شرح السنة للبغوي #2207
2207 - أخبرنا أبو الحسن الشيرزي ، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو إسحاق الهاشمي ، أنا أبو مصعب ، عن مالك ، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، عن يزيد مولى المنبعث. عن زيد بن خالد الجهني أنه قال : جاء رجل إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فسأله عن اللقطة ، فقال : " اعرف عفاصها ووكاءها ، ثم عرفها سنة ، فإن جاء صاحبها ، وإلا فشأنك بها " قال : فضالة الغنم ؟ قال : هي لك أو لأخيك. أو للذئب " قال : فضالة الإبل ؟ قال : ما لك ولها ؟ معها سقاؤها وحذاؤها ، ترد الماء ، وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها ". هذا حديث متفق على صحته أخرجه محمد عن عبد الله بن يوسف صفحة رقم 309 وأخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى ، كلاهما عن مالك. وقال إسماعيل بن جعفر عن ربيعة : " عرفها سنة ، ثم اعرف وكاءها وعفاصها ، ثم استنفق بها ، فإن جاء ربها ، فأدها إليه. وقال سفيان ، عن ربيعة : عرفها سنة ، فإن جاء أحد يخبرك بعفاصها ووكائها ، وإلا فاستنفق بها قال الإمام اللقطة : اسم للمال الذي يوجد ضائعا ، فيلتقط ، حكي عن الخليل أنه قال : اللقطة ، بتحريك القاف : الذي يلقط الشيء ، واللقطة بسكون القاف : ما يلتقط ، قال الأزهري : هذا الذي قاله قياس ، لأن " فعلة " في أكثر كلامهم جاء فاعلا ، و " فعلة " جاء مفعولا غير أن كلام العرب جاء في اللقطة على غير قياس ، وأجمع أهل اللغة ، ورواة الأخبار على أن اللقطة : هي الشيء الملتقط ، وكذلك قال الفراء ، وابن الأعرابي والأصمعي ، والالتقاط : وجود الشيء على غير طلب ومنه قوله سبحانه وتعالى ( يلتقطه بعض السيارة ( [ يوسف : 10 ] وقال عز وجل ) فالتقطه آل فرعون ( [ القصص : 8 ]. والعفاص : الوعاء الذي تكون فيه النفقة من جلد أو خرقة ، أو غير ذلك ، ولهذا يسمى الجلد الذي تلبسه راس القارورة العفاص ، لأنه كالوعاء لها ، وليس بالصمام الذي يدخل في فم القارورة ، فيكون سدادا لها. والوكاء : الخيط الذي يشد به العفاص. صفحة رقم 310 وقوله في ضالة الإبل : " معها سقاؤها وحذاؤها " أراد بالسقاء أنها إذا وردت الماء ، شربت منه ما يكون فيه ريها لظمئها ، وهي من أطول البهائم ظمأ ، لكثرة ما تحمل من الماء ، وأراد بالحذاء : أخفافها ، وأنها تقوى بها على السير ، وقطع البلاد الشاسعة ، وورود المياه النائية. قال الإمام رحمه الله : وفقه هذا الحديث أن من وجد لقطة يعرف عفاصها ووكاءها وعددها ، ثم يعرفها سنة في المجامع وأبواب المساجد ، ويكون أكثر تعريفه حيث وجدها ، فإن ظهر مالكها ، دفعها إليه ، وإن لم يظهر فله أن يتملكها ، فيأكلها ، ويستمتع بها ، سواء كان فقيرا أو غنيا ، ثم إذا ظهر مالكها ، دفع قيمتها إليه ، وهو قول بعض أهل العلم من أصحاب النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ومن بعدهم ، يروى ذلك عن عمر بن الخطاب وعائشة وبه قال الشافعي ، وأحمد ، وإسحاق. وذهب جماعة إلى أنه بعد ما عرفها سنة يتصدق بها ، ولم يكن له أن ينتفع بها إذا كان غنيا ، يروى ذلك عن ابن عباس ، وبه قال عطاء وهو قول سفيان الثوري ، وعبد الله بن المبارك ، وأصحاب الرأي ، والأول ظاهر الحديث ، وقد روي عن سلمة بن كهيل ، عن سويد بن غفلة قال : لقيت أبي بن كعب قال : وجدت صرة فيها مائة دينار ، فأتيت النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال : " عرفها حولا " فعرفتها ، فلم أجد من يعرفها ثم أتيته ، فقال : " عرفها حولا " فعرفتها ، ثم أتيه فقال : " عرفها حولا " فعرفتها ، ثم أتيته ، فقلت : لم أجد من يعرفها ، فقال : " احفظ عددها ووكاءها ووعاءها ، فإن جاء صاحبها ، وإلا فاستمتع بها ، فاستمتعت. فلقيته بعد بمكة ، فقال : لا أدري ثلاثة أحوال أو حولا واحدا. صفحة رقم 311 فهذا يدل على أن الغني يستمتع باللقطة ، فإن أبي بن كعب كان من مياسير الأنصار. وروي أن عليا وجد دينارا على عهد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فأمره النبي [ ] بأكلها ، ولو كانت اللقطة كالصدقة ، لم تحل لعلي بن أبي طالب ، لأنه كان ممن لا تحل له الصدقة. ومذهب عامة الفقهاء أن تعريف اللقطة سنة واحدة ، كما جاء في خبر زيد بن خالد ، والثلاث في حديث أبي بن كعب شك لم يصر إليه أحد من أهل العلم. وظاهر الحديث يدل على أن قليل اللقطة وكثيرا سواء في وجوب تعريفها سنة ، وإليه ذهب بعض أهل العلم ، وذهب قوم إلى أن القليل لا يجب تعريفه ، ثم منهم من قال : ما دون عشرة دراهم قليل ، وقال بعضهم : إنما يعرف ما فوق الدينار ، لما روي عن علي رضي الله عنه أنه وجد دينارا ، فسأل عنه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال : هذا رزق الله ، فاشتر به دقيقا ولحما ، فأكل منه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وعلي ، وفاطمة ، ثم جاء صاحب صفحة رقم 312 الدينار ينشد الدينار ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " يا علي أد الدينار " ففيه دليل على أن القليل لا يعرف. قال الإمام : وقد روي عن عطاء بن يسار أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال لعلي : عرفه. وقال بعضهم : إن كان دون دينار يعرف جمعة ، وهو قول إسحاق وقال قوم : ينتفع بالقليل التافه من غير تعريف ، كالنعل والسوط والجراب ونحوها ولا يتموله ، لما روي عن جابر قال : رخص لنا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في العصا والسوط والخبل وأشباهه يلتقطه الرجل ينتفع به. واختلفوا في تأويل قوله : " اعرف عفاصها ووكاءها " وأنه لو جاء رجل ، وادعى اللقطة ، وعرف عفاصها ووكاءها ووصفها ، هل يجب الدفع إليه أم لا ؟ فذهب بعضهم إلى أنه يجب الدفع إليه من غير بينة صفحة رقم 313 وهو المقصود من معرفة العفاص ، والوكاء ، وهو قول مالك وأحمد ، وقد روي في حديث أبي بن كعب من طريق حماد ، عن سلمة بن كهيل عن سويد بن غفلة ، عن أبي بن كعب " فإن جاء صاحبها ، فعرف عددها ووكاءها ، فادفعها إليه ". وقال الشافعي : إذا عرف الرجل العفاص والوكاء والعدد والوزن ، ووقع في نفسه أنه صادق ، فله أن يعطيه ، ولا أجبره عليه إلا ببينة لأنه قد يصيب الصفة بأن يسمع الملتقط يصفها ، وبه قال أصحاب الرأي وقالوا : قوله : " فإن جاء صاحبها فعرف عددها ووكاءها " لفظ تفرد بروايته حماد من بين سائر الرواة فعلى هذا تأويل قوله : " اعرف عفاصها ووكاءها " لئلا يختلط بماله اختلاطا لا يمكنه التمييز إذا جاء مالكها وليتميز عن تركته إذا مات ، فلا يقتسمها ورثته في جملة تركته ، والدليل عليه ما
زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ← يَزِيدَ، مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ ← رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ← مَالِكٍ، ← أَبُو مُصْعَبٍ، ← أبو إسحاق الهاشمي ← زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ ← أبو الحسن الشيرزي
شرح السنة للبغوي · ( كتاب العطايا والهدايا ) · Hadith 2207
