نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول #1426
فحدثنا به الجارود بن معاذ، قال: نا وكيع، عن زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبي، عن علي -كرم الله وجهه-: أنه قال -عندما بلغ ذكر خلق الإنسان في هذا الحديث- قال: ثم خلق الإنسان يغلب الريح يتقيها بيده، ثم خلق النوم يغلب الإنسان، ثم خلق الهم يغلب النوم، فأشد خلق ربك الهم)).فهذا موافق لحديث أنس؛ لأنه إذا صار ممن يتصدق سراً يخفي ذلك السر بيمينه من شماله، كان قوياً، فهذا تمثيل، فاليمين: هي القلب، والشمال: هي النفس.ألا ترى أن الطاعات تخرج من إيمان القلب والمعاصي، وفساد الطاعات إنما تخرج من شهوات النفس والهوى؟فتأويل هذه الكلمة عندنا الذي قال: ((يتصدق بيمينه يخفيها من شماله)):أي: يتصدق بقلبه، ويخفيها من نفسه، فالإيمان في القلب، والهوى في النفس، فإذا أخفاها من الهوى، فهذا إنسان يغلب الريح، يتقيها بيده؛ كما وصفه علي رضي الله عنه؛ لأن الهوى تنفس النار، فهو ريح يخرج منها، فتمر بباب النار، فتحمل شهوات الآدمي إلى المواضع التي قد ركبت في الآدمي من تلك الشهوات، حتى ينشرها، فتشتعل في العروق، فتأخذ القلب.فقوله: ((يتصدق بيمينه يخفيها من شماله))، وقوله: ((يغلب الريح يتقيها بيده))، كلاهما مرجعهما إلى شيء واحد، وهو: أن يعمل عملاً مبتدؤه من الإيمان من القلب، فيسره الهوى، وإسراره: أن يرمي به خلف ظهره، ولا يلتفت إليه، ولا يجعله نصب عينه، حتى يعجب به، أو يرى لنفسه عملاً، فيتكل عليه ويرجو النجاة بذلك غداً، والالتفات إلى الأعمال: التفات إلى النفس، وتلك حظها، فهي تركن إلى ذلك، وتعتده، وتثق به، حتى ترجو النجاة به، فإذا هو قد تعلق بالأعمال، واتخذها ولياً من دون الله، ونزع يده من التعلق بالرحمة، فوكله الله إلى نفسه، وإلى عمله، فمنها بدأ هلاكه.ولذلك قال: ((يا داود بشر المذنبين، وأنذر الصديقين، قال: وكيف ذلك يا رب؟ قال: بشر المذنبين: أن لا يتعاظمني ذنبٌ أغفره، وأنذر الصديقين: أن ليس أحدٌ منهم أنصبه للحساب، وأقيمه علىعدلي إلا هلك)).فالملتفت إلى أعماله يريد أن ينجو من ربه بأعماله، وإذا هو هالك.وهذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس أحدٌ منكم ينجيه عمله))، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ((ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله منه برحمته)).فالذي يغلب الريح هو الذي يغلب هواه، وكل بر يعمله لله، وأبر الأمور عنده: ما ثقل عليه؛ لأنه يعلم أنه أصفى، وأبرأ من هنات النفس، وموردات الهوى، فهو يجتهد أن يخفيها من نفسه.فأما المقربون: فإنهم عملوا لله نصب العين، كأنهم يرونه، ثم شغلهم الترائي بجلاله وعظمته عن العمل، فصار العمل من وراء، وعظمة الله وبهاؤه وجلاله قبالة عيني الفؤاد في الصدر، وغاب العمل عن الانتصاب.فلو أن أحدهم صار له عمل الأولين والآخرين، لتلاشى في عينه، إذا صار قبالته ما وصفنا، وطار عنه ذكر العمل، ورأى غناه في عظمته، وزينته في جماله، وشرفه في جلاله، ودرك مناه في بهائه.وإنما قلنا: إن حديث علي موافق لحديث أنس؛ من أجل أن النوم في الظاهر يغلب الإنسان، وفي الباطن النوم هو الغفلة، لا غفلة القلب، ولكن غفلة النفس عن أحوالها في الدنيا، فإذا جاءت الغفلة، نام القلب عن شهوات النفس وأحوالها، وأفراحها، فإذا جاء الهم، طار النوم، فحيي القلب بالله،فذاك الهم في الظاهر هم الأحوال، وفي الباطن هم ربه، فلذلك: قدر أن يتصدق بقلبه، ويخفيها عن نفسه؛ لأن صفته في الباطن على ما وصفنا أن همه بربه قطع نومه عنه، وأيقظها، وكل شيء ذكره قبل ذلك من الخلق.فرجع الكلام إلى ما قلنا: إن المؤمن إذا صار بهذه الصفة، كان أشد وأقوى من الأرضين، والجبال، والحديد، والنار، والماء، والريح، فهو أشد خلق ربك؛ لأن ذلك الهم قد غلب الأشياء كلها التي قد تقدم ذكرها.فلذلك قال ابن مسعود لعمر: إنا لنجد أن عمل مؤمن في يوم واحد أثقل من سبع سماوات وسبع أرضين.وقال موسى فيما روي عنه أنه قال: يا رب! إني أجد صفة قوم في قلوبهم من النور أمثال الجبال الرواسي، تكاد البهائم تخر لهم سجداً إذا رأوهم، من النور الذي في قلوبهم، قال: يا موسى! تلك قلوب طوائف من أمة أحمد، إنما بلغوا ذلك، بإقبالهم على أنفسهم، وذمهم لها، وإنما هلك من هلك من قومك بالعجب من أنفسهم.وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن لله ملائكة موكلين بأرزاق بني آدم، ثم قال: ((أيما عبدٍ وجدتموه جعل الهم هماً واحداً، فضمنوا رزقه السماوات والأرض والطير وبني آدم)).فإذا صار هم القلب هماً واحداً، ذهب بال نفسه وهمومها وأشغالها، وخلا القلب بربه، فلذلك قال علي -كرم الله وجهه-: أشد خلق ربك الهم.فإنما هما همان:فهم النفس: من أحوال الدنيا يطرد النوم وينفيه.وهم القلب: من أحواله في الملكوت قد طرد عنه النوم: نوم القلب، ونوم العين.فأما قول عيسى عليه السلام: إن الله يقسم الثناء كما يقسم الرزق.فإنما يقسم الثناء على القلوب، على أقدار محل العباد عنده، وإنما يجعل العباد عنده حيث يحلون ربهم من قلوبهم، وذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أحب أن يعمل ما منزلته عند الله، فلينظر ما منزلة الله في قلبه؛ فإن الله ينزل العبد من نفسه حيث أنزله العبد من قلبه)).فقلوب الخلق في قبضته، وبين إصبعين من أصابعه، فيرى القلب من محل العبد عنده من صدق العبودة، وتذلَله له، ومد عينه إليه مراقباً، حتى يحبه العبيد، وذلك قوله تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وداً}.ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من هاب الله، أهاب الله منه كل شيءٍ، ومن خاف الله، أخاف الله منه كل شيءٍ، ومن أحبه، حببه الله إلى عباده، وأثنى عليه)).وهو قوله تعالى لموسى عليه السلام: {وألقيت عليك محبةً مني ولتصنع على عيني}، وقوله تعالى عند ذكر أنبيائه -عليهم السلام-: {وتركنا عليه في الآخرين}، فإنما ينزل الثناء على القلوب، ويظهر السمات على شخص.
عَلِيٍّ کَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ ← الشَّعْبِيِّ ← زَکَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ ← وَكِيعٌ، ← به الجارود بن معاذ،
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · المجلد السادس · Hadith 1426
