نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول #883
حدثنا عمر بن أبي عمر قال: حدثنا عمر بن عمرو الربعي، قال: حدثنا يونس بن يزيد الأيلي، عن ابن شهابٍ، عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((الحياء زينةٌ، والتقى كرمٌ، وخير المركب: الصبر، وانتظار الفرج من الله عبادةٌ)).فالحياء: من فعل الروح، والروح سماوي، فعمل أهل السماء عمل ليس يشبه بعضه بعضاً في العبودة، والنفس شهواني أرضي، ميالة إلى شهوة، ثم إلى أخرى، ثم إلى منية على إثر منية، لا تهدأ، ولا تستقر، فأعمالها مختلفة، لا يشبه بعضها بعضاً، مرة عبودة، ومرة ربوبية، ومرة استسلام، ومرة تملك، ومرة عجز، ومرة اقتدار، فإذا ريضت النفس، وذللت، وأدبت، انقادت، وكان السلطان والغلبة للروح، جاء الحياء، والحياء خجل الروح عن كل أمرٍ لا يصلح في السماء، فهو يكاع، ويخجل من ذلك، فهذا يزين الجوارح، ويزين الأمور، فهو زينة العبد، فمنه العفة، ومنه الوقار، ومنه الحلم.وأما قوله: ((والتقى كرمٌ)).فالكريم من انقاد وذل، ولذلك سميت شجرة العنب: كرماً؛ لأنها تمد، فأينما مددتها امتدت، وذلت لك.ومنه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يقول للعنب كرماً، وإنما الكرم قلب المؤمن)).فإذا ولج النور القلب، رطب ولان، وبرطوبته ولينه ترطب النفس، وتلين، وتذهب كزازتها، ويبسها؛ لأن حرارة الشهوات قد طفئت بالنور الوارد على القلب؛ لأنه من الرحمة، والرحمة باردةٌ، فانقاد القلب، فاتقى، فأخبر أن تقاه في كرمه، فإذا لان القلب وانقاد، فقد صار متقياً.وقوله: ((وخير المركب: الصبر))، فالصبر: ثبات العبد بين يدي ربه في مقامه لأموره، وأحكامه، ومنه سميت المصبورة؛ صيرت هدفاً للسهام، فكذلك العبد أهدف نفسه لأموره، وأحكامه، ما خف منها وما ثقل، وما أحب وما كره، وما يسر وما عسر، فهو خير مركب ركب إلى الله، وهومركب الوفاء بالعهد.خلق الله الدنيا ممراً لعبيده إلى دار السلام، فالقوم مجتازون: يأخذون الزاد، ويمرون أولاً فأولاً، يدخلون قبورهم، فيخرجون إلى الله، جعل بابه الذي يدخلون عليه أمر باب، وأهوله؛ ليطهرهم من التلبس بالدنيا، فيلقوه طاهرين، فيمكن لهم في دار القدس، فمن الوفاء بعهده: أن لا يتلفت إلى شيء سوى الزاد، وإن تناولت منها ما تناولت تزوداً، وتمضي، يوف لك بالعهد أن يدخلك دار السلام.قال: {وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون} أي: وإلي فارهبوا من نفوسكم، فالهرب والرهب: يرجعان إلى معنى واحد، إلا أن هذا في نوع، وذاك في نوع.وقوله: ((انتظار الفرج من الله عبادةٌ))؛ ففي انتظار الفرج قطع العلائق والأسباب إلى الله، وتعلق به، وشخوص الآمال إليه، وتبرؤ من الحول والقوة، فهذا خالص الإيمان.
جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ← اَبِیْ سَلَمَۃَ ← ابْنِ شِهَابٍ، ← يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ الْأَيْلِيِّ، ← عمر بن عمروٍ الربعي، ← عُمَرُ بْنُ أَبِي عُمَرَ،
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · المجلد الرابع · Hadith 883
