نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول #1166
Sahih
حدثنا رزق الله بن موسى الناجي، قال: حدثنا معن بن عيسى، قال: حدثنا مالك بن أنسٍ، عن صفوان بن سليمٍ، عن عطاء بن يسارٍ، عن أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم، كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب؛ لتفاضل ما بينهم))، قالوا: يا رسول الله! تلك منازل الأنبياء فلا يبلغها إلا هم؟ قال: ((بلى، والذي نفسي بيده! رجالٌ آمنوا بالله، وصدقوا المرسلين)).فأهل الغرف: أهل عليين الذين قد ارتفعت درجاتهم إلى قرب العرش، فالاغتراف: الارتفاع، ويقال في اللغة: اغترف؛ أي: رفع بيده، قال في تنزيله: {إلا من اغترف غرفةً بيده}.فالغرفة: ما ارتفع، والغرف جمعه، وهذه التعالي: الغرف، ومنها سميت؛ لارتفاعها عن الأرض.فالجنة ثلاثة أثلاث: أعلاها للسابقين المقربين، وأوسطها للمقتصدين، وأدناها للمخلطين، وما فيها دني، وعدن: مقصورة الرحمن، خلقها بيده، وزينها ونجدها، وهي معدن النعيم، وجنة عدن: محل الرسل، وجنات عدن: محل الأنبياء -صلوات الله عليهم أجمعين-، والفردوس: محل الصديقين والأولياء، وهي الغرف، وهي سدة الجنة بحيال باب العرش، فوصف رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن أهل الجنان من دونهم يتراءون أهل الغرف من البعد، كما يتراءى أهل الأرض الكوكب الدري في السماء، فتوهم أصحابه أن تلك منازل الأنبياء -عليهم السلام-، فلا يبلغها غيرهم، فأعلمهم بقوله: ((بلى، والذي نفسي بيده!)): أنه يبلغها من ليسوا بأنبياء.وفي هذه الكلمة ما يؤدي أن تلك الغرف ليست بمنازل الأنبياء، وأن الأنبياء فوقهم؛ لأن الأنبياء والأولياء لا يجتمعون في درجة واحدة؛ لأن درجة النبوة فوق درجة الولاية، فالأولياء فوق الغرف في جنات عدن، وعدن كالمدينة، وجنات عدن كالقرى حولها، والفردوس حول جنات عدن كعوالي القرى، والفردوس مضموم إلى جنات عدن، ومنسوب إليها، وما دونها من الجنان كالخيام، والمحلات حول عوالي القرى، وكذلك نجد المساكن في الدنيا إنما هي مدينة، ثم قرى، ثم عوالي القرى، ثم محلات، وخيام، ومراعي في براري.فأعلم في هذا الحديث شأن الغرف؛ لأنها درجة من اتقى، فقال: ((رجال آمنوا بالله، وصدقوا المرسلين))، وهذا إيمان الصديقين، لا إيمان الموحدين المخلطين، ولم يعلم للمخلطين في الغرف حظاً، إنما أهل الغرف أهل الدرجات العلا، وقد وصف الله -جل ذكره- في كتابه فقال: {ومن يأته مؤمناً قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى. جنات عدنٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى}.ثم قال: {وذلك جزاء من تزكى}؛ أي: تطهر من مساخط الله قلباً وقولاً وفعلاً، فإيمان الصديقين إيمان طمأنينة به، وبجميع أحكامه، وتصديقهم المرسلين تصديق ثقة وسكون.
أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، ← عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ← صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ، ← مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ← مَعْن بن عيسی ← رزق الله بن موسى الناجي،
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · المجلد الخامس · Hadith 1166
