نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول #1461
Sahih
نا أبي، عن قبيصة بن عقبة، عن سفيان، عن جعفر بن برقان، عن يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله لا ينظر إلى صوركم، ولا إلى أموالكم وأحسابكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)).قال أبو عبد الله رحمه الله:فإنما ينظر إلى القلوب؛ لأنها أوعية الجواهر، وكنوز المعرفة فيها، وينظر إلى أعمال الجوارح؛ لأن مبتدأ الأعمال من القلوب، فإذا نظر إلى الجواهر، فوجدها طرية كهيئتها، محروسة من آفات النفس، مكفوفة عن تناول النفس، وتلمسها شبقاً، شكر لعبده به، فزاده في الجواهر، وبصره بأقدارها وأخطارها حتى يزداد بها غنى، ومن استغنى بالله؛ فلا قوي أقوى منه، وقد أيست النفس من إجابتها، وأيس العدو من غوايته، فإنما ندب العبد إلى التقوى، وصار العبد لله ولياً؛ بأن حرس ما في قلبه من المعرفة، وصيره في وقاية من آفات النفس، فلا يصل إليه آفاتها؛ من أجل صون تلك الجواهر.فإن العدو يأتي بأضدادها، يريد أن يضعها في تلك الأمكنة، وينفي عن قلبه ما وضعه الله تعالى، فإن لم يقدر على النفي، غطاه بما أورد عليه، فلبس عليه؛ بمنزلة رجل في يده جواهر، ودنانير، فأكب عليه خائن مخادع يصحبه، ويخالطه في الأخذ والإعطاء، فإذا أخذ منه جوهراً لينظر إليه، وهي ياقوتة حمراء، فلا يزال يقلبها في كفه ينتظر بلاهته، ويلتمس غرته، حتى يبدله بها خرزة حمراء صافية تشبهها، وصاحبه قليل البصر بالجواهر، إنما معرفته بها إلى ما ينظر من ظاهرها، ويأخذ منه لؤلؤة، فيبدل بها عظماً صافياً يشبهها، ويأخذ منه زمردة، فيبدل بها فلقة من جوهر الزجاج، ويأخذ منه ديناراً، فيبدل به فلساً أصفر مدوراً، فهو لا يعرف من الدينار إلا صفرته، وتدويره، وكتابته، ومن الزمرد إلا خضرته، ومن اللؤلؤة إلا بياضها، ومن الياقوتة إلا حمرتها، فإذا رأى مثلها من الهيئة واللون والصورة، لم ينكر ذلك. فكذلك هذا الموحد، أعطي المعرفة ليوحد، ويتوجه إلى الواحد، ويقبل على الواحد، ويبذل له نفسه عبودة، ويأتمنه على نفسه، ويتخذه وكيلاً، ويفوض إليه أمره، ويترك التدبير عليه، ويثق به، ويركن إليه، ويتذلل لربوبيته، ويتواضع لعظمته، ويتزين لبهائه، ويتخذه عدة لكل نائبة من دنياه أو آخرته، فلما رأى العدو ذلك، حسده، وشمر لاستلاب ما أعطي العبد، فلم يقدر أن يكابره، ويستقبله بالقهر، كما قهر الكفار، وكابرهم، ولكنه خادعه، وأخفى خداعه في ظل النفس، فهو يوسوس إلى النفس، والنفس توسوس إلى القلب.فإذا كان القلب أبله، ورفض الكياسة، وكان مستشغلاً في نوم البلاهة، والغفلة، انخدع لما يورد العدو، فأورد على توحيده شرك الأسباب بدلاً، وبالتوجه إليه توجهاً إلى أولياء الأسباب، وبالإقبال عليه إقبالاً على أحوال النفس، وببذل النفس له عبودةً بذل النفس لمناه وشهواته، وبائتمانه على نفسه ائتمان ما جمع وحوى من الدنيا، وباتخاذه وكيلاً، اتخاذ علمه، وبصره، وحذقه بالأمور وكيلاً، وبالتفويض إليه تفويضاً إلى تدبيره، وقوته مقتدراً، وبالركون إليه ركوناً إلى حزمه، فلبس ما أعطي من الكنوز بهذه الأشياء، فانقطعت قوته، ومادة معرفته من الله.فأي مغبون أعظم غبناً من هذا، فبعداً له؛ لأنه قد ترك نصيحة الله له؛ فإنه أنزل عليه نصيحته تنزيلاً، فقال تعالى: {يأيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون}.فإنما يذكر الله من وحده في جميع أموره ديناً ودنيا، وتوجه إليه في جميع نوائبه، وحوائجه، وأقبل عليه بكل همومه، وبذل نفسه بذل من يعلم أنه مملوك مخلوق من تراب، ممنون عليه بخلقه، وبعظائم المنن، وائتمنه على نفسه سكوناً إليه، وثقة به، واتخذه وكيلاً، فاستراح من المخاوف، وفوض إليه، وقعد ببابه ينتظر خروج تدبيره إليه، وركن إليه ركون من استند إلى جبل شامخ لا يقدر أن يؤتى من قبله، فاطمأن، فمن ألهاه حب ماله، وولده عن ذكر الله بهذه الأشياء، فخسرانه أعظم من أن يوصف؛ لأنه خدع، فأبدل بما أعطى من الجواهر من الخرز والخزف، والزجاج، والعظام، والفلوس.فليت شعري في أي وادٍ بقي توحيده، وفي أي وادٍ هوى؟! {أولئك ينادون من مكانٍ بعيدٍ}.
أَبِي هُرَيْرَةَ، ← يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ ← جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ ← سُفْيَانَ، ← قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، ← أَبِي
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · المجلد السادس · Hadith 1461
