شرح السنة للبغوي #2509
2509 - أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الكسائي ، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، نا أبو العباس الأصم ( ح ) وأنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، ومحمد بن أحمد العارف ، قالا : أنا أبو بكر الحيري ، نا أبو العباس الأصم ، أنا الربيع ، أنا الشافعي ، أنا عبد العزيز ، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد ، عن محمد بن إبراهيم التيمي ، عن بسر بن سعيد ، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص. عن عمرو بن العاص انه سمع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : ( إذا حكم الحاكم ، فاجتهد ، فأصاب ، فله أجران ، وإذا حكم ، فاجتهد ، فأخطأ ، فله أجر ). قال يزيد بن الهاد : فحدثت بهذا الحديث أبا بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم ، فقال : هكذا حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة. هذا حديث متفق على صحته أخرجه محمد عن عبد الله بن يزيد ، عن صفحة رقم 116 حيوة ، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد ، وأخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى ، عن عبد العزيز بن محمد ، عن يزيد. وروي عن الحسن انه قرأ : ) وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث ( [ الأنبياء : 78 ] إلى قوله عز وجل : ) ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكماً وعلماً ( [ الأنبياء : 79 ] قال : فحمد سليمان ، ولم يلم داود ، ولولا ما ذكر الله من أمر هذين ، لرأيت أن القضاة هلكوا ، فإنه أثنى على هذا بعلمه ، وعذر هذا باجتهاده. قال الإمام : الاجتهاد هو رد القضية إلى معنى الكتاب والسنة من طريق القياس ، فعلى الحاكم أن يحكم بما في كتاب الله سبحانه وتعالى ، فإن لم تكن الحادثة التي يحتاج إلى الحكم فيها في كتاب الله ، فيحكم بالسنة عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فإن لم يجدها في السنة ، فحينئذ يجتهد ، والدليل عليه ما روي عن معاذ أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال له لما أراد أن يبعثه إلى اليمن : ( كيف تقضي إذا عرض لك قضاء ؟ ) قال : أقضي بكتاب الله ، قال : ( فإن لم تجد في كتاب الله ) ؟ قال : فبسنة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، قال : ( فإن لم تجد في سنة رسول الله ) ؟ قال : أجتهد رأيي قال : فضرب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على صدره وقال : ( الحمد لله الذي وفق رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لما يرضي رسول الله ). صفحة رقم 117 قوله : ( أجتهد رأيي ) لم يرد به الرأي الذي يسنح له من قبل نفسه ، أو يخطر بباله على غير اصل من كتاب ، أو سنة ، بل أراد به رد القضية إلى معنى الكتاب والسنة من طريق القياس. وقوله في الحديث : ( وإذا اجتهد فأخطأ ، فله أجر ) لم يرد به انه يؤجر على الخطأ ، بل يؤجر في اجتهاده في طلب الحق ، لأن اجتهاده عبادة ، والإثم في الخطأ عنه موضوع إذا لم يأل جهده ، وهذا فيمن كان جامعاً لآلة الاجتهاد ، فأما من لم يكن محلاً للاجتهاد ، فهو متكلف لا يعذر بالخطأ في الحكم ، بل يخاف عليه أعظم الوزر ، روي عن بريدة عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال : ( القضاة ثلاثة : واحد في الجنة ، واثنان صفحة رقم 118 في النار ، فأما الذي في الجنة ، فرجل عرف الحق ، فقضى به ، ورجل عرف الحق ، فجار في الحكم ، فهو في النار ، ورجل قضى للناس على جهل ، فهو في النار ). وفي الحديث دليل على أن ليس كل مجتهد مصيباً ، إذ لو كان كل مجتهد مصيباً ، لم يكن لهذا التقسيم معنى ، وهو معنى قول الشافعي ، ومذهبه أنه إذا اجتهد مجتهدان في حادثة ، فاختلف اجتهادهما أن الحق منهما واحد لا بعينه ، وذهب أصحاب الرأي إلى أن كل مجتهد مصيب ، لأنه لم يكلف عند اشتباه الحادثة إلا الاجتهاد ، وليس كذلك ، بل هو مأمور بالاجتهاد لإصابة الحق ، فإن أصابه ، أجر ، وإن لم يصب ، عذر كمن اشتبهت عليه القبلة ، كلف أن يجتهد ليصيب جهتها ، فإن لم يصبها يقيناً ، عذر. والحديث يدل على انه لا يجوز للحاكم المجتهد تقليد الغير ، وإن كان أعلم منه وأفقه حتى يجتهد ، ويستحب له مشاورة أهل العلم في الحوادث ، والبحث عن الدلائل ، ثم يحكم بما لاح له بالدليل ، قال الله سبحانه وتعالى لرسوله : ) وشاورهم في الأمر ( [ آل عمران : 159 ] ، وروي عن أبي هريرة قال : ما رأيت أحداً أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ). صفحة رقم 119 قال الحسن : إن كان ( صلى الله عليه وسلم ) عن مشاورتهم لغنياً ، ولكنه أراد أن يستن بذلك الحكام بعده. قال محمد بن إسماعيل : والمشاورة قبل العزم ، والتبين ، لقوله عز وجل : ) فإذا عزمت فتوكل على الله ( [ آل عمران : 129 ] ، فإذا عزم الرسول لم يكن لبشر أن يتقدم على الله ورسوله. وشاور النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يوم أحد في المقام والخروج ، فرأوا له الخروج ، فلما لبس لأمته وعزم ، قالوا : اقم ، فلم يمل إليهم بعد العزم ، وقال : ( لا ينبغي لنبي يلبس لأمته ، فيضعها حتى يحكم الله ). وكانت الأئمة يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها ، فإذا وضح الكتاب ، أو السنة ، لم يتعدوه إلى غيره اقتداء بالنبي ( صلى الله عليه وسلم ). صفحة رقم 120 قال الزهري : وكان مجلس عمر مغتصا من القراء ، شباباً كانوا أو كهولا ، فربما استشارهم ، فيقول : لا يمنعن أحدكم أن يشير برأيه فإن العلم ليس على قدم السن ، ولا على حداثته ، ولكن الله يضعه حيث يشاء. وقال مزاحم بن زفر : قال لنا عمر بن عبد العزيز : خمس إذا أخطأ القاضي منهن خصلة ، كانت فيه وصمة : أن يكون فهماً ، حليماً ، عفيفاً ، صليباً ، عالماً ، سؤولاً عن العلم. وفي الحديث دليل على انه لا يجوز لغير المجتهد أن يتقلد القضاء ، ولا يجوز للإمام توليته. والمجتهد من جمع خمسة أنواع من العلم : علم كتاب الله عز وجل ، وعلم سنة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وأقاويل علماء السلف من إجماعهم واختلافهم ، وعلم اللغة ، وعلم القياس ، وهو طريق استنباط الحكم عن الكتاب ، والسنة إذا لم يجده صريحاً في نص كتاب ، أو سنة ، أو إجماع. صفحة رقم 121 فيجب أن يعلم من علم الكتاب الناسخ ، والمنسوخ ، والمجمل ، والمفسر ، والخاص ، والعام ، والمحكم ، والمتشابة ، والكراهية ، والتحريم ، والإباحة ، والندب. ويعرف من السنة هذه الأشياء ، ويعرف منها الصحيح ، والضعيف ، والمسند ، والمرسل ، ويعرف ترتيب السنة على الكتاب ، وترتيب الكتاب على السنة حتى إذا وجد حديثاً لا يوافق ظاهره الكتاب يهتدي إلى وجه محمله ، فإن السنة بيان الكتاب ، ولا تخالفه ، وإنما يجب معرفة ما ورد منها في أحكام الشرع دون ما عداها من القصص والأخبار ، والمواعظ. وكذلك يجب أن يعرف من علم اللغة ما أتى في كتاب أو سنة في أمور الأحكام دون الإحاطة بجميع لغات العرب ، وينبغي أن يتخرج فيها بحيث يقف على مرامز كلام العرب فيما يدل على المراد من اختلاف المحال ، والأحوال ، لأن الخطاب ورد بلسان العرب ، فمن لم يعرفه لا يقف على مراد الشرع. ويعرف أقاويل الصحابة والتابعين في الأحكام ، ومعظم فتاوى فقهاء الأمة حتى لا يقع حكمه مخالفاً لأقوالهم ، فيكون فيه خرق الإجماع ، وإذا عرف من كل نوع من هذه الأنواع معظمه ، فهو مجتهد ، ولا يشترط معرفة جميعها بحيث لا يشذ عنه شيء منها ، وإذا لم يعرف نوعاً من هذه صفحة رقم 122 الأنواع ، فسبيله التقليد ، وإن كان متبحراً في مذهب واحد من آحاد أئمة السلف ، ولا يجوز له تقلد القضاء ، ولا الترصد للفتيا ، وإذا جمع هذه العلوم ، وكان مجانباً للأهواء ، والبدع ، مدرعاً بالورع ، محترزاً عن الكبائر ، غير مصر على الصغائر ، جاز له أن يتقلد القضاء ، ويتصرف في الشرع بالاجتهاد ، والفتوى ، ويجب على من لم يجمع هذه الشرائط تقليده فيما يعن له من الحوادث. وجوز أصحاب الرأي للعامي أن يتقلد القضاء ، ثم يقضي بما يفتي به أهل العلم ، وقال معمر ، عن قتادة : كان قضاة أصحاب محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ستة : عمر ، وعلي ، وأبي بن كعب ، وعبد الله بن مسعود ، وأبو موسى الأشعري ، وزيد بن ثابت. فكان قضاء عمر ، وابن مسعود ، والأشعري يوافق بعضه بعضاً ، وكان يأخذ بعضهم من بعض ، وكان قضاء علي وأبي بن كعب ، وزيد يشبه بعضه بعضاً ، وكان يأخذ بعضهم من بعض ، وكان زيد يأخذ من علي وأبي ما بدا له.
عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ← أَبِي قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ← بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ ← مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ، ← يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ ← عَبْدُ الْعَزِيزِ، ← الشَّافِعِیِّ، ← الرَّبِيعِ، ← أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ ← أبو بكر الحيري ← محمد بن أحمد العارف ← أحمد بن عبد الله الصالحي ← أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ ← عبد العزيز بن أحمد الخلال ← عبد الوهاب بن محمد الكسائي
شرح السنة للبغوي · كتاب الإيمان · Hadith 2509
