بحر الفوائد المشهور بمعاني الأخبار للكلاباذي - مشكول - ت محمد حسن إسماعيل - أحمد فريد المزيدي - ن دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان #183
قَالَ : حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ , عَنْ سُهَيْلٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ تَوَلَّى قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ , فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ , وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ , وَلَا عَدْلٌ.
قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ : الْمُتَوَلِّي بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ رَغْبَةً عَنْ مَوَالِيهِ , وَمَنْ أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ كَافِرٌ لِلنِّعْمَةِ , جَاحِدٌ لِلْحَقِّ ظَالِمٌ ؛ لِأَنَّهُ وَضَعَ الْوَلَاءَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ , وَسَتَرَ نِعْمَةَ مُنْعِمِهِ , وَمَنْ كَفَرَ نِعْمَةَ عِبَادِ اللَّهِ , فَهُوَ لِكُفْرَانِ نِعَمِ اللَّهِ أَجْدَرُ , وَكَافِرُ النِّعْمَةِ , وَمُولِي الشُّكْرِ غَيْرَ مُنْعِمِهِ ظَالِمٌ , وَقَدْ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ : {أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} . فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ اللَّعْنَةُ هَا هُنَا الْعَذَابَ , وَالْهَوَانَ , وَالْخِزْيَ فِي الْكُفَّارِ , وَلِلْمُؤْمِنِينَ دُخُولَ النَّارِ لِلتَّأْدِيبِ دُونَ اللَّعْنَةِ الَّتِي هِيَ الطَّرْدُ , وَالْإِيَاسُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ , فَإِذَا كَانَتِ الْآيَةُ فِي الْكُفَّارِ , فَهُوَ الطَّرْدُ , وَلَعْنَةُ الْمَلَائِكَةِ إِبْعَادُهُمْ إِيَّاهُ عَنِ الدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ لَهُ , وَأَنَّهُمْ يَتْرُكُونَهُ مِنَ اسْتِغْفَارِ اللَّهِ لَهُمْ , فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ يَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : {يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ} {الشورى) , وَحَمَلَةُ الْعَرْشِ يَسْتَغْفِرُونَ لِلتَّائِبِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى قَوْلِهِ : {فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا} {غافر) , فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لَعْنَةُ الْمَلَائِكَةِ لِهَؤُلَاءِ , وَإِنْ كَانُوا فِي جُمْلَةِ الْمُسْلِمِينَ تَرْكَهُمُ الِاسْتِغْفَارَ لَهُمْ.
وَأَمَّا الصَّرْفُ , وَالْعَدْلُ , فَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَفْسِيرِهِ , فَقَالَ بَعْضُهُمُ : الصَّرْفُ هُوَ الْفَرِيضَةُ , وَالْعَدْلُ هُوَ التَّطَوُّعُ , وَقَالَ بَعْضُهُمُ : الصَّرْفُ التَّطَوُّعُ , وَالْعَدْلُ الْفَرِيضَةُ , وَقَالَ بَعْضُهُمُ : الصَّرْفُ التَّوْبَةُ , وَالْعَدْلُ الْفِدْيَةُ . فَمَنْ حَمَلَهُ عَلَى التَّوْبَةِ وَالْفِدْيَةِ , فَهُوَ مَعْنَاهُ فِي الْآخِرَةِ , أَيْ : لَا يَقْبَلُ مِنْهُ تَوْبَةً فِي الْآخِرَةِ , وَلَا فِدْيَةً , أَيْ : لَا يَكُونُ لَهُ فِدْيَةٌ , لَا يَجِدُ فِدْيَةً يَفْدِي بِهَا نَفْسَهُ , وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ , وَيَكُونُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : {لَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ} , أَيْ : لَا يَشْفَعُ لَهَا شَافِعٌ , ثُمَّ لَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَتُهُ.كَذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يُقْبَلُ مِنْهُ فِدْيَةٌ , أَيْ : لَيْسَ لَهُ مَا يَفْدِي بِهِ نَفْسَهُ , وَتَوْبَتُهُ فِي الْآخِرَةِ لَا تُقْبَلُ , فَأَمَّا التَّوْبَةُ , فَإِنَّهَا تُقْبَلُ فِي الدُّنْيَا , وَيَمْحْو اللَّهُ تَعَالَى السَّيِّئَاتِ بِالْحَسَنَاتِ , وَمَنْ قُبِلَتْ حَسَنَتُهُ فَدَاهُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَهْلِ الْأَدْيَانِ مِنَ الْيَهُودِ , وَالنَّصَارَى , وَبِهِ جَاءَ الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِالتَّوْبَةَ وَالْفِدْيَةِ فِي الْآخِرَةِ , مَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ وَالَى قَوْمًا بِغَيْرِ إِذَنِ مَوَالِيهِ , فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ , وَالْمَلَائِكَةِ , وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ , لَا يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفٌ , وَلَا عَدْلٌ , وَمَنْ حَمَلَ مَعْنَى الصَّرْفِ , وَالْعَدْلِ عَلَى الْفَرِيضَةِ , وَالتَّطَوُّعِ , فَإِنَّ مَعْنَاهُ , أَنْ لَا يَقْبَلَ فَرِيضَةً قَبُولَ رِضَاءٍ , وَتَزْكِيَةٍ , وَإِنْ كَانَ يَقْبَلُ جَزَاءً وَثَوَابًا , لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَظْلِمُ عِبَادَهُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ , وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا , فَكَيْفَ لَا يَقْبَلُ فَرِيضَةَ مَنْ أَدَّاهَا بِشَرَائِطِهَا عَلَى قَدْرِ وُسْعِهِ , بَلْ يَجُوزُ أَنْ يُعَاقِبَهُ عَلَى مَعْصِيَتِهِ إِنْ شَاءَ , وَيُثِيبَهُ عَلَى أَدَاءِ فَرِيضَتِهِ , لَا مَحَالَةَ , وَلَوْ عَاقَبَهُ عَلَى مَعْصِيَتِهِ وَلَمْ يُثِبْهُ عَلَى طَاعَتِهِ , لَكَانَ مُسْتَوْفِيًا حَقَّ نَفْسِهِ مِنْ عَبْدِهِ غَيْرَ مُوَفِّيهِ حَقَّهُ مِنْ نَفْسِهِ , وَهَذَا غَيْرُ لَائِقٍ بِاللَّهِ وَكَرَمِهِ , وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا يَدَّعِيهِ مَنْ يَقُولُ بِالْإِحْبَاطِ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ : {خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا} , مَعْنًى ؛ لِأَنَّ أَعْمَالَهُ الصَّالِحَةَ هَذِهِ أَحْبَطَتْهَا السَّيِّئَاتُ , فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا السَّيِّئَاتُ , فَإِنَّ أَوَّلُوا السَّيِّئَاتِ بِالصَّغَائِرِ عِنْدَهُمْ لَمْ يَسْتَقِمْ ؛ لِأَنَّ الصَّغَائِرَ مَغْفُورَةٌ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ , وَالْمَغْفُورَةُ لَا يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مُثْبَتَةً إِذًا , فَصَاحِبُ الْكَبَائِرِ لَا طَاعَةَ لَهُ عِنْدَهُمْ ؛ لِأَنَّ الْكَبَائِرَ تُحْبِطُ طَاعَتَهُمْ , وَمُجْتَنِبُ الْكَبَائِرِ لَا مَعْصِيَةَ لَهُ , وَلَا ذَنْبَ ؛ لِأَنَّ الصَّغَائِرَ مَغْفُورَةٌ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ , فَمَنْ هَذَا الَّذِي خَلَطَ عَمَلًا صَالِحًا , وَآخَرَ سَيِّئًا ؟
وَقَوْلُهُمْ بِالْإِحْبَاطِ يَنْفِي الْكَاتِبَيْنِ , وَيَنْفِي الْوَزْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ , وَيَنْفِي الْحِسَابَ , وَآيَاتٌ مِنَ الْقُرْآنِ كَثِيرَةٌ يُبْطِلُهَا قَوْلُهُمْ , لِأَنَّ الْكَاتِبَيْنِ أَحَدَهُمَا يَكْتُبُ الْحَسَنَاتِ , وَالْآخَرَ السَّيِّئَاتِ , وَالْأَخْبَارُ بِهَذَا جَاءَتْ , وَالْوَزْنُ إِنَّمَا هُوَ لِلْحَسَنَاتِ , وَالسَّيِّئَاتِ , فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ بِالْحَسَنَاتِ نَجَا , وَمَنْ ثَقُلَتْ بِالسَّيِّئَاتِ , وَخَفَّتْ بِالْحَسَنَاتِ هَلَكَ , فَإِذَا لَمْ يَجْتَمِعْ لِلْعَبْدِ حَسَنَاتٌ , وَسَيِّئَاتٌ فَمَا مَعْنَى الْوَزْنِ ؟ وَمَا الَّذِي يُوزَنُ ؟ وَمَنِ الَّذِي اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُ , وَسِيِّئَاتُهُ , فَصَارَ مِنْ أَصْحَابِ الْأَعْرَافِ ؟ وَالْأَخْبَارُ فِي الْوَزْنِ , وَأَنَّهُ مِيزَانٌ , وَلَهُ كَفَّتَانِ , يُوضَعُ فِي إِحْدَيْهِمَا الْحَسَنَاتُ , وَفِي الْأُخْرَى السَّيِّئَاتُ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ , وَكُلُّ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ يُبْطِلُهَا الْقَوْلُ بِالْإِحْبَاطِ.وَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى : {لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} {الحجرات) إِلَى قَوْلِهِ : {أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ} {الحجرات) , مَعْنَاهُ عِنْدَنَا : أَيْ لَا تُثَابُونَ عَلَى مُحَاوَرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَمُسَاءَلَتِهِ , وَالِاسْتِرْشَادِ مِنْهُ , وَالْأَخْذِ عَنْهُ , وَالتَّعَلُّمِ مِنْهُ بِالْمُخَاطَبَةِ لَهُ إِذَا رَفَعْتُمْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَوْ أَنَّهُمْ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ الْمُسَاءَلَةِ , وَالِاسْتِرْشَادِ مِنْهُ لَأُثِيبُوا عَلَى ذَلِكَ ثَوَابًا كَبِيرًا , وَأُعْطُوا عَلَيْهِ أَجْرًا عَظِيمًا , فَكَأَنَّهُمْ أَحْبَطُوا أُجُورَهُمْ , وَخَسِرُوا ثَوَابَهُمْ , وَأَبْطَلُوا أَعْمَالَهُمْ بِرَفْعِهِمْ أَصْوَاتَهُمْ فَوْقَ صَوْتِهِ , وَإِنْ لَمْ يُحْبِطْ ذَلِكَ سَائِرَ أَعْمَالِهِمْ . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : {لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} , فِيهَا أَيْ : لَا تُفَوِّتُوا أَنْفُسَكُمْ ثَوَابَهَا , وَلَا تَذْهَبُوا بِأُجُورِكُمْ عَلَى الصَّدَقَاتِ بِالْمَنِّ بِهَا , وَالْأَذَى , وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا غُفْرَانُ السَّيِّئَاتِ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ , فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْكَبَائِرِ الشِّرْكَ , فَيَكُونُ مَا دُونَ الشِّرْكِ , يَجُوزُ غُفْرَانُهَا , وَيَجُوزُ الْعُقُوبَةُ عَلَيْهَا مُدَّةً مَعْلُومَةً , ثُمَّ يَتُوبُونَ بِحَسَنَاتِهِمْ , وَإِيمَانِهِمْ ثَوَابًا دَائِمًا , وَقَدْ قَرَأَ بَعْضُهُمْ : ( إِنْ يَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ ) , فَيَكُونُ مَعْنَاهُ الشِّرْكَ , وَالْكُفْرَ , كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} , فَيَكُونُ مَا دُونَ الشِّرْكِ مَغْفُورًا إِمَّا بِالْمَشِيئَةِ , وَإِمَّا بِالشَّفَاعَةِ , وَإِمَّا بِدُخُولِ النَّارِ إِلَى مُدَّةٍ , ثُمَّ الْجَنَّةِ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ بِالْإِيمَانِ , وَالثَّوَابُ بِسَائِرِ الْأَعْمَالِ عَلَى قَدْرِهَا . وَأَمَّا عَلَى قِرَاءَةِ الْعَامَّةِ , فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَبَائِرِ عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْكُفْرَ , وَالشِّرْكَ أَنْوَاعٌ : الْيَهُودِيَّةُ , وَالنَّصْرَانِيَّةُ , وَالْمَجُوسِيَّةُ , وَالْقَوْلُ بِالدَّهْرِ , وَالتَّثْنِيَةُ , وَالتَّخْمِيسُ , وَسَائِرُ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ , فَكُلُّهَا كَبَائِرُ , وَكُلُّهَا شِرْكٌ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ : {كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ} , الشِّرْكَ , وَيَكُونَ مَعْنَى الْجَمْعِ بِمَعْنَى وِفَاقِ الْخِطَابِ ؛ لِأَنَّ الْخِطَابَ وَرَدَ عَلَى الْجَمْعِ , لِقَوْلِهِ تَعَالَى : {إِنْ تَجْتَنِبُوا} وَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : {تُنْهَوْنَ عَنْهُ} , فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمَعَ الْكَبَائِرَ لِذَلِكَ ؛ لِأَنَّ كَبِيرَةَ كُلِّ وَاحِدٍ إِذَا جُمِعَتْ إِلَى كَبِيرَةِ صَاحِبِهِ صَارَتْ كَبَائِرَ , وَإِنْ كَانَ الشِّرْكُ كُلُّهُ عَمَلًا وَاحِدًا.
فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ , فَلَا يَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ فَرِيضَةً , وَلَا نَافِلَةً نَفْيَهُ , بَلْ يَقْبَلُ فَرَائِضَهُ , وَنَوَافِلَهُ قَبُولَ ثَوَابٍ عَلَيْهَا , وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ قَبُولَ ثَنَاءٍ عَلَيْهِ بِهَا.وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ , أَيْ : لَا يَقْبَلُ فَرَائِضَهُ قَبُولًا يُكَفِّرُ بِهَا هَذِهِ السَّيِّئَةَ الَّتِي هِيَ التَّوَلِّي بِغَيْرِ مَوَالِيهِ , وَإِنْ كَانَتْ صَلَوَاتُهُ مُكَفِّرَةً لِغَيْرِهَا مِنَ السَّيِّئَاتِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ كَفَّارَةُ مَا بَيْنَهَا.
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا كَانَ لَهُ مُعْتَمَلٌ بَيْنَ مَنْزِلِهِ , وَبَيْنَ مُعْتَمَلِهِ خَمْسَةُ أَنْهَارٍ , فَإِذَا انْطَلَقَ إِلَى مُعْتَمَلِهِ عَمِلَ مَا شَاءَ اللَّهُ , فَأَصَابَهُ الْوَسَخُ , وَالْعَرَقُ , فَكُلَّمَا مَرَّ بِنَهَرٍ اغْتَسَلَ مَا يُبْقِي ذَلِكَ مِنْ دَرَنِهِ , فَكَذَلِكَ الصَّلَوَاتُ كُلُّهَا عَمِلَ خَطِيئَةً , أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ , ثُمَّ صَلَّى صَلَاةً , فَدَعَا , وَاسْتَغْفَرَ غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ قَبْلَهُ.
حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ قَالَ : حَدَّثَنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ أَبُو زَكَرِيَّا الْعَلَّافُ بِمِصْرَ قَالَ : حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ : حَدَّثَنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قُرَيْظٍ , أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ , حَدَّثَهُ , أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ , يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , يَقُولُ ذَلِكَ.
وَقَدْ َقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا , فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ : لَا يَقْبَلُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ فَرِيضَةً , أَيْ : لَا يَقْبَلُهَا قَبُولًا يُكَفِّرُ بِهَا هَذَا الذَّنْبَ , كَأَنَّهُ يَقُولُ : صَلَوَاتُهُ , وَفَرَائِضُهُ , لَا يُكَفِّرُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا هَذِهِ الْخَطِيئَةَ , وَإِنْ كَانَ يُكَفِّرُ بِهَا مَا شَاءَ مِنَ الْخَطَايَا.
وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ : الصَّلَوَاتُ كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُمَا مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ , أَوْ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ.
فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنَ الْكَبَائِرِ الَّتِي لَا يُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ , فَكَأَنَّهَا لَا تُقْبَلُ مِنْهُ فِي كَفَّارَةِ هَذَا الذَّنْبِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ الْمَعْنَى الَّذِي يُرَادُ مِنْهُ مِنَ الْقَبُولِ فِي هَذَا الذَّنْبِ , وَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ فِي سَائِرِ الذُّنُوبِ , وَمَعْنَى الْكَبَائِرِ عِنْدَنَا أَنَّ مِنَ الذُّنُوبِ ذَنْبًا هُوَ أَكْبَرُ مِنْ غَيْرِهِ عِنْدَ الْإِضَافَةِ إِلَيْهِ , كَأَنَّ الْبُزَاقَ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ هُوَ ذَنْبٌ , وَلَيْسَ كَشَتْمِ مُسْلِمٍ ,وَشَتْمُ الْمُسْلِمِ خَطِيئَةٌ , وَلَيْسَ كَأَخْذِ مَالِهِ , وَأَخْذُ مَالِهِ ذَنْبٌ , وَلَيْسَ كَسَفْكِ دَمِهِ , فَكُلُّ ذَنْبٍ مِنْ هَذِهِ الذُّنُوبِ أَكْبَرُ مِنْ صَاحِبَتِهَا , وَصَاحِبَتُهَا أَصْغَرُ مِنْهَا , وَإِنْ كَانَتِ الذُّنُوبُ كُلُّهَا كَبَائِرَ مِنْ جِهَةَ النَّهْيِ عَنْهَا , وَكُلُّهَا مَا دُونَ الشِّرْكِ صَغَائِرَ فِي جَوَازِ غُفْرَانِهَا , فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الذَّنْبُ مِنَ الذُّنُوبِ الْكَبَائِرِ الَّتِي لَا يُكَفِّرُهَا الصَّلَوَاتُ , وَمَا سِوَاهَا مِنَ الْفَرَائِضِ , وَلَا يَمْحُوهَا , فَيُبَدَّلُ بِهَا حَسَنَاتٍ , بَلْ لَا يُكَفِّرُهَا , وَلَا يَمْحُوهَا مِنْ دِيوَانِهِ الْفَرَائِضُ إِلَّا التَّوْبَةُ مِنْهَا فِي الدُّنْيَا , فَإِنْ مَاتَ غَيْرَ تَائِبٍ وَافَى الْقِيَامَةَ , وَهِيَ مُثْبَتَةٌ فِي دِيوَانِهِ , فَإِمَّا أَنْ يَغْفِرَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِفَضْلِهِ ؛ لِأَنَّهَا مَضْمُونُ مَشِيئَتِهِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} , أَوْ يَغْفِرَهَا بِشَفَاعَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي , أَوْ يُدْخِلَهُ النَّارَ , فَيُطَهَّرَ بِهَا , ثُمَّ يُخْرِجَهُ إِلَى رَحْمَتِهِ , فَيُدْخِلَهُ جَنَّتَهُ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ , وَإِيمَانِهِ , وَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ , وَهُوَ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ.
حَدِيثٌ آخَرُ.