نا أبو بكر بن سابق الأموي، قال: نا أبو مالك الجنبي، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: {سيجعل لهم الرحمن وداً}، قال: ((إن الله تعالى أعطى المؤمن المحبة والمقة والمهابة في صدور الصالحين)).ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أولياء الله الذين إذا رؤوا، ذكر الله)).وروي في حديث آخر، قال: قال موسى: يا رب! من أولياؤك؟ قال: الذين إذا ذكروا، ذكرت، وإذا ذكرت، ذكروا.وقيل: يا رسول الله! من نجالس؟ قال: ((خياركم))، قالوا: ومن خيارنا يا رسول الله؟ قال: ((من يذكركم الله رؤيته، ويزيد في عملكم منطقه، ويزهدكم في الدنيا عمله)).فكما كان بين الرزق تفاوت في القسمة، فكذلك الثناء له تفاوت في القسمة، فقسمة الرزق على التدبير في الباطن، وقسمة الثناء له على منازل العبد في الباطن، في كينونتهم له عبيداً، وتسليمهم إليه نفساً، ولأمره انقياداً، ولأسمائه علماً، فيورثهم خشوعاً وطمأنينة وثقة، فإذا هبته، هابك الخلق، وإذا عظمته، عظمك الخلق، وإذا أحببته، أحبك الخلق، وإذا وثقت به، وثق بك الخلق، واطمأنت نفوسهم لك، وإذا أنست به، أنس بك الخلق،وإذا نزهته، نظر إليك الخلق بعين النزاهة والطهارة، تحكي لقلوب الخلق عن قلبك ما لربك من قلبك، فإن شئت، فازدد، وإن شئت، فانقص؛ فإن انتقصت، فإنما تنتقص حظ نفسك، فمنتهى قسمة الثناء إن خلط ذكره بذكره، وجعل على شخصه طلاوة سماته، فإذا رأوه، ذكروا الله.قال له قائل: وما تلك السمات؟.قال: سمات الحظوظ.قال: حظوظ ماذا؟.قال: حتى تخرج من المهد، وتنفطم من الارتضاع، فعندها تعرف السمات -إن شاء الله-.قال: وما المهد؟ وما الفطام؟.قال: إن الإنسان من حين يولد فهو راكب هواه، مستبد بأموره، غير مفارق لشهواته ونهماته ومناه، مقتدر، جبار، متكبر، متملك في ملك الله، هذا حاله إلى أن يشيخ ويكبر، فهو في بقبقته ومناه كالصبي في المهد، يريد في كل أمر أن يبره ويلطف ويعطف عليه، ويعمل بهواه، ويعلل كالصبي، ويداري ويوافق في مشيئاته، فهذا يدخل قبره، لم يدخل في عبودة الله قط، ولا تولى الله قط ولاية الحق، إنما تولاه ولاية التوحيد، وحده بما من عليه من عقد الإيمان، وقبل منه الإيمان، والإسلام، أن يكون مطمئن القلب بالله في كل حال، ساكناً عند أحكامه، مسلماً له جميع جوارحه عند أمره ونهيه، ثم هو عبد آبق منخلع العذار، مستبد، هوجٌ، جموح، إذا أمره، تثاقل وحزن، وإذا نهاه، جمح، وإذا قسم له بحسن تدبيره من الأحوال،أرسل مشفريه كمشفري البعير، وعبس وجهه، وانقبض انقباض القنفذ، وإذا حكم عليه، التوى، ودلك بقدميه على الأرض.فهذا: عبد دنياه، وعبد بطنه، وعبد فرجه وشهواته ومناه، فمن أن يقدر هذا أن يعظم أمر الله، ويعظم حقوقه، ويتذلل له عبودة؟! ومتى يصير هذا عالماً بالله، عارفاً له، وعارفاً لمننه وإحسانه، شاكراً، خاشعاً، خاضعاً، خائفاً لزوال النعمة، مستحيياً منه؟.هيهات، ما أبعد هذا! فهذا رضيع في المهد، فأين يكون غداً من تلك العرصة العظيم شأنها، ومن تلك الصفوف، كما يكون الصبي في محافل الدنيا مع مخاطه، وأدناسه، ولهوه، ولعبه، وخرقه من وراء الباب، لا يعبأ به، ولا يهيأ له مجلس، والذي فطم حتى شب، وتأدب، والتحى، وأخذ الزينة، والهيئة، والبهاء من اللباس، والأدب أين يقعد؟.فكذلك: من فطم نفسه عن الشهوات، والمنى عن ارتضاع حلاوة الدنيا، ورمى تعلل نفسه وبقبقته، ورفع باله عن الخلق، ماذا يقال له؟ وماذا يكون؟ أعتقه الله من رق النفس بأنوار الهدى، وحشا صدره من أنوار الحظوظ، ووسمه بسماته.فالدنيا كلها تحت قدمه، والخلق من وراء ظهره، والله تعالى نصب عينيه، يتخطى على أعناق الخلق في الموقف إلى الله تعالى، يشق الصفوف صفاً صفاً، ويقال له: ادن، حتى يغبطه الناظرون إليه من أهل القربة، وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 1429
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
