نا علي بن حجر، قال: نا يحيى بن حمزة الدمشقي، عن أبي معيد، عن حيان أو حبان بن حجر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يأتي على الناس زمانٌ القرآن في وادٍ، وهم في وادٍ غيره)).فإنما صار في واد؛ لأن جواهرهم ودنانيرهم قد صارت خرزاً وخزفاً، وفلوساً، فإن القرآن كلام رب العالمين، جرى إليهم من أصل الجواهر؛ ليعقلوا عنه كلامه بأنوار تلك الجواهر، فإذا خدعهم العدو بنفخة الكبر فيهم، ونفثة الشهوة، وسلطان الهوى؛ صارت هذه الأشياء بدلاً، فلم يوجد للخرز والخزف والفلوس أنوار تشرق، فيستنير الصدر لكلام رب العالمين.ولم يتراء لعين الفؤاد في ظلمات الكبر تلك المعاني، واللطائف، هيهات، ما أبعد ما وقع للقوم! انخدعوا للعدو بجعامة النفوس حتى أهلكهم، قال الله تعالى: {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق}.تلك قلوب عز ربي وجل عن أن ينظر إليها، حتى ترمي الخزف، والخرز، والحصاة، والفلوس، بدل تلك الجواهر، تلك قلوب صرفها الله عن آياته، ودلائله، فعميت.تلك قلوب طردها، وأعرض عنها، فشغلها عن نفسه بما رث عليهم من دنياه الخربة، من زينتها، ولهوها، ولعبها، ومتاع غرورها.تلك قلوب غار الله في سمائه وعلى عرشه أن يرمي فيها فرحاً بنفس دينه، والدنيا رثة خلقة، وشهوات ردية، فطمسها عن الفرح به، والفرح بفضله ورحمته، فالقلوب المضروبة بالطمسة معرض عنها خالقها، وإذا أعرض عن قلب، صار الصدر كنهار قد غربت شمسه، وأتى الليل بلباسه، فإذا جاء الليل، انقبضت النفوس، والتف بعضها ببعض رعباً وجبناً.وكذلك القلب، إذا أظلم الصدر بتلبس العدو، وشهوات النفس وأفراحها؛ انقبض القلب، وذبل وافتقر، وصار أسير النفس.فالفرح بالله له برد يطفئ حرارة النفس، وله شعاع ينير الصدر، وبصائر النفس، وله حياة تميت جميع الشهوات بتلك الحياة، ويدعوك إلى الخالق الذي أجراها إليك حتى يؤديك إليه، وله حلاوة تسكرك عن كل حلاوة دونه، وله لطافة تجري إلى جميع عروقك، حتى تتأدى إلى مخ أعظمك، ويشتمل على روحك، وله لذة تلهيك عن كل شيء دونه، وله قوة تبعثك على كل صعب، فيهون عليك، وله يسر يغنيك عن كل شيء دونه، وله بشرى يغرق فيها جميع آمال قلبك ومنى نفسك، ويهيم قلبك في تلك البشرى هيمان من تاه في المفاوز، ودقت الدنيا والآخرة في جنب ذلك الفرح، ووله قلبك ولوه من خرجت الدنيا والآخرة منها، والفرح بأحوال النفس ودنياها، وله حرارة تحرق وجه القلب وساحته، وهي الصدر، حتى يصير للقلب حزونة من الحريق كحزونة الأرض، فتصبح حزيناً على فوت الدنيا، وعلى فوت درك منى النفس، ويمسي كذلك حزيناً، فذاك بفيض الله، فليعمل ما شاء من أعمال البر.وروي عن أبي جعفر محمد بن علي: أنه قال: من أصبح ساخطاً على الدنيا، أصبح ساخطاً على ربه.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 1462
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
