نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول #1131
حدثنا صالح بن عبد الله، قال: حدثنا يوسف ابن عطية، عن ثابتٍ البناني، عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه أن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يجدون في صدورهم من الوسوسة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كيف أنتم وربكم؟))، قالوا: لا نشك في ربنا، ولأن يقع أحدنا من السماء، فيتقطع أحب إليه من أن يتكلم بما يجد في صدره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الله أكبر! ذاك محض الإيمان)).وكان ثابت يقول: ((اللهم أكثر لنا منه)).وقال عطاء السلمي: اللهم اذهب به عني؛ فإني أخاف أن أكون قد هلكت، فقال لي عطاء: ليتك سألت ثابتاً: لم يقول هذا؟ فانتهيت إلى ثابت وهو يقول: ألا أقول لشيء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((هو محض الإيمان)) أن يزيدنا الله منه.فقد أحكم الله الإيمان في قلوب من اجتباهم وهداهم، ووقعت مشيئته عليهم يوم اختارهم في سابق علمه، وأبرز أسماءهم بالسعادة في اللوح المحفوظ، وأخرجهم في أصحاب اليمين يوم الميثاق، وفزع الشيطان من أين يوسوس إليهم في توحيدهم ما يبطله عنهم، وكيف يجوز ذلك، وقد أخذ الله بقلبه وناصيته، وفي قلبه نوره؟ فكيف يقوم العدو لنوره حتى يطفئه؟ وليس أحد ينشرح صدره بالله، ولم ينطق بلا إله إلا الله إلا بمنة الله عليه، والله أكرم من أن يرجع في منته، فيسلط عليه العدو حتى يبطله.ألا ترى إلى قوله تعالى للعدو: {إني عبادي ليس لك عليهم سلطانٌ وكفى بربك وكيلاً}؛ أي: لم أعطك عليهم من السلطان ما يدخل عليهم في قلوبهم، فتفسد عليهم توحيدهم، وإنما سلطانه في الصدر؛ لأن الصدر بيت القلب، والنفس معدن الشهوات.ألا ترى إلى قوله عز وجل: {يوسوس في صدور الناس}، والشيطان يزين، ويشهي، ويمني، ويحدث في هذا الصدر بهذه الشهوات التي في النفس حتى يضله ويفتنه، فأما القلب، ففيه نور الله، وقد استقر فيه توحيده، وهو الإيمان به، فليس للكفر فيه شهوة، فيدخل الشيطان هناك بظلمته، فيزين له الشرك حتى يفسد توحيده، ولا له إليه سبيل، إنما سبيله فتنة الصدر لهذه الشهوات.ألا ترى إلى قوله تعالى: {وكفى بربك وكيلاً}؛ أي: مانعاً شيطانه من أن يدخل قلبه، والقلب إذا جعل الله فيه نوراً، وأحياه، فقد توكل له بالعصمة، والحفظ، والستر، والتأييد، فهو يكلؤه ويرعاه، والشيطان أخسأ، وأذل، وأقل من يقدر إليه لحاظاً، إنما حديثه على أذن القلب في صدره.فأما قلبه، فقد كفاه الله وكيلاً له، وقال: {حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم}؛ أي: وصل نوره إلى حبة قلوبكم، وحبة القلب هو بضعة اللحم الباطنة، وهذه البضعة الظاهرة يقال لها: فؤاد، وفيها العينان والأذنان، وباب القلب، والبضعة التي في جوفها هو القلب، يقلبها من لم يكلها إلى أحد، ولم يطلع عليها أحد من خلقه، فنزع شهوة الكفر والفسوق والعصيان من ذلك القلب حين أوصل إلى حبة قلبه الإيمان، فليس يعصي مؤمن يريد بذلك أن يعصي الله أو يفسق، إنما يريد قضاء نهمته، والكافر عدو لله، يعصي، ويريد معصية الله، والفسق هو الذهاب بالرقبة، والخروج من أمره، والرد عليه والجحود، فحبب الإيمان، وزينه، وكره الكفر والفسوق والعصيان.فليس يجد المؤمن في نفسه شهوة الكفر؛ لأنه نزعها بإيصال الإيمان إلى حبة قلبه، وهو النور حتى أمن، ثم بقي شهوة الأشياء في قلبه، ثم حرم وأحل، ليبلوه، وقال له: جاهد نفسك في هذه الشهوات الباقية، فقد كفيتك الشهوة العظمى التي تدمر وتهلك، وهذه الشهوات الباقية لي أن أحرم وأحل، ولن أجوز أن أحل تلك الشهوة العظمى، وهي الشرك، فما لم أجوزه أن أحله، فقد كفيتك مؤنته؛ بأن نزعت عنك شهوته، وكرهته إليك، وما جاز أن أحله وأحرمه، فقد أمرتك بمجاهدة نفسك؛ لتحل حلالي، وتحرم حرامي، وتجتنبه، فالمؤمن قد جلاه الله بالإيمان، وطهره، وطيبه وزين قلبه، فإذا وسوس في صدره، أنكر القلب بما فيه من النور، فإنكاره محض الإيمان، وإنما صار محضاً؛ لأنه اهتاج واستنار، ومثل ذلك مثل جمرة قد علاها الرماد بخمودها، فلا يكاد يضيء مما علاها، فوصلت إليها نفخة، فطار عنها رمادها، فتوقدت، وتلظت، واستضاء البيت بتوقدها، فازدادت تلك الجمرة، فصارت محضة بما طار عنها [من] الرماد.فكذلك القلب فيه الإيمان، فقد أسقم، وعلاه رماد حريق الشهوات، من أجل ذلك يضعف، حتى آثر شهواته على أمر الله، وآثر رضا نفسه على رضا ربه، فلما جاءه الوسواس بحديثه وكيده، يريد به نقض توحيده، كان ذلك كمن ينفخ في تلك الجمرة؛ لتتقد، ويطير عنها الغبار، وتلك النفخة هو أمن من الله، حتى يلطف لعبده من لطفه؛ ليفي له بما توكل له من قوله: {وكفى بربك وكيلا}. ولذلك قال عبد الله حيث سئل عن الوسوسة، قال: ذلك برزخ الإيمان، والبرزخ ما بين الشيئين، فلما صار إيمانه ذا غبار، رحم الله عبده، ولطف به في تسليط الوسواس عليه، ثم لطف به من حيث خفي على العباد بالعصمة، فمنع كيده من أن يفسد عليه توحيده، واهتاج الإيمان منكراً لما جاء به، ونافراً عنه، فطار عنه رماد الشهوات، وغبارها، ودخانها، واستوقدت جمرة الإيمان، فأضاءت الصدر، فلذلك صار محض الإيمان؛ لأنه في ذلك بلا رماد، ولا غبار، ولا دخان، ففهم هذا المعنى الذي ذكرنا ثابت البناني رحمه الله، فما أحسبه، فلذلك قال: اللهم زدنا منه. فإنما سأل الزيادة من ذلك اللطف الذي يلطف الله لعبده، والبرزخ الحاجز بين الشيئين، فقد كان الإيمان ثابتاً في القلب، فلما جاءت الوسوسة، كان أمر الله أسرع، فدخل بين الوسوسة، وبين الإيمان؛ ليكون حاجزاً؛ ليكون كما دخل بين البحرين حاجزاً: بحر العذب، وبحر المالح، وكلاهما ملتصقان في رأي العين، فلا يعذب المالح، ولا يملح العذب، وهو قوله تعالى: {مرج البحرين يلتقيان. بينما برزخٌ لا يبغيان}، وقال: {وجعل بين البحرين حاجزاً}، فإنما هو بلطفه حجز بينهما، وقال عز وجل: {وجعل بينهما برزخاً وحجراً محجوراً}. فإنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ذاك محض الإيمان))؛ لقولهم: لأن يقع أحدنا من السماء أحب إليه من أن يتكلم بما يجد في صدره، فصير ذلك الذي وجدوا في صدورهم من الإنكار محض الإيمان، فبان بما قلنا: أن صاحب الوسوسة إنكاره لما جاء به الوسواس فيه كفاية له؛ لأن من شأن المعرفة أن ينكر غيره، ومن شأن الإيمان أن ينفي الكفر، ومن شأن التوحيد أن ينفي الشرك، ومن شأن النور أن ينفي الظلمة، ومن شأن الرب أن ينفي عدوه من حريمه.فإنما يجد المؤمن الإنكار على قلبه من أجل أن في قلبه معرفته، وتوحيده، والإيمان به، وذلك من النور الذي استقر في قلبه، وأن قلبه حريم الله، وحوزه، وبيته، ومنظره، ولم يكل القلوب إلى أحد من خلقه، ولا لهم أن يطلعوا على ما فيها، ولا يعلم مخلوق ما فيها، ولا يعلم بذلك أحد إلا الله، ثم صاحبها؛ بالإحساس، ووجود البشرية، فإذا جاء العدو بالكفر، فإنما جاء بظلمة يريد أن يمزجها بالنور، فلا يطفئه، ولا سبيل له إلى ذلك، وجاء شك يريد أن يمزجه باليقين، فلا سبيل له إلى ذلك، كما لا سبيل إلى من ينظر إلى شمس تضيء، فقيل له: إن هذا كوكب، أو إلى نهار مبصر، فقيل: هذا ليل، فكذلك، ولا سبيل للشيطان أن يدخل على التوحيد بشركه، ولا على نور الله بظلمته، ولا على حباله بحبالته.ألا ترى إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مثل المؤمن مثل الفرس في آخيته، يجول ثم يرجع إلى آخيته)).فالمؤمن يسهو ويسهو، ثم يعود إلى إيمانه؛ لأن الله تعالى أخذ بقلبه، وعرفه، ولا ينكر القلب من عرف إذا كانت المعرفة صحيحة، فإنكار المؤمن من نفار قلبه بما فيه من النور، ومن ظلمة ما جاء به العدو، فلذلك محض الإيمان؛ لأنه إنما هاج إنكاره من اهتياج إيمانه، وإذا اهتاج، استنار وأشرق، فلذلك صار محضاً، فيحق للمؤمن أن يقل عناه بوسوسته، فأخسأ ما يكون إذا استحقرته، ولم تعبأ به، فمن اعتراه ضعف في قلبه، حتى يحزن ويخاف على نفسه، فذاك لضيق صدره، وقلة انشراح صدره، وظلمة الشهوات والذنوب. فإن وسوس إليه في التشبيه، فالرد عليه أن يقول في نفسه: كل ما تصور في صدري، فربي بخلافه؛ لأنه لا يتصور في صدري إلا مخلوق، أو نعته؛ لأن ما تصور في الصدر فله كيفية، وربي لا يدرى كيف هو، ولا مثل له، فإذا تمثل في الصدر، فهو غير ربي، وإذا كان رجلاً مبتلًى بهذا، ومن كثرة ما يتردد في صدره يخاف على نفسه، ولا يطمئن إلى السكوت، فليقل ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الله الله ربي لا أشرك به شيئاً)).وإنما هذه كلمة تطيب بها نفسه لما ضاق منه صدره؛ ليخرج من ضيقه، بهذه الكلمة إلى السعة.
اَنَسِ بْنِ مَالِکٍ، ← ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ ← يوسف إبن عطيه ← صَالِحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · المجلد الخامس · Hadith 1131
