التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد، للحافظ أبي بكر الخطيب البغدادي - ت - ن دار ابن الجوزي - من إصدارات شبكة نور الإسلام #2305
* عن أبي العتاهية قال أحدثك قدمنا من الكوفة ثلاثة فتيان شباباً أدباء, وليس لنا ببغداد من نقصده فنزلنا غرفة بالقرب من الجسر, فكنا نبكر فنجلس في المسجد الذي بباب الجسر في كل غداة, فمرت بنا يوماً امرأة راكبة معها خدم سودان فقلنا: من هذه؟ قالوا: خالصة. فقال أحدنا: قد عشقت خالصة, وعمل فيها شعراً فأعناه عليه, ثم لم نلبث أن مرت أخرى راكبة معها خدم بيضان فقلنا: من هذه؟ فقالوا: عتبة. فقلت: قد عشقت عتبة فلم نزل كذلك في كل يوم إلى أن التأمت لنا أشعار كثير, فدفع صاحبي بشعره إلى خالصة, ودفعت أنا بشعري إلى عتبة, وألححنا إلحاحاً شديداً فمرة تقبل أشعارنا, ومرة نطرد إلى أن أجدوا في طردنا, فجلست عتبة يوماً في أصحاب الجوهر ومضيت فلبست ثياب راهب, ودفعت ثيابي إلى إنسان كان معي, وسألت عن رجل كبير من أهل السوق, فدللت على شيخ صايغ فجئت إليه فقلت إني قد رغبت في الإسلام على يدي هذه المرأة, فقام معي وجمع جماعة من أهل السوق وجاءها فقال: إن الله قد ساق إليك أجراً هذا راهب قد رغب في الإسلام على يديك فقالت: هاتوه فدنوت منها, فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله, وقطعت الزنار, ودنوت فقبلت يدها فلما فعلت ذلك رفعت البرنس فعرفتني, فقالت: نحوه, لعنه الله. فقالوا: لا تلعنيه فقد أسلم, فقالت: إنما فعلت ذلك لقذره فعرضوا عليَّ كسوة, فقلت: ليس لي حاجة إلى هذه, وإنما أردت أن أشرف بولائها, فالحمد لله الذي من عليَّ بحضوركم, وجلست فجعلوا يعلمونني الحمد, وصليت معهم العصر, وأنا في ذاك بين يديها أنظر إليها لا تقدر لي على حيلة, فلما انصرفت لقيت خالصة فشكت إليها, فقالت: ليس يخلو هذان من أن يكونا عاشقين أو مستأكلين, فصح عزمهما على امتحاننا بمال على أن ندع التعرض لهما, فإن قبلنا المال فنحن مستأكلان, وإن لم نقبله فنحن عاشقان, فلما كان الغد مرت خالصة فعرض لها صاحبها فقال له الخدم: اتبعنا فاتبعهم, ثم لم نلبث أن مرت عتبة, فقال لي الخدم: اتبعنا فاتبعتهم, فمضت بي إلى منزل خليط لها بزاز فلما جلست دعت بي فقالت لي: يا هذا إنك شاب, وأرى لك أدباً, وأنا حرمة خليفة, وقد تأنيتك فإن أنت كففت, وإلا أنهيت ذلك إلى أمير المؤمنين, ثم لم آمن عليك. قلت: فافعلي بأبي أنت وأمي فإنك إن سفكت دمي أرحتني فأسألك بالله إلا فعلت ذلك إذ لم يكن لي فيك نصيب, فإما الحبس والحياة لا أراك فأنت في حرج من ذاك. فقالت: لا تفعل يا هذا, وابق على نفسك, وخذ هذه الخمس المائة الدينار, واخرج عن هذه البلد, فلما سمعت ذكر المال وليت هارباً, فقالت: ردوه, فلم تزل تردني, فقلت: جعلت فداك ما أصنع بعرض من الدنيا, وأنا لا أراك وإنك لتبطئين يوماً واحداً عن الركوب, فتضيق بي الأرض بما رحبت, وهي تأبى إلا ذكر المال حتى جعلت لي ألف دينار فأبيت وجاذبتها مجاذبة شديدة, وقلت: لو أعطيتينى جميع ما يحويه الخليفة ما كانت لي فيه حاجة, وأنا لا أراك بعد أن أجد السبيل إلى رؤيتك وخرجت فجئت الغرفة التي كنا ننزلها فإذا صاحبي مورم الأذنين, وقد امتحن بمثل محنتي, فلما مد يده إلى المال صفعوه وحلفت خالصة لئن رأته بعد ذلك لتودعنه الحبس, فاستشارني في المقام, فقلت: أخرج وإياك أن تقدر عليك, ثم التقتا فأخبرت كل واحدة صاحبتها الخبر, وأحمدتني وصح عندها أني محب محق فلما كان بعد أيام دعتني عتبة, فقالت: بحياتى عليك إن كنت تعزها إلا أخذت ما يعطيك الخادم فأصلحت به من شأنك فقد غمني سوء حالك, فامتنعت فقالت: ليس هذا مما تظن ولكني لا أحب أن أراك في هذا الزي, فقلت: لو أمكنني أن تريني في زي المهدي لفعلت ذلك, فأقسمت عليَّ فأخذت الصرة, فإذا فيها ثلاثمائة دينار, فاكتسيت كسوة حسنة, واشتريت حماراً.
(6/ 254، 256)