نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول #680
حدثنا أبو عبد الله محمد بن علي الحكيم الترمذي رحمه الله، قال:حدثنا عمر بن [أبي] عمر، قال: حدثنا سعيد بن أبي مريم الجمحي، قال: حدثنا أبو غسان محمد بن مطرفٍ، قال: حدثني زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أن رجلاً أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله أن يعطيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما عندي شيءٌ، ولكن ابتع علي، فإذا جاء شيءٌ، قضينا)). فقال له عمر رضي الله عنه: هذا أعطيت إذا كان عندك، فما كلفك الله ما لا تقدر، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم قول عمر، فقال رجلٌ من الأنصار:يا رسول الله! أنفق، ولا تخف من ذي العرش إقلالاً، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرف السرور في وجهه لقول الأنصاري، ثم قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بذلك أمرت)).قال أبو عبد الله:فخوف الإقلال من سوء الظن بالله؛ لأن الله -تبارك اسمه- خلق الأرض بما فيها لولد آدم، وقال في تنزيله: {خلق لكم ما في الأرض جميعاً}، {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه}.فهذه الأشياء كلها سخرة للآدمي؛ قطعاً لعذره، وحجةً عليه؛ ليكون له عبداً كما خلقه عبداً، فبكونه له عبداً يقدم عليه غداً، فيحرره من العبودة، ويبعثه ملكاً إلى داره؛ فإن الله -تبارك اسمه- خلق آدم عبداً، وعرض عليه الأمانة، فقبلها، وأخرج ذريته من ظهره حتى أقروا له بالعبودة وقبلوها، ثم رفعه إلى الجنة، فأسكنه فيها وزوجته.كأنه قال: لما خلقتك بيدي، لم أستجز بعد هذه الفضيلة والكرامة أن أتركك على ظهر أرض في خرابٍ وتراب، ولكن أسكنك داري في جواري، فتنعم فيها؛ لأنك صنع يدي، ولقد أسجدت لك ملائكتي؛ ليكون فضلك بارزاً، فإني خلقتك بيدي، وقلت لهؤلاء: كونوا، فكانوا.فحملته الملائكة وزوجته على سريرٍ من ذهبٍ، حتى وضعوه في وسط الجنان يعبد ربه، ويسبح حول عرشه مع المسبحين، وقلده الأمانة وهي جوارحه أن لا يعصي الله بجارحة منها، حتى تكون طواهر كما خلقه، ويزداد بهاءً ونوراً وجمالاً بالعبودة، وسريره بحذاء الشجرة التي من أكل منها خلد فيها، وكانت الملائكة التي يعطون الخلد فيها تحنك بتلك الشجرة، فكانت تدعى شجرة الخلد، فمن حنك منها، أمن، فخلد فيها.والخلد: هو الطول، وليس بالأبد، وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أوتيت مفاتيح الدنيا، فخيرت بين الخلد فيها، وبين لقاء ربي، فاخترت لقاء ربي)).فقد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الدنيا زائلة، فذكر الخلد فيها، وهوالمدة، فقيل لآدم وزوجته: {وكلا منها رغداً حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة}.فإنما كانت عبودته لربه امتناعه من الشجرة فقط، وسائر ذلك كان عبادة من التسبيح والذكر بلا توقيت ولا أمرٍ مفروض، فضيع الأمانة، وأكل من الشجرة بغير إذن رب الشجرة، طلباً للخلد فيها بما غوي من خدعة العدو، وبالحرص على الخلد أظلم قلبه عليه حتى قدر العدو أن يشبه عليه، فيقول له: إنك إن أكلت منها، بقيت فيها، وإني لك ناصح، وأقسم لك بالخالق أني ناصح، ولو انكشفت عنه ظلمة الحرص؛ لاستنار قلبه بأن يقول: كيف أظفر بالخلد، وإنما أكلي منها بغير إذن ربها، أفيتركني فيها بعد أن أخالف إلى ما نهاني عنه؟فقد أجمل الله شأن الحرص في تنزيله، فقال: {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون}. وإنما توقى ما يعطى من النور.فإن الشح وهو الحرص في النفس التي هي معدن الشهوة، والنور في القلب، والصدر بيت القلب والنفس، فإذا فار دخان الحرص، فأظلم الصدر، كان القلب أسيره، فإذا فار النور، وأشرق شعاعه في الصدر، ذهبت الظلمة،فأبصر، فانقمع الحرص، وسكن فورانه، ولم يبق للعدو خدعة، ففي ذلك الوقت ذهبت العصمة من آدم -صلوات الله عليه-، ولم يقو النور، وهاجت من النفس شهوة الخلود فيها، فأتت بظلمة ودخان، فشبه عليه العدو عندما وجد فرصة، فخدعه بالنزهات والهنزات، حتى صرعه عن المقام، ثم ولى هارباً، فأخرج من الجنة، وأهبط إلى الأرض.فكأنه قيل له: فكأنه قيل: إنما خلقناك للعبودة، فأسكنتك جواري؛ لتقضي العبودة، وهي حقي عليك وعلى ولدك، فإنك كنت تراباً، فخلقتك بشراً سوياً، فنفخت فيك الروح، وأعطيتك الحياة واللذة والشهوة وقرة العين.أما الروح: فمن أمري، وأما الحياة: فمن حياتي، وأما اللذة والشهوة: فمن قربي، ولما خلقتك بيدي، فلك من القربة ما ليس لأحد.وأما قرة العين: فمن معرفتك إياي، وإشراق نوري في قلبك، حتى قدرت على أن تعرفني بالغيب، وأنت على ظهر الأرض لا ترى عرشي، ولا حجبي، ولا سلطاني، فعظم حقي عليك، فيسرت عليك العبودة في دار السرور والنعمة، فأبيت إلا أن ترجع لعنصرك الذي منه خلقتك، فارجع إليها، فاقض هذه العبودة في دار الفقر والبؤس والتعب والعناء والنصب حتى تنقضي المدة.ثم تاب الله عليه، ووعده أن يرده إلى الجنة رداً يكون ثواباً للعبودة، فيؤبده فيها دائماً، يخلد ويؤبد.فإنك رجوت الخلد، فتمنيته من غير وجهه، فأنا الذي مننت عليك بخلقك ورحمتك، فمننت عليك بالتوبة، فأعطيتك الخلد، وأضعاف الخلد، وهو الدوام على الأبد حياً باقياً في حياتي وديمومتي، ملكاً في ملكي، نافذ المشيئة في داري، ولكن اقض العبودة التي خلقتك لها في دار الضيق، والضنك، والفقر، والبؤس، وقد كنت اخترت لك داري متعبداً، فلم تستقر، ولم تدعك نفسك وعدوك حتى صرعاك وأرحلاك عنها، فالآن فاعبدني حتى تقضي هذه العبودة أنت وولدك، ثم أحضرك موقفي في يومي، فأحررك، ومن جاء بالعبودة من ذريتك، فأجعلكم ملوكاً في داري.فالمستقيم: من رفع باله وهمته عن هذه الشجرة التي له في دنياه، وكان عظيم همته وباله في إقامة العبودة له، والكون له كما خلقه، فإن رزقه الله ملكاً، فهو عبد كما كان، وإن رزقه مالاً، فكذلك، وإن رزقه عزاً، فكذلك، وإن رزقه قضاء المنى والشهوات، فكذلك، خاشعاً له متذللاً، ملقياً بيديه، سلماً مراقباً لأموره في السر والعلانية، منقاداً لحكمه، يعد نفسه عبداً لا يملك شيئاً، وأحواله عواري يقلبها وليها ساعة فساعة كيف شاء، ليست فيها مشيةً، ويتوقى أن يفكر فيها، فتحدث له مشيئة، ناظراً إلى ما يبرز له مشيئته في الغيب، فخوف الإقلال إنما يضمحل عن القلب من وجهين:وجه: من حسن الظن بالله {فإن ربي غنيٌ كريمٌ}. قد استنار في صدره غناه وكرمه، فإذا أنفق، لم يخف الإقلال؛ لأنه يخلف، ولا يعوزه شيء، بمنزلة رجل في دار الدنيا عامل رجلاً معروفاً بالسخاء وحسن الخلق والغنى، فإن أهدى هدية، سمحت نفسه بذلك، رجاء الثواب بأضعاف ذلك؛ لمعرفته بسخاوة نفسه وغناه، وإذا عرفه بالقلة أو بالضيق والبخل، جبن في ذلك، فهذا وجه.والوجه الآخر: أن يكون رجلاً قد ماتت شهواته، فليس الدنيا من شأنه ولا باله، فقد اجتزأ باليسير من القوت المقيم لمهجته، ثم قد انقطعت مشيئته لنفسه ولعباد الله، ينظر إلى تدبير الله ومشيئته فيهم، فهذا يعطي من يسره وعسره، فلا يخاف إقلالاً؛ لأنه قد رفع باله عن جميع ذلك، وانقطعت مشيئته فيهم، وإنما يخاف الإقلال من له مشيئة في الأشياء، فإذا أعطى اليوم، وله غداً مشيئة في شيء؛ خاف أن لا يصيب غداً، فيضيق عليه الأمر في نفقته اليوم؛ لمخافة إقلاله غداً.
عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، ← أَبِيهِ ← زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، ← أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ، ← سعيد بن أبي مريم الجمحي، ← عمر بن عمر ← أبو عبد الله محمد بن علي الحكيم الترمذي قال:
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · کتاب · Hadith 680
