حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَزْهَرِ الْأَشْعَرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفِرْيَابِيُّ , بِبَغْدَادَ ، حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ , عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ , فَمَرَّ عَلَى جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ : جُمْدَانُ قَالَ : سِيرُوا سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ , قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ , مَا الْمُفَرِّدُونَ ؟ قَالَ : الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ. فَأَخْبَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذَّاكِرُ هُوَ الْمُفْرِدُ الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ , فَذَاكِرُ اللَّهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ مَنْ لَا يَذْكُرُ مَعَ اللَّهِ غَيْرَ اللَّهِ , وَحَوَائِجَهُ غَيْرَ اللَّهِ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخَزَّازُ : بَيْنَا أَنَا عَشِيَّةَ عَرَفَةَ , قَطَعَنِي قُرْبُ اللَّهِ عَنِ رَسُولَ الْلَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثُمَّ نَازَعَتْنِي نَفْسِي بِأَنْ أَسْأَلَ , فَسَمِعْتُ هَاتِفًا يَقُولُ : أَبَعْدَ وُجُودِ اللَّهِ تَسْأَلُ اللَّهَ غَيْرَ اللَّهِ. فَمَنْ شُغِلَ عَنْهَا بِشُهُودِ اللَّهِ أَعْطَاهُ اللَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا حَقَّ مَعْرِفَتِهِ , وَصَرَفَهُ عَمَّنْ سِوَاهُ , وَأَدْنَاهُ مِنْهُ , فَكَانَ جَلِيسَهُ , فَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : أَنَا جَلِيسُ مَنْ ذَكَرَنِي , وَرَفَعَ الْحُجُبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ , فَكَانَ كَأَنَّهُ يَرَاهُ , وَأَعْطَاهُ فِي الْآخِرَةِ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ , وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ , وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ , وَأَحَلَّهُ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ يَقْبَلُ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ نَاضِرٍ , وَيَنْظُرُ إِلَيْهِ بِبَصَرِهِ نَاظِرٌ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ , فَلَوْلَا رَبٌّ رَحِيمٌ , وَيُجِيبُهُ إِلَيْهِ بَرٌّ كَرِيمٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ : مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي أَيْ : مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرُ اللَّهِ لَهُ , مَعْنَاهُ مَنْ شَغَلَهُ شُهُودُهُ ذِكْرَ اللَّهِ لَهُ قَبْلَ إِيجَادِهِ إِيَّاهُ , وَخَلْقِهِ لَهُ , فَجَعَلَهُ مِنَ الْمُوَحِّدِينَ لَهُ , الْمُؤْمِنِينَ بِهِ , الْمُثْنِينَ عَلَيْهِ , نَقَلَهُ مِنْ صُلْبٍ إِلَى رَحِمٍ , حَتَّى أَخْرَجَهُ مِنْ أُمَّةٍ هِيَ خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ , فِيمَنْ يَأْتِيهَا أَنْبِيَائُهُ وَرُسُلُهُ , ثُمَّ أَلْهَمَهُ ذِكْرَهُ , وَعَلَّمَهُ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ , وَأَلْزَمَهُ كَلِمَةَ التَّقْوَى , وَجَعَلَهُ مِنْ أُولِي النُّهَى , فَكَانَ مَذْكُورَهُ بِالِاخْتِبَاءِ حِينَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا , فَقَامَ لَهُ بِحَوَائِجِهِ قَبْلَ حَاجَتِهِ إِلَيْهَا , فَأَعْطَاهُ مَصَالِحَهُ قَبْلَ هِدَايَتِهِ لَهَا , وَأَعْطَاهُ قَبْلَ سُؤَالِهِ أَجْزَلَ الْعَطَايَا , وَوَهَبَ لَهُ أَنْفَسَ الرَّغَائِبِ وَأَحْسَنَ الْهَدَايَا , وَتَكَفَّلَ لَهُ مَا يُصْلِحُهُ لِلدِّينِ وَالدُّنْيَا , فَمَنْ عَرَفَ ذَلِكَ مِنْ رَبِّهِ بِهِ وَسَيِّدِهِ إِلَيْهِ اسْتَغْرَقَ فِي بَحْرِ مِنَنِهِ , فَشَغَلَهُ عَنْ سُؤَالِ مَعْرِفَةٍ مِنْهُ بِعِلْمِهِ بِحَالِهِ , فَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ , وَفَوَّضَ أَمْرَهُ إِلَيْهِ ثِقَةً بِهِ وَمَعْرِفَةً بِنَظَرِهِ لَهُ , فَيُعْطِيهِ اللَّهُ أَفْضَلَ مَا يُعْطِي السَّائِلِينَ , وَيَخْتَارُ لَهُ فِي حِينِ وُجُودِهِ مَا هُوَ أَصْلَحُ لَهُ , كَمَا اخْتَارَ لَهُ فِي عَدَمٍ مَا هُوَ أَرْفَعُ لَهُ وَأَزْيَنُ بِهِ , فَهُوَ يُعْطِيهِ عَلَى قَدْرِ الرُّبُوبِيَّةِ عَزَّ وَجَلَّ , وَالسَّائِلُونَ يَسْأَلُونَ عَلَى قَدْرِ الْعُبُودِيَّةِ , وَهِمَمُ الْعَبْدِ لَا يُجَاوِزُ قَدْرَهُ , وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى , وَاللَّهُ جَوَادٌ كَرِيمٌ . وَالذَّاكِرُونَ عَلَى طَبَقَاتٍ ثَلَاثٍ : فَذَاكِرٌ بِلِسَانِهِ تَسْبِيحًا وَتَحْمِيدًا وَتكبيرا وَتَمْجِيدًا , يَدْعُوهُ بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى , وَيُثْنِي عَلَيْهِ بِصِفَاتِهِ الْعُلَى , انْشَرَحَ صَدْرُهُ بِنُورِهِ , وَاطْمَأَنَّ قَلْبُهُ بِذِكْرِهِ , وَشَهِدَ مَذْكُورَهُ بِسِرِّهِ , فَذِكْرُهُ لَهُ أَنِيسٌ , وَهُوَ لِرَبِّهِ جَلِيسٌ , تَلَذَّذَ بِذِكْرِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ , فَيَسْتَغْنِي عَنْ سُؤَالِهِ , وَالطَّلَبِ إِلَيْهِ.قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} {العنكبوت) يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ : ذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ قَدْرًا فِي الْقَلْبِ الذَّاكِرِ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ مِنْهُ إِلَى حُظُوظِ نَفْسِهِ وَسُؤَالِ حَاجَاتِهِ , فَيُعْطِيهِ اللَّهُ أَفْضَلَ مَا يُعْطِي السَّائِلِينَ إِلَى مَا وَعَدَ لَهُمْ , إِذِ السَّائِلُونَ يَسْأَلُونَ مُحْدَثًا مَخْلُوقًا , وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَعَدَ الذَّاكِرِينَ لَهُ مَا لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ وَلَا مُحْدَثٍ , وَهُوَ ذِكْرُهُ , لِأَنَّ ذِكْرَهُ صِفَةٌ , وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِصِفَاتِهِ قَدِيمٌ , وَيُبَاهِي بِهِمْ مَلَائِكَتَهُ , وَيَرْفَعُ أَقْدَارَهُمْ بَيْنَ خَلِيقَتِهِ , وَيُنَوِّهُ بِأَسْمَائِهِمْ فِي مَلَكُوتِهِ , وَذَاكرٌ بِقَلْبِهِ مُعَظِّمٌ لِرَبِّهِ مُشَاهِدٌ بِهِ , لَمْ يَذْكُرْهُ عَنْ نِسْيَانٍ حِينَ يَجْرِي بِذِكْرِهِ اللِّسَانُ , فَكَانَ كَمَا قَالَ : ذَكَرْنَا وَمَا كُنَّا لِنَنْسَى فَنَذْكُرَ. وَلَكِنْ شِيَمُ الْعَرَبِ يَبْدُو فِيهِنَّ أَسْكَنَتْهُ هَيْبَتُهُ , وَأَخْرَسَتْهُ خَشْيَتُهُ , أَجَلَّ الْحَقَّ أَنْ يَذْكُرَهُ بِلِسَانِهِ , وَلَمْ يَغِبْ عَنْ ذِكْرِهِ لَحْظَةً بِجَنَانِهِ , يَرَى ذِكْرَهُ لَهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ غَفْلَةٌ وَثَنَاءَهُ عَلَيْهِ بِصِفَةِ نَفْسِهِ زَلَّةً , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} {العنكبوت) , قَالَ بَعْضُ الْكُبَرَاءِ : ذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ يَجْرِي بِهِ الْإِنْسُ عَلَى مَا يَسْتَحِقُّهُ , أَوْ تَبْلَغَهُ الْأَوْهَامُ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ , أَوْ تَحْوِيهِ الْعُقُولُ عَلَى قَدْرِ قَدْرِهِ . قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ , فَهَؤُلَاءِ أَخْفُوا ذِكْرَهُ عَنِ الْأَخْبَارِ وَالرُّسُومِ , فَأَخْفَى ثَوَابَهُمْ عَنِ الْمَعَارِفِ وَالْفُهُومِ فَقَالَ {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} {السجدة). قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رِوَايَةً عَنِ اللَّهِ تَعَالَى : أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ , وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ , وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ. وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رِوَايَةً أَيْضًا : مَنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي غَارُوا عَلَى أَذْكَارِهِ , فَغَارَ عَلَى أَوْصَافِهِمْ , فَهُمْ خَبَايَاهُ فِي غَيْبِهِ , وَأَسْرَارُهُ فِي خَلْقِهِ , وَآخِرُ شَاهِدٌ ذِكْرُ رَبِّهِ لَهُ حَيْثُ لَا رُسُومَ وَلَا فُهُومَ وَلَا عِلْمَ وَلَا مَعْلُومَ , كَانُوا مَوْجُودِينَ لَهُ عِلْمًا إِذْ كَانُوا مَعْدُومِينَ رَسْمًا , فَكَانُوا مَذْكُورِينَ , وَلَا ذِكْرَ لَهُمْ , وَمَعْلُومِينَ وَلَا عِلْمَ لَهُمْ , وَمُرَادِينَ وَلَا إِرَادَةَ لَهُمْ , وَمَطْلُوبِينَ وَلَا طَلَبَ لَهُمْ , وَمُخْتَارِينَ وَلَا اخْتِيَارَ لَهُمْ , لَمَّا شَاهَدُوا هَذِهِ الْأَحْوَالَ سَقَطُوا عَنِ الطَّلَبِ وَالسُّؤَالِ , فَكَانُوا فِي حِينِ وُجُودِهِمْ كَمَا كَانُوا فِي عَدَمِهِمْ , تَسْلِيمًا لَأَمْرِهِ وَتَرْكًا لِلِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ . فَالطَّبَقَةُ الْأُولَى مُتَذَكِّرُونَ , وَالثَّانِيَةُ ذَاكِرُونَ , وَالثَّالِثَةُ مَذْكُورُونَ , وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ. حَدِيثٌ آخَرُ.
بحر الفوائد المشهور بمعاني الأخبار للكلاباذي - مشكول - ت محمد حسن إسماعيل - أحمد فريد المزيدي - ن دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان · Hadith 185
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
