نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول #1178
حدثنا صالح بن عبد الله، قال: حدثنا يوسف بن عطية، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أصابه الرمد، أو أحداً من أهله، أو من أصحابه، دعا بهؤلاء الدعوات: ((اللهم أمتعني ببصري، واجعله الوارث مني، وأرني ثأري فيه، وانصرني على من ظلمني)).قال أبو عبد الله:فالمتعة بالبصر: استعماله فيما له ركب في العين، فإن الله –تبارك وتعالى- جعل البصر من هذا الجسد بمكان علي، ومحل رفيع.ألا ترى أنه قد جاء في الخبر: ((إن العبد يؤخذ يوم القيامة بنعمة البصر، فيوجد قد استفرغ جميع حسنات العبد، وبقي سائر النعم عليه مع التبعة)).ومن رفيع درجة البصر على سائر الجوارح: أنه به ينظر إلى الله في داره يوم الزيادة، وبه يلذ تنعماً برؤيته، فمن يقدر أن يحيط بكنه هذه المرتبة؟ وبه ينظر إلى العبيد في الدنيا، فالعين قالب البصر، والبصر من نور الروح، ولكل ذي جسم لطافة، والروح مسكنه في الدماغ، ومقامه في الوتين، وهو نياط القلب، ثم هو متفشٍّ في سائر الجسد، من الظفر إلى شعر الرأس، فنفخ فيه الروح من طرف إبهامه في المبتدأ، ثم يخرج منه عند القبض من طرف لسانه؛ لأنه -تبارك وتعالى- اسمه رفع درجة اللسان على سائر الجوارح بالتوحيد، فبه يظهر ما في القلب.وروي عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه: أنه قال: ((ما من شيءٍ أحب إلى الله من بضعة لحمٍ، وذلك لسان المؤمن، وما من شيءٍ أبغض إلى الله من بضعة لحمٍ، وذلك لسان الكافر)).فجعل سبيل الروح عند خروجه من طرف لسانه؛ ليكون آخر الجوارح موتاً، فتكون حركة لسانه عند خروج الروح منه بالتوحيد، فإن التوحيد والحياة مع العقل والمعرفة، وبالحياة يتحرك، وكما أن النفس قالب للروح، فكذلك الروح قالب للحياة، فإذا خرج الروح، كان ما لطف منه، باقياً مع الحياة والمعرفة والعقل، فبالحياة حركة لسانه، والمعرفة والعقل معه، فيمتلئ الجسد من تلك الحركة نوراً يصعد بذلك النور ما لطف من الروح إلى الله، فيلحق بما خرج منه من المتجشم.ألا ترى أن الميت قد تراه يهدأ ساعة بعد اضطراب شدقيه،وخروج الروح، حتى تظن أنه لم يبق شيء، ثم تجده يحرك لسانه، ويتحرك بعض جوانب شدقيه، فذاك الباقي ما لطف من روحه، يلتمس من المؤمن نوراً من ذكر في نفسه ربه بباقي الحياة والعقل والمعرفة، فالروح نور، والعقل نور، والمعرفة نور، ولكل نور بصر، (وللعقل بصر)، والمعرفة بصر، وبصر العقل متصل ببصر الروح، ولطافة الروح ما رق منه وصفا، فهو في العين، فإذا نظر الناظر إلى حدقة عين، أبصر تلك الرقة واللطافة في الحدقة في ذلك السواد، فتلك لطافة الروح كالماء، وبصر الروح في تلك الإنسانة التي في الحدقة، فذلك النور المشرق فيه، فهو بصر الروح، والضوء من خارج، وإدراك الألوان من بين هذا النور الذي في الإنسانة، وبين هذا الضوء الذي من خارج، وإدراك الألوان من بين هذا النور الذي في الإنسان، وبين هذا الضوء الذي هو خارج، ضوء نهار كان أو ضوء سراج بالليل، وحين لا يجتمعان، لا يدرك الناظر بعينيه الألوان، فهذا لعامة الآدميين.ثم خص الموحدون من ولد آدم عليه السلام بأن أرواحهم من النور أصله، وأرواح الكفار من نار، ليس للكافر عقل، فخلص الموحد بالعقل، فاجتمع نور التوحيد، ونور العقل، ونور الروح في تلك الإنسانة، فإن لكل نور بصراً، فاجتمعت هذه الأسرار في هذه الإنسانة المركبة في هذه الحدقة، فبها يبصر العبد نور الدنيا، وسهل له أمور الآخرة، ثم خص الأولياء من الموحدين بنور القربة، ولذلك النور أيضاً بصر، فالنور في القلب، وبصره في بصر العين؛ فبقوة ذلك يتفرس، والفراسة هي شبيهة بالغيب.وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنه دخل عليه الأشتر في زمانه من قبل أن يظهر منه ما ظهر يوم الجمل وصفين، قدم على عمر في وفد اليمن، فصعد فيه البصر وصوبه، فقال: أيكم هذا؟ قالوا: هذا مالك بن الحارث، فقال عمر: ما له قاتله الله؟! كفى الله أمة محمد شره، إني لأحسب أن للمسلمين منه يوماً عصيباً.
اَنَسِ بْنِ مَالِکٍ، ← يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ ← يوسف بن عطية ← صَالِحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · المجلد الخامس · Hadith 1178
