نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول #633
حدثنا محمد بن موسى الحرشي، قال: حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي، قال: حدثنا ثابتٌ البناني، عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه، قال: أصابتنا السماء ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفرٍ، فحسر رسول الله صلى الله عليه وسلم الثوب عن رأسه، حتى أصابه من المطر، فقلنا: يا رسول الله! لم صنعت هذا؟ قال: ((لأنه قريب عهدٍ بربه)).وهذا فعل المشتاقين، وأولاهم بالله أشدهم شوقاً إليه، وكلما ازداد العبد انتباهاً ويقظةً، ازداد شوقاً حتى يقلق ويكمد.وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفته: أنه كان طويل الفكر، دائم الأحزان.فهل كانت أحزانه إلا من الحبس عن اللقاء لقاء الصفاء؟ ولا يساوي لقاء القلوب والأرواح في الدنيا لقاء الأرواح والأجساد في الآخرة، ذاك لقاء الصفاء، فأعلاهم منزلةً، وأقربهم قرباً، وأعلمهم به، وأشدهم حرقةً في القلوب شوقاً، وأقلقهم بالحياة تبرماً، ينتظر متى يدعى فيجيب.فكأنه صلى الله عليه وسلم وجد روحاً إلى ذلك المطر؛ بما وصف من حداثة عهده بربه، وكذلك يجد المشتاق إلى لقاء من غاب عنه، فهو قلق بمكانه، فإذا ورد عليه منه كتابٌ أو شيءٌ من آثاره، كان له فيه أنسٌ، وإليه استرواحٌ، وبه تلذذٌ.وروي عن موسى -صلوات الله عليه-: أنه كان يخرج إلى طورسيناء، فربما ضاق عليه الأمر في الطريق، فيشق قميصه من شدة الشوق، والعجلة التي تأخذه.قال الله -تبارك وتعالى اسمه-: {وما أعجلك عن قومك يا موسى. قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى}.فروي عن قتادة في قوله: {وعجلت إليك}، قال: شوقاً إليك، وهو الذي حمله على سؤال الرؤية، لما سمع الكلام، قلق، وغلا شوقه بمراجله، وضاق به الأمر، ففزع إلى الرؤية؛، طمعاً لتسكين غليانه، فعلم الله -تبارك اسمه- أنه لا يحتمل ذلك، فأبى عليه، وألقى إليه عذره؛ بأن جعل الجبل دكاً.يعلمه أنك لا تقدر على احتمال ذلك؛ لأن الجبل حجرٌ، وحديدٌ، وصخرٌ، وأنت لحمٌ، ودمٌ، فانظر إلى هذا الجبل، فإن استقر مكانه، فسوف تراني.قال له: {لن تراني}، ولم يقل: لا أراك، يعلمه أنه لا يقدر، ولا يؤيسه أبداً.
اَنَسِ بْنِ مَالِکٍ، ← ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ ← جعفر بن سليمان الضبعي ← مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْحَرْشِيُّ،
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · کتاب · Hadith 633
