نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول #532
Sahih
حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن حبيبٍ بن شهيدٍ الأزدي، قال: حدثنا يحيى بن يمانٍ، عن سفيان، عن حبيبٍ بن أبي ثابتٍ، عن ميمون بن أبي شبيبٍ، عن عائشة -رضي الله عنها-، قال: مر عليها سائلٌ، فأمرت له بكسرةٍ، ومر عليها رجلٌ ذو هيئةٍ، فأقعدته، فقيل لها، فقالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا أن ننزل الناس منازلهم.قال أبو عبد الله: فالإكرام غذاء الآدمي، فإذا غذي الطفل بالخبز اليابس، فهو مقبول، والتارك لتدبير الله في خلقه غير مستقيم سبيله، فقد دبر الله الأحوال لعبيده، غنىً وفقراً، وعزاً وذلاً، ورفعةً وضعةً، في هذه الدنيا بالابتلاء؛ ليبلوهم: أيهم يشكر على العطاء، وأيهم يصبر على المنع، وأيهم يقنع بما أوتي، وأيهم يسخط؟ ثم ينقلهم إلى الآخرة، فذلك يوم الجزاء قد انقطعت الأحوال التي دبرها لهم للابتلاء، وجاءت أحوال الجزاء.فالعاقل عن الله: يعاشر أهل دنياه على ما دبر الله لهم، فهذا الموافق لله.فالغني: قد عوده الله النعمة، وهي منه كرامة، لا كرامة ثواب، ولكن كرامة ابتلاءٍ، وكذلك سماه في تنزيله فقال: {فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن. وأما إذا ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول رب أهانن. كلا}.فرد عليه، وأكذبه، كأنه يقول بقوله: كذبت، إني لست أكرم بدنيا، ولا أهين أحداً بمنعها، وذلك ليعلم أن الذي ذكر في مبتدأ الآية من قوله: {فأكرمه} إنما هي كرامة ابتلاء، أعطاه منية، فإذا لم تنزله المنزلة التي أنزله الله، فاستهنت به، وجفوته من غير جرم استحق بذلك الجفاء، فقد تركت موافقة الله في تدبيره، وأفسدت عليه دينه، وأثمته، فقولها: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أن ننزل الناس منازلهم))؛ أي: المنازل التي أنزلهم الله من دنياهم.والآخرة: قد غيب شأنها عن العباد، فإذا سويت بين الغني والفقير في مجلسٍ، أو مأدبةٍ، أو معاطاة من هديةٍ، أو نحوها، كان ما أفسدت أكثر مما أصلحت، فالغني يجد عليك إذا قصيت مجلسه، أو دعوته إلى طعام دون، أو أهديت له شيئاً طفيفاً؛ لأن الله تعالى لم يعوده ذاك، والفقير يعظم ذلك القليل في عينه، ويقنع بذلك، وتلك عادته.وكذلك معاملة الملوك والولاة على هذا السبيل، فإذا عاملت الملوك والسلطان بمعاملة الرعية، فقد استخففت بحق السلطان، وأثنيته على نفسك، وكيف يجوز أن يستخف بحقه، والسلطان ظل الله في الأرض، به تسكن النفوس، ويجمع أمورهم، والناظر إلى ظل الله عليهم في الشغل عن الالتفات إلى أعمالهم، وإنما نفر قومٌ من السلف عنهم، وجانبوهم؛ لاشتغالهم بالنظر إلى سيرهم وأعمالهم، ولو كان لهم طريق النظر إلى ظله؛ لشغلهم ذلك عن النظر إلى أعمالهم، و [ما أ] هانوهم، وأجلوهم، وعظموا حرمتهم، أولئك قوم لم تمت شهوات نفوسهم، ولم يكون لقلوبهم مطالعة ما ذكرت، فخافوا أن يخالطوهم، أن يجدوا حلاوة برهم، فتخلط قلوبهم بقلوبهم، فاحترزوا لأنفسهم أن جانبوهم، وأعرضوا عنهم.والآخرون نظروا إليهم، فشغلوا بما ألبسوا من ظله عن جميع ما هم فيه، فلم يضرهم اختلاطهم بهم، وبهذه القوة كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقون الأمراء الذين قد ظهر جورهم، ويقبلون جوائزهم.وكان مالك بن دينار، ومحمد بن واسع، ومن قبلهم الحسن البصري يلقون الأمراء، ويقبلون منهم، فكانوا يلقونهم بما ذكرت من رؤية ظل الله عليهم، ويظهرون العطف عليهم، والنصيحة لهم، وقد غلط في هذا الباب كثير من الناس ممن يتقدس أو يتورع، وإنما أوتي ذلك من قلة معرفته بتقدير الله الذي عليه أمر العبودة.واحتجوا بحديث ابن عباس رضي الله عنهما.فأما حديث ابن عباس: ((ملعونٌ من أكرم بالغنى، وأهان بالفقر))من قلة معرفتهم بتأويله.فأما حديث ابن عباس، فتأويله عندنا: أن الذي يعظم في عينه هذا الحطام، قد باع آخرته بدنياه، من المنافسة في الدنيا، والرغبة فيها، والأغنياء قد عظم شأنهم في عينهم؛ لما يرى عليهم من قشر الدنيا، والرغبة فيها، وفي أيديهم من حطامها، فيعظمهم، ويتملقهم، ويكرمهم تعظيماً لما في أيديهم، وكائن أن يكون غداً هلاك ذلك الغني ما أوتي، فإذا رأى من قد منع هذا، وزويت عنه الدنيا، ازدراه وحقره، وكائن أن يكون غداً نجاته من هذا الذي زوي عنه، فهذا لغلبة الشهوات التي تغلي في صدره فقد عشق الدنيا عشقاً أسكره عن الآخرة، فيعظم أبناء الدنيا، ويحقر أبناء الآخرة، فهذا مستوجب للعنة الله؛ لأن قلبه ميت، وهو مفتون يكرم مفتوناً.فأما عبدٌ دقت الدنيا في عينه بحذافيرها، ورحم أهل البلاء، فهو يرى الغني مبتلى بغناه، قد تراكمت عليه أثقال النعمة، وغرق في حسابها، يرى عظيم وبالها عليه غداً، فيرحمه في ذلك، كالغريق الذي يذهب به السيل، فقلبه يتعصر عليه، فإذا لقيه، أكرمه، وبره على ما عوده الله، إبقاء على دينه؛ لئلا يفسد، فإنه قد تعزز بدنياه، وتكبر وتاه، وتعظم في نفسه، فإذا حقرته، فقد أهلكته؛ لأن عزه دنياه، فإذا أسقطت عزه، فقد سلبته دنياه، فهذه محاربة، لا عشرة، فإنما تبره وتكرمه مدارياً له على دينه، ورفقاًبه وترحمه بقلبه، وقد صغر في عينه ما خوله الله من الدنيا، فهذا فعل الأنبياء والأولياء، وبذلك أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:((إذا جاءكم كريمُ قومٍ، فأكرموه)).فكريم القوم رئيسهم، ومن عوده قومه الإكرام.ألا ترى: أنه لم ينسبه إلى دين، ولم يذكر منه صلاحاً ولا ديناً، فإذا كان من عوده قومه الإكرام والعز أنت المأمور بإكرامه، فكيف بمن عوده الله، فأكرمه، ونعمه كرامة الابتلاء.
عَائِشَةَ ← مَيْمُونِ بْنِ أَبِي شَبِيبٍ ← حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ← سُفْيَانَ، ← يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ؛ ← إسحاق بن إبراهيم بن حبيبٍ بن شهيدٍ الأزدي،
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · 2-الهمزة مع الفاء · Hadith 532
