نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول #774
Sahih
حدثنا بشر بن هلالٍ الصواف، قال: حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي، عن ثابتٍ البناني، عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه، قال: لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، أضاء كل شيء منها، فلما كان في اليوم الذي مات فيه، أظلم كل شيء منها، وما نفضنا الأيدي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنا لفي دفنه، حتى أنكرنا قلوبنا.وقوله: {قد جاءكم من الله نورٌ وكتابٌ مبينٌ}، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم نوراً أضاء للعالمين، وقال: {إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً. وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً}.فكان ينير سراجه في العالمين، فكان إذا مشى في الطريق، فاح منه ريح المسك، حتى يوجد عرقه في ممره، فيعرف: أنه قد مر بهذا المكان، وكان طاهراً، طيباً، طهره الله بالحفظ له في الأصلاب والأرحام، وطفلاً، وناشئاً، وكهلاً، حتى قدسه بطهر النبوة، وشرفه بالقربة، وطيبه بروحه، وجلله ببهائه، فمن الذي كان يخيب برؤيته عن أن يكون له شفاء قلب إلا من ختم الله على قلبه، وجعل على سمعه وبصره غشاوة. كما قال: {وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون}.فإنما كان يبصر ما نحله الله، وزينه من فتح الله عين قلبه بذلك النور الذي جعله في قلبه، فأبصر محمداً صلى الله عليه وسلم، وعرفه هذه الأشياء، وأبصر ضوءه كيف يضيء الأشياء، وكان شفاء قلبه، ودواء سقمه، وكانت هيبته، وجلالته، ووقاره، وطهارته سداً بين القلوب وبين النفوس، فكانت النفوس قد ألقت بأيدها لأهلها منقادة مستسلمة؛ هيبة وإجلالاً، وحياءً منه.فلما مات، ذهب السراج، فذهب الضوء، وكانت له طلاوة وحلاوة، ومهابة، فأينما حل ببقعة، أضاءت تلك البقعة بتلك الطلاوة، وحليت بتلك الحلاوة، والمهابة.وأما قوله: ((إنا لفي دفنه، وما نفضنا الأيدي، حتى أنكرنا قلوبنا)). فهكذا شأن القلوب التي لم تغلب عليها الهيبة من الله، فهيبة المخلوقين من رجاله وخاصته، فأخذهم وتملكهم، والرسول صلى الله عليه وسلم آية من آيات الله العظمى، فمن عرف الرسول حين رآه بالآيات، وقبل منه ما جاء به من الآيات حتى تمكنت المعرفة فيه من هذه الطريق، فإذا فقده، أنكر قلبه؛ لأن نفسه كانت في قهر ما أعطي الرسول من السلطان، فلما أحست النفس بذهابه، وجدت زمانها ساقطة بالأرض كالمخلاة عنها، فتحركت، وتشوفت لمناها، وأصاخت أذناً لمطامعها.ومن غلبت الهيبة من الله على قلبه وملكته؛ لم ينكر قلبه بفقد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا بقبضه؛ لأن نفسه قد صارت كالميتة من الخشوع لله، وإنما حدث بهذا أنس عن قلبه، وقلب أشباهه إذا كانت هيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذت بقلوبهم.فأما الصديقون والأولياء، فقد دخل قلوبهم من جلال الله وعظمته ما أبهتهم، فهابوه، فتلك هيبة احتشت القلوب منها، فغمرت ما كان للمخلوقين فيها، وكذلك المحبة احتشت القلوب من الهيبة منهم من محبة الله، فغمرت ما كان للمخلوقين فيها من محبة.ولقد بلغني عن قوم جهال زاغوا في هذا الباب قياساً، فقالوا: إذا جاءت هيبة الله، زالت هيبة المخلوقين، كائناً من كان، وكذلك محبته.ولقد أعظموا القول، وزاغوا عن القصد، وعياذاً بالله أن تزول محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم من قلب مؤمن، وكيف يكون ذلك، وإنما أحب رسوله من أجله؟وكلما عظمت هيبة الله ومحبته في قلب عبد، فهو للهيبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد، وحبه في قلبه أعظم، وأصفى، ولكن هيبة الله، ومحبته غامرة لما سواها، فلا يستبين، بمنزلة وادٍ؛ لينصب في بحر، فالوادي بهيبته منصب، ولكن غير مستبين في ذلك البحر، وبمنزلة قمر يضيء، فإذا أشرقت الشمس، غمر إشراقها ضوء القمر، والقمر بهيبته مضيء يجري في مجراه، والشمس بإشراقها غالبة عليه.
اَنَسِ بْنِ مَالِکٍ، ← ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ ← جعفر بن سليمان الضبعي ← بِشْرُ بْنُ هِلَالٍ الصَّوَّافُ
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · کتاب · Hadith 774
