نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول #977
حدثنا سفيان بن وكيعٍ، قال: حدثنا محمد ابن بشرٍ، عن علي بن صالحٍ، عن أبي إسحاق، عن أبي جحيفة، قال: قالوا: يا رسول الله! نراك قد شبت؟ قال: ((شيبتني سورة هودٍ وأخواتها)).فالفزع: يورث الشيب؛ وذلك أن الفزع يذهل النفس، فتنشف رطوبة الجسد، وتحت كل شعرة منبع، ومنه يعرق؛ فإذا انتشف الفزع رطوبته، يبست المنابع، فيبس الشعر، فابيض، كما ترى الزرع اخضر بسقياه، فإذا ذهب بسقياه، يبس فابيض. فإنما يبيض شعر الشيخ؛ لذهاب رطوبته، ويبس جلده، ألا ترى أن المسرور يسرع إليه الشيب؟ فذلك لانتشاف الماء؛ وذلك أن المرة يابسة، وهي حظ التراب من الجسد؛ لأن الجسد إنما خلق من تراب وماء، وفيه الروح، وهو بارد، والنفس، وهي حارة.فهو مركب على أربع طبائع: تراب يابس، وماء رطب، وروح بارد، ونفس حارة.فيبس التراب للمرة السوداء، ورطوبة الماء للمرة الصفراء، وحرارة النفس للدم، وبرد الروح للبلغم، فبيبس المرة تأذت المنابع، فيبست، فابيض الشعر.والنفس تذهل لوعيد الله، وأهوال ما جاء به الخبر عن الله تعالى، فتذبل، وينشف ماءها ذلك الوعيد والهول الذي حل بها، فمنه تشيب،وقال الله -جل وعز-: {يوماً يجعل الولدان شيباً}، فإنما شابوا من الفزع.وأما سورة هود، فإن فيها ذكر الأمم، وما حل بهم من عاجل بأس الله؛ فأهل اليقين إذا تلوها، تراءى على قلوبهم من ملكه سلطانه، ولحظاته بالبطش بأعدائه، فلو ماتوا من الفزع، لحق لهم، ولكن الله -تبارك وتعالى- تلطف لهم في تلك الأحايين، حتى يقرأ كلامه.ألا ترى كيف وصف الله في تنزيله شأن الجبال فقال: {لو أنزلنا هذا القرآن على جبلٍ لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله}.فلو نزل على الصخر، لتصدع، وقد تجلى للجبل، فتقعر وساخ واندك وانهار كالرمل، وصار بعضه كالهباء يطير، فلولا أن الله تعالى يلطف بعبده المؤمن حتى يعي وحيه وتنزيله؛ لكان قلبه أسرع تصدعاً من الجبل، فإذا تراءى على قلبه عظمته وجلاله؛ لكان أسرع تقعراً وانقلاعاً وطيراناً، وقد نزل بكثير من عباده نحو من ذلك.وروي لنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الفرق فلذ كبده))؛ أي: قطعه.
أَبِي جُحَيْفَةَ ← أَبِي إِسْحَاقَ ← عَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ ← محمد ابن بشر ← سُفْيَانُ بْنُ وَکِيعٍ
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · المجلد الرابع · Hadith 977
