نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول #1332
Sahih
نا إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة ابن كهيل، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن سلمة بن كهيل، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الأشربة من خمسٍ: من الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، والعسل، فما خمر، فهو خمرٌ)).قال أبو عبد الله رحمه الله:قوله: ((الأشربة من خمسٍ))؛ أي: إن هذه أشياء ينبذ عليها الماء، فيستخرج بالماء ما فيهن من القوة.((فإذا خمرته، فهو خمرٌ))! يعني: إذا تركته نيئاً على هيئته التي خرج، فلم يأخذ قوته بالنار، فشربته، خالطت القوة التي فيها قوة العدو الذي أعطي؛ لأنه موكل بما أعطي بهذه الأشربة، فإذا تركتها بقوتها، جاء العدو بما نبذه، فخلطها به، ثم وجد السبيل إلى المعدة بنصيبه، فإذا دخل الجوف، خمر القلب؛ أي: غطاه، وحال بين القلب والعقل؛ لأن العقل في الرأس، وشعاعه في الصدر.فالتدبير للعقل مع القلب في الصدر؛ لأن عيني الفؤاد في الصدر، وشعاع العقل يشرق في الصدر، فبذلك الإشراق يهتدي القلب لما حسن من شأن وما قبح، وإنما نزل القرآن بتحريم الخمر.فالخمر: اسم فيه صفة الفعل الذي يظهر منه الفساد؛ لأنه يخمر الفؤاد؛ أي: يغطيه، ويحول بينه وبين شعاع القلب، فكل شراب كانت فيه هذه الصفة، فقد لزمه اسم الخمر، ولزمه التحريم.ولذلك قال عمر: الخمر ما خامر العقل.أي: غطاه.ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كل مسكرٍ حرامٌ، وكل خمرٍ حرامٌ)).ذلك لتعلم أن الخمر اسم لزم أنواع الأشربة، ولو لم يكن كذلك، لم يقل: كل، ثم بين أن علامة الخمر: كل شيء أسكر، والمسكر هو المفعل للسكر.والسكر: سد العقل، ومنه يقال لسد النهر: سكر، ومنه قوله تعالى: {سكرت أبصارنا}؛ أي: سدت.فهذا الماء جارٍ في النهر، فإذا ألقي في بعض طريقه كيس من التراب، أو غيره، بقي الماء إلى حيث انتهى، وصار ما أسفل من الكيس من بطن النهر خالياً. فكذلك العقل: قراره في الدماغ، ثم شعاعه جار إلى الصدر، إلى عيني الفؤاد؛ لتدبير الأمور، وتمييز الحسن والقبيح، والضرر والنفع، فإذا شرب هذا الشراب، ولم يكن أخذ قوته بالطبخ، فالعدو معه بتصببه يخلص إلى الصدر برجاسته، ونجاسته، فإذا وقعت هذه النجاسة،والظلمة في هذا الطريق بين عيني الفؤاد والرأس، صار سداً، فبقي الصدر مظلماً، وما وراء الصدر مما يلي الرأس، مضيئاً مشرقاً، لا ينفع بذلك عيني الفؤاد، فيبقى الصدر خالياً، كما بقي النهر، ويبقي عين الفؤاد في ظلمة ما جاء به العدو، فسمي ذلك في النهر: سَكراً، -بفتح السين-، وسمي هذا سُكراً -بضم السين-.فمن أجاز طلاق السكران، وفرق بينه وبين المعتوه، والمجنون، والصبي؛ لأن السكر سد، والعقل وراء السد قائم، وهو حجة الله على العبد، بوجوب الأحكام عليه، والصبي لم يعط عقل الحجة، وهو تمام العقل الذي به تقوم حجة الله.وعلامته: أنه إذا تم ذلك النور، فحرارة ذلك النور يؤدي إلى الصلب، فيخرج منه الماء الذي يوجب الغسل، إما بحلمٍ، وإما بجماعٍ.فلذلك صيروا الحلم علامة للإدراك، وجرى الحكم عليه، لأن العقل قد تم، وقبل ذلك كان صغيراً لا يحتمل دماغه ذلك العقل.وأما العتاهة: فهو التحير، وهو أن يهيج من المرة، فيتمادى إلى الدماغ، فيفسد العقل ويخالطه، فليس هناك عقل يقدر أن يعمل شيئاً؛ لأنه قد خالطه، وكذلك الجنون، هو من المرة، فكلما ستر العقل من داء، فذلك يخالط العقل ويفسده، وما كان من شراب، فإن ذلك سد وظلمة من رجاسة العدو، والعقل من ورائه على هيئته، لم يخالطه شيء، إلا أنه متمكن لانسداد الطريق.وقد يكون هذا السد سداً رقيقاً، وسداً كثيفاً، فربما عمل بعض عقله من خلال ذلك السد، ألا ترى أنه يعقل شيئاً، ولا يعقل شيئاً؛ لأن العقل بمكانه لم يخالطه شيء، وفي حال الجنون خالط العقل ذلك الداء؛ لأنه خلص إلى الدماغ.وأما الصبي: فإنه لم يعط تماماً، وهو يزاد قليلاً قليلاً باللطف، حتى يبلغ من السن ما يحتمل ذلك، ويجد العقل مكاناً ينفسح، فالذي فرق بين طلاق السكران، وطلاق المعتوه، والمجنون، والصبي إنما فرق لهذا.وأما الذين لم يجيزوا طلاقه، فإنهم إنما نظروا إلى افتقاد القلب العقل، فإذا افتقد، لم يلزموه شيئاً من الأحكام؛ لأنه إنما تقوم الحجة بالعقل.
النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ← الشَّعْبِيِّ ← سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، ← أَبِيهِ ← أَبِي ← إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة ابن كهيلٍ،
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · المجلد السادس · Hadith 1332
