشبهه من كزازة النفس.والجود، والسماحة، والسعة، واللين، والتؤدة، والتأني، والرفق من سهولة النفس وطيبها.فنفوس العرب بارزة أخلاقها، لا ينكرها إلا معاندٌ، ولا يجحدها إلا ماردٌ، إنها أخلاق الكرام، فبهذا فضلوا، لا باللسان العربي، والله يحب معالي الأخلاق، ويبغض مدانيها.ومما يحقق ذلك: ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم بدرٍ: أنه سمع رجلاً يقول بعدما انصرفوا من بدرٍ، إنما قتلنا عجائز صلعاً، فأنكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: ((مه، أولئك الملأ من قريش، لو نظرت إلى فعالهم لاحترقت فعالك عند فعالهم، لولا أن تطغى قريشٌ، لأخبرتها بما لها عندالله، اللهم إنك أذقت أولهم نكالاً، فأذق آخرهم نوالاً)).فالعرب: بالأخلاق شرفوا، وإلا، فالشجرة واحدةٌ، وهو خليل الرحمن، ومما يدلك على ذلك دعوة إبراهيم خليل الرحمن حيث رفع القواعد من البيت، وأتم بناءه، وقال: {ربنا واجعلنا مسلمين لك}، ثم قال: {ومن ذريتنا أمةً مسلمةً لك}، فإنما سأل في ذرية إسماعيل خاصةً، ألا ترى أنه قال على أثر ذلك، {وابعث فيهم رسولاً منهم}؛ يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم.فالإسلام: هو تسليم النفس، وبذلها، والجود بها، ومن جاد بنفسه على الله، فلا أحد أحسن خلقاً منه، ولا أكرم منه، فليس الشأن في الجود بالمال، الشأن في الجود بالنفس، حتى تسلمه إلى خالقه، فجرت هذه الدعوة في ولد إسماعيل خاصةً أن صيرهم أمةً مسلمةً له، فوهب لهم أخلاق الكرام، حتى تكرمت نفوسهم على الله بذلاً حين جاءهم الرسول، ومن قبل مجيء الرسول، كانت تلك الأخلاق ظاهرةً فيهم، فلما جاء الرسول، وجدهم مهذبين كراماً، فصاروا صديقين، وأبراراً وأتقياء، وحكماء، وعلماء بالله، باذلين مهجهم لله وأموالهم، السيوف على عواتقهم، والحجر على بطونهم من الجوع، ينصرون الله ورسوله، وبنو إسرائيل قالوا لموسى: {فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون}، وقيل لأمة محمدٍ: {إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل}، فكانت تلك منهم كلمة صدق من قلوبهم، فحكى الله عنهم في تنزيله، وأثنى عليهم بذلك، فصار قولهم هاهنا كقول أبيهم حين ألقي في النار فقال: حسبي الله ونعم الوكيل.فهل يمكن ظهور هذا إلا ممن حسن خلقه، فجاد بنفسه على الله، وإنما قال هذا أصحاب محمدٍ صلى الله عليه وسلم يوم أحدٍ بعدما انهزموا، وأصابتهم جراحاتٌ، وقتل من قتل منهم، وانصرف عسكر المشركين، فنزلوا مكاناً، وتآمروا فيما بينهم أن يجمعوا جمعاً، فيكروا عليهم، ووشوا إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الخبر ليفزعوهم، فانتدب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، وفيهم من الجراحة غير قليل يمضون إلى جمعهم، وفيهم مشاةٌ، حتى إن الرجل ليغشى عليه في الطريق من كثرة ما يسيل من الدم من جراحاته، فيحمله صاحبه، يسيرون بمثل هذه الحالة إلى العدو، وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، فوجدوا العدو قد تفرقوا وذهبوا، قال الله تبارك اسمه: {فانقلبوا بنعمةٍ من الله وفضلٍ لم يمسسهم سوءٌ واتبعوا رضوان الله}، ولم يقل: رضا الله؛ ليعلمك أنهم اتبعوا الرضوان؛ فإنه أكثر من الرضا، وهو غاية الرضا.قال أبو عبد الله: فنهاية العرب إلى إسماعيل -صلوات الله عليه-، والشجرة واحدةٌ، وهو إبراهيم صلى الله عليه وسلم، وهو خليل الرحمن، ولسانه عبرانيٌّ، وإنما هما غصنان لهذه الشجرة: إسماعيل، وإسحاق.فإسماعيل: عربي اللسان.وإسحاق: عبراني اللسان.وإسماعيل: أبو العرب.وإسحاق: أبو العبرانيين، وهم: بنو إسرائيل، نسبوا إلى يعقوب، إسرائيل الله بن إسحاق بن إبراهيم خليل الله.ولكل واحدٍ من الغصنين حظٌّ من الله، وفضيلةٌ، وكرامةٌ، وموهبةٌ، فذهب الغصنان بحظهما من الله، وبموهبته، فصارت وراثةً في أولادهما إلى الأبد، وذهب إسماعيل بفضيلته وموهبته، وذهب إسحاق بفضيلته وموهبته، فظهر في ولد إسحاق من تلك الموهبة والكرامة الجهد والعبادة، وظهر في ولد إسماعيل الأخلاق والسماحة والشجاعة.والموهبة إنما تكون على قدر الحظ، والجاه له عنده على قدر ذلك، فنظرنا إلى موهبة كل واحد منهما من أية خزانةٍ أعطي؛ ليستدل به على حظيهما منه.قال: فوجدنا الجهد والعبادة من خزائن الحكمة، والأخلاق من خزائن المنة، فنظرنا إلى الحكمة والمنة من أين بدت كل واحدة منهما؟فوجدنا: الحكمة من العدل بدت، والعدل من الربوبية، والربوبية من الملك والقدرة والقوة.ووجدنا المنة: أنها بدت من العطف، والعطف من الفضل، والفضل من الجمال، فمن الملك بدأ الغضب، فأسعرت، فاستحرت النار،فاسودت من غضبه، فهي سوداء مظلمة، مشحونةٌ بغضبه.ومن جماله بدت الرحمة، وظهر الفضل والعطف، حتى اهتزت الجنان، ونورت، واستنارت بنوره، فهي بيضاء نورانية، مشحونة برحمته وروحه، وإنما هي نظرةٌ وجفوةٌ، فأهل الثواب سعدوا منه بنظرةٍ واحدةٍ، وأهل العقاب شقوا منه بجفوةٍ واحدةٍ، ففهمنا بمبلغ ما علمنا من ظاهر ما عليهما، وعلى أولادهما من بعدهما، ما بطن من حظيهما وموهبتيهما ومكرمتيهما.وإنما كثر ولد إسحاق، وظهروا في وقت موسى -صلوات الله عليه- حيث أنقذهم من بلية فرعون وسخرته، وجاء بالكتب من الله، وظهرت العبودة لله إلى وقت عيسى بن مريم -صلوات الله عليه-، ثم صارت فترة، فظهرت منازلهم، ودرجاتهم، وجواهر نفوسهم، بما عاملهم الله، وبما عاملوه، وكثر ولد إسماعيل، وظهر شأنهم بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم، وظهرت سيرتهم في دينهم، وما عاملهم الله به وما عاملوه، فتبين لنا بفعليهما شأن نفوسهم، ومحلهم من الله -تبارك اسمه-، وحظوظهم منه.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 393
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
