نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول #1571
Sahih
نا سفيان بن وكيع، قال: نا ابن نمير، عن زكريا بن أبي زائدة، عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة: أن ابن كعب بن مالك حدثه عن أبيه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((ما ذئبان جائعان أرسلا في غنمٍ بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه)).قال أبو عبد الله رحمه الله:فوضع الله الحرص في الآدمي، ثم زمه في المؤمنين بزمام التوحيد واليقين، وقطع علائق الحرص بنور السبحات، فمن كان حظه من نور اليقين، ونور السبحات أوفر، كان وثاق حرصه أوثق، وحنه أحصن، والحرص يحتاج إليه الآدمي، ولكن بقدرٍ معلوم، فإذا لم يكن لحرصه وثاق، وجاءت رياحه بأهبوبها، استقرت النفس، فتعدى القدر الذي يحتاج إليه، فأفسد.قال له قائل: ما الحرص؟ وما حاجة الآدمي إليه؟.قال: إن الحرص مدد القوة الموضوعة في الآدمي، ومثيرها، وعمادها، وهي نارٌ تتقد، ولها خشعة وغليان، وأصلها من نور الحياة، فبقدر ما تتلظى نار الحرص يطير لهبانها في الجوارح، فإذا استعمل تلك الجارحة، استعملها باستفزاز وخفة، وإذا سكن الحرص، فترت القوة، فبالحرص يقوى على بعث الأركان في أعمال البر، وبالحرص يصابر على طاعة الله تعالى، وبالحرص يسمو إلى معالي الدرجات، ومن شأن الحرص الترقي في الدرجات، وطلب الازدياد من كل شيء يناله في الدنيا والآخرة.فحريق الحرص وتلظيه يحرق شهوة كل شيء يناله، لا حرق تلاشي، ولكن يأتي بحريق أشد منه؛ كالنار التي تأكل بعضها بعضاً، فتزداد قوة، فكلما ازداد تناولاً من نهمة شيءٍ من أمر الدين والدنيا، ازداد حريقه تلظياً، وازدادت النار قوةً.ولذلك قيل في الحديث: ((ما أعطي العبد شيئاً من الدنيا إلا زيد مثله في الحرص)).والحرص والصرح: مشتقٌّ بعضه من بعض.فالصرح: البناء العالي المشرف والناتئ على البنيان، وهو قوله: {يا هامان ابن لي صرحاً لعلي أبلغ الأسباب}.فهذا في الظاهر صرح، وذاك في الباطن على تقليب الحروف سمي حرصاً؛ لأنه به يطلب الازدياد، ويترقى في درجات المزيد عتواً وعلواً، كلما نال درجةً من درجات الدين والدنيا؛ سما به حرصه إلى درجة أعلى منها، فلا يزال يترقى حتى يبلغ درجة تكون له منظراً، فإذا نظر إلى من هو دونه من درجات الدين، اعتراه العجب، فأعجب بنفسه، فصال بتلك الدرجة على الخلق، واستطال، فرمي به من ذلك العلو، فلا يبقى منه عضو إلا تكسر وتبدد، وكذلك في درجات الدنيا، إذا رمى ببصره إلى من دونه في الدرجات، تكبر عليهم، فتاه عن الله بكبره، وتجبر على عباده، فخشي تزيده، ففي درجات الدين يقال له: أعجب، وفي درجات الدنيا: يزبر ويزجر.فأعطي الآدمي هذا الحرص؛ ليتقوى به على الازدياد من أعمال البر، كلما نال درجةً، سما إلى ما هو أعلى منها؛ سيراً إلى الله تعالى، وشوقاً إليه، فحرصه مزموم بالخوف والخشية، مشحون بأثقال السكينة والوقار، مقبوض، فصاحب هذا طالب للعلو في الدين، قد عصمه الله من التعدي والإعجاب، وترك الأدب في الدين.ألا ترى إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكرة حيث دخل المسجد والناس ركوع، فركع، ومشى في ركوعه حتى وصل إلى الصف، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((زادك الله حرصاً، ولا تعد))، وقد كان تقدم إليهم، فقال: ((إذا أتيتم الصلاة، فأتوها بالسكينة والوقار، فما أدركتم فصلوا،وما فاتكم فاقضوا)).وقال في حديث آخر: ((التأني من الله، والعجلة من الشيطان)).
مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ، ← زَکَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ ← ابْنُ نُمَيْرٍ، ← سُفْيَانُ بْنُ وَکِيعٍ
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · المجلد السابع · Hadith 1571
