نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول #531
Sahih
حدثنا عبد الله بن عبد الله بن أبي أسيدٍ الكلابي، قال: حدثنا يوسف بن عطية الصفار، قال: سمعت ابن سيرين، وسأله رجلٌ، فقال: يا أبا بكرٍ! ما تقول في هذا الذي يقع في طعامنا وشرابنا فنقتله؟ فقال: حدثنا أبو هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أن نبياً من الأنبياء كان في غزاةٍ له، فنزل تحت شجرةٍ، فلدغته نملةٌ، فأمر بتلك الشجرة فأحرقت، فأوحى الله إليه: ألا نملةً مكان نملةٍ؟!)).قال أبو عبد الله: فتأويل هذا الحديث عندنا: أن هذا النبي قد كانت منه محاورة في شأن الخلق.وبلغنا: أن ذلك كان موسى بن عمران -صلوات الله عليه-، فقال: يا رب! تعذب أهل قريةٍ بمعاصيهم، وفيهم المطيع، فكأنه أحب أن يريه ذلك من عنده، فسلط عليه الحر حتى التجأ إلى شجرةٍ مستروحاً إلى ظلها، وعندها قرية النمل، فغلبه النوم، فلما وجد لذة النوم، لدغته نملةٌ، فأضجرته، فدلكهن بقدمه، وأحرق تلك الشجرة التي عندها مساكنهم، فأراه الله العبرة في ذلك: أنه إنما لدغتك نملةٌ، فكيف أصبت الباقين بالعقوبة؟!يريد أن ينبهه أن العقوبة من الله تعم، فتصير نعمة على المطيع، وشهادة، وشراً ونقمةً على العاصي.قال أبو عبد الله: والأصل في هذا أن الله -تبارك وتعالى- خلق ما في الأرض جميعاً لهذا الآدمي، وكذلك قال في تنزيله: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً}، فمنها غذاء، ومنها مرفق، ومنها عبرة، وكلها حجة، وكلها ابتلاء، وقال: {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه}.فالنمل سخرة، وفيها عبرة، فالمسخر أنت عليه مسلط، فإذا آذاك، أبيح لك قتله، ألا ترى أن الفأر والغراب والكلب والحية والعقرب قد أبيح للمحرم قتله؟ فكذلك سائر الهوام المؤذية، فالمقتضى من المؤمن أن لا يقتل هذه الأشياء عبثاً، ولكنه يقتلها بحق، فكل ما كان له في ذلك مرفق، فقتله لارتفاق، فقد قتله بحق، وكل ما كان له منه أذى، أو خوف أذى، فقتله لما يتخوف، فقد قتله بحق، وما سوى ذلك عبث، وهو مسؤول عن ذلك يوم القيامة أن يكون قد أزهق نفساً بغير حق، فليس فيما ذكر في الحديث كراهة قتل النمل، فإن من آذاك حل لك دفعه عن نفسك، ولا أحد من خلقه أعظم حرمة من المؤمن، فكيف بالهوام والدواب؟!فالآدمي إنما يباح لك دفعه عنك بقتل وضرب على المقدار والحدود؛ لعظيم حرمته، وإنه لم يسخر لك، والدواب والطير والهوام قد سخرت لك، فليس هناك مقدار، ولا حد، ألا ترى أنك تقتل الهوام من الحية والعقرب والسباع حين تراها، ولم ينلك أذاها بعد؛ لأنه معروف بالأذى.ألا ترى أنه قال: ((ألا نملة مكان نملة؟!))، فقد أطلق له في نملة، ولم يخص تلك النملة التي لدغته بالإطلاق، فلو كان إنما كلم على سبيل العدل والقصاص، لقيل: إلا نملتك التي لدغتك، ولكن قال: إلا نملةمكانة نملة، فعم البريء والجاني ذلك؛ ليعلم أنه أراد أن ينبهه بمسألته ربه: أنك تحيرت في عذاب أهل قرية، وفيهم المطيع والعاصي، وإنما أجرمت إليك نملة، فكيف قتلتهم؟ وليس في هذا خطر عن قتل النمل وما يؤذي، إنما هو تنبيه لما سأل ربه عز وجل.
ابن سيرين، وسأله رجلٌ، ← يُوسُفُ بْنُ عَطِيَّةَ الصَّفَارُ ← عبد الله بن عبد الله بن أبي أسيدٍ الكلابي،
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · 2-الهمزة مع الفاء · Hadith 531
