جامع بيان العلم وفضله القرطبي - ت مسعد عبد الحميد محمد السعدني - ن دار الكتب العلمية - بيروت #956
956 - حدثنا عبد الوارث، ثنا قاسم، ثنا أحمد بن زهير، نا محمد بن محبوب، ثنا أبو عوانة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر، عن مسروققال: (إني أخاف أن أقيس فتزل قدمي). قال أحمد بن زهير: وثنا أحمد بن يونس، ثنا زهير، ثنا جابر، عن عامر قال: قال مسروق: (لا أقيس شيئا بشيء، قلت: لم؟ قال: أخشى أن تزل رجلي). وذكر نعيم بن حماد، ثنا ابن إدريس، عن عمه داود، عن الشعبي، عن مسروق قال: (لا أقيس شيئا بشيء فتزل قدمي بعد ثبوتها). قال نعيم: ونا وكيع، عن عيسى الحناط، عن الشعبي قال: (إياكم والقياس، فإنكم إن أخذتم به أحللتم الحرام وحرمتم الحلال، ولأن أتغنى أغنية أحب إلي من أن أقول برأيي). وذكر الشعبي مرة أخرى القياس فقال: أيش في القياس. وقال الشعبي: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: «لا تهلك أمتي حتى تقع في المقاييس، فإذا وقعت في المقاييس فقد هلكت». وقد ذكرنا في هذا المعنى زيادة في باب: ذم الرأي، من هذا الكتاب، لأنه معنى منه وباللّه التوفيق.(1/342)وقد احتج من نفى القياس بهذه الآثار ومثلها، وقالوا في حديث معاذ: إن معناه أن يجتهد رأيه على الكتاب والسنة، وتكلم داود في إسناد حديث معاذ وردّه ودفعه من أجل أنه عن أصحاب معاذ ولم يسموا. قال أبو عمر: وحديث معاذ صحيح ومشهور، رواه الأئمة العدول، وهو أصل في الاجتهاد والقياس على الأصول، وبه قال جمهور العلماء وسائر الفقهاء، وقالوا في هذه الآثار وما كان مثلها في ذم القياس: إنه القياس على غير أصل والقول في دين اللّه بالظن. أ لا ترى إلى قول من قال منهم: أول من قاس إبليس. رد أصل العلم بالرأي الفاسد، والقياس لا يجوز عند أحد ممن قال به إلا في رد الفروع إلى أصولها، لا في الفاسد. والقياس لا يجوز عند أحد ممن قال به إلا في رد الفروع إلى أصولها، لا في رد الأصول بالرأي والظن، وإذا صح النص من الكتاب والأثر بطل القياس والنظر (و ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى اللّه ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة). وأي أصل أقوى من أمر اللّه تعالى لإبليس بالسجود، وهو العالم بما خلق منه آدم وما خلق منه إبليس، ثم أمره بالسجود له فأبى واستكبر لعلة ليست بمانعة من أن يأمره اللّه بما يشاء؟ فهذا ومثله لا يحل ولا يجوز. وأما القياس على الأصول والحكم للشيء بحكم نظيره فهذا ما لم يخالف فيه أحد من السلف، بل كان من روي عنه ذم القياس قد وجد له القياس الصحيح منصوصا، لا يدفع هذا إلا جاهل أو متجاهل مخالف للسلف في الأحكام. أخبرنا عبد الوارث، ثنا قاسم، ثنا أحمد بن زهير قال: أنا سليمان بن أبي شيخ قال: قال مساور الوراق. كنا من الدين قبل اليوم في سعة ... حتى ابتلينا بأصحاب المقاييس قاموا من السوق إذا قلت مكاسبهم ... فاستعملوا الرأي عند الفقر والبؤس أما العريب فقوم لا عطاء لهم ... وفي الموالي علامات المفاليس فلقيه أبو حنيفة فقال: هجروتنا ... نحن نرضيك ... فبعث إليه بدارهم فقال:(1/343)إذا ما أهل مصر بادهونا ... بآبدة من الفتيا لطيفة أتيناهم بمقياس صحيح صليب ... من طراز أبي حنيفة إذا سمع الفقيه به وعاه ... وأثبته بخبر في صحيفة {قال أبو عمر: اتصلت هذه الأبيات ببعض أهل الحديث والنظر من أهل الزمن} (*) فقال: إذا ذو الرأي خاصم عن قياس ... وجاء ببدعة منها سخيفة أتيناهم بقول اللّه فيها ... وآثار مصححة شريفة فكم من فرج محصنة عفيفة ... أحل حرامها بأبي حنيفة قال أبو عمر رحمه اللّه: هذا تحامل واغتياب وأذى للعلماء، لأنه إذا كان له في النازلة كتاب منصوص وأثر ثابت لم يكن لأحد أن يقول بغير ذلك فيخالف النص، والنص مالا يحتمله التأويل، وما احتمله التأويل على الأصول واللسان العربي كان صاحبه معذور. انشدنا أبو القاسم عبد الوارث بن سفيان قال: أنشدنا أبو محمد قاسم بن أصبغ قال: أنشدنا محمد بن وضاح ببغداد على باب أبي مسلم الكشي قال: قال لي غلام خليل: أنشدني بعض البصريين لبعض شعرائهم يهجو أبا حنيفة وزفر بن الهذيل: إن كنت كاذبة بما حدثتني ... فعليك إثم أبي حنيفة أو زفر الواشين على القياس تعديا ... والناكبين عن الطريقة والأثر خلت البلاد فارتعوا في رحبها ... ظهر الفساد ولا سبيل إلى الغير قال لنا أبو القاسم؛ قال لنا قاسم بن محمد ولد محمد بن وضاح وكان أدرك غلام خليل: ومات محمد بن محمد بن وضاح بجزيرة إقريطش. قال أبو عمر: بلغني أن أبا جعفر الطحاوي أنشد هذه الأبيات: فعليك إثم أبي حنيفة أو زفر(1/344)فقال: وددت أن لي أجرهما وحسناتهما، وعلى إثمهما وسيئاتهما. وكان من أعلم الناس بسير القوم وأخبارهم، لأنه كان كوفي المذهب، وكان عالما بجميع مذاهب الفقهاء رحمهم اللّه. وقد رويت في ذم القياس والرأي آثار كثيرة، وسنورد لها بابا في كتابنا هذا إن شاء اللّه تعالى. باب جامع بيان ما يلزم الناظر في اختلاف العلماء قال أبو عمر: اختلف الفقهاء في هذا الباب على قولين: أحدهما: أن اختلاف العلماء من الصحابة ومن بعدهم من الأئمة - رحمهم اللّه رحمة واسعة - وجائز لمن نظر في اختلاف أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يأخذ بقول من شاء منهم، كذلك الناظر في أقاويل غيرهم من الأئمة مالم يعلم أنه خطأ، فإذا بان له أنه خطأ لخلافه نص الكتاب أو نص السنة أو إجماع العلماء لم يسعه اتباعه، فإن في حيز العامة التي يجوز لها أن تقلد العالم إذا سألته عن شيء وإن لم تعلم وجهه، هذا قول يروى معناه عن عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه والقاسم بن محمد وعن سفيان الثوري إن صح عنه، وقال به قوم، ومن حجتهم على ذلك قوله صلى اللّه عليه وسلم: «أصحابي كالنجوم فبأيهم اقتديتم اهتديتم». وهذا مذهب ضعيف عند جماعة من أهل العلم، وقد رفضه أكثر الفقهاء وأهل النظر، ونحن نبين الحجة عليهم في هذا الباب إن شاء اللّه تعالى على ما شرطناه من التقريب والاختصار ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم. على أن جماعة من أهل الحديث متقدمين ومتأخرين يميلون إليه. وقد نظم أبو مزاحم الخاقاني ذلك في شعر أنشدناه عبد اللّه بن محمد بن يوسف قال: أنشدنا يحيى بن مالك قال: أنشدنا الدعلجي قال: أنشدنا أبو مزاحم موسى بن عبيد اللّه بن يحيى بن خاقان لنفسه:(1/345)أعوذ بعزة اللّه السلام ... وقدرته من البدع العظام أبين مذهبي فيمن أراه ... إماما في الحلال والحرام كما بينت في القراء قولي ... فلاح القول معتليا أمامي فلا أعدو ذوي الآثار منهم ... فهم قصدي وهم نور التمام أقول الآن في الفقهاء قولا ... على الإنصاف جد به اهتمامي أرى بعد الصحابة تابعيهم ... لذي فتياهم بهم ائتمامي علمت إذا اعتزمت على ... اقتدائي بهم أني مصيب في اعتزامي وبعد التابعين لي أئمة ... سأذكر بعضهم عند انتظامي فسفيان العراق ومالك ... في حجازهم واوزاعي شامي ألا وابن المبارك قدوة لي ... نعم، والشافعي أخر الكرام وسام بذكرى النعمان فيهم ... فنعم فتى به بسام المسامي وممن ارتضي فأبو عبيدة ... وأرضى بابن حنبل الإمام فآخذ من مقالهم اختياري ... وما أنا بالمباهي والمسامي وأخذي باختلافهم مباح ... لتوسيع الإله على الأنام ولست مخالفا إن صح لي ... عن رسول اللّه قولا بالكلام إذا خالفت قول رسول ربي ... خشيت عقاب رب ذي انتقام وما قال الرسول فلا خلاف ... له يارب أبلغه سلامي قال أبو عمر: قد يحتمل قوله: (فآخذ من مقالهم اختياري) وجهين: أحدهما: أن يكون مذهبه في ذلك كمذهب القاسم بن محمد ومن تابعه من العلماء إن الاختلاف سعة ورحمة.(1/346)والوجه الآخر: أن يكون أراد (آخذ من مقالهم اختياري) أي أصير من مقالهم إلى ما قام لي عليه الدليل، فإذا بان لي صحته اخترته، وهذا أولى من أن يضاف إلى أحد الأخذ بما أراده في دين اللّه تعالى بغير برهان، ونحن نبين هذا إن شاء اللّه تعالى.
مَسْرُوقٍ ← عَامِرٍ، ← إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، ← أَبُو عَوَانَةَ، ← مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ، ← أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ← قاسم ← عَبْدُ الْوَارِثِ
جامع بيان العلم وفضله القرطبي - ت مسعد عبد الحميد محمد السعدني - ن دار الكتب العلمية - بيروت · کتاب · Hadith 956
