شرح السنة للبغوي #2385
2385 - أخبرنا أبو الحسن الشيرزي ، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو إسحاق الهاشمي ، أنا أبو مصعب ، عن مالك ، عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن صفحة رقم 297 عن فاطمة بنت قيس أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة وهو غائب بالشام ، فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته ، فقال : والله مالك علينا من شيء ، فجاءت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فذكرت ذلك له ، فقال لها : ليس لك عليه نفقة ، وأمرها أن تعتد في بيت أم شريك ، ثم قال : تلك امرأة يغشاها أصحابي ، فاعتدي عند ابن أم مكتوم ، فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده ، فإذا حللت ، فآذنيني " قالت : فلما حللت ، ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباني ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " أما أبو جهم ، فلا يضع عصاه عن عاتقه ، وأما معاوية ، فصعلوك لا مال له ، انكحي أسامة بن زيد " قالت : فكرهته ، ثم قال : " انكحي أسامة " فنكحته ، فجعل الله فيه خيرا ، واغتبطت به. هذا حديث صحيح أخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى ، عن مالك ، ورواه أبو بكر بن أبي الجهم بن صخير العدوي عن فاطمة ، وقال : " وأما أبو جهم ، فرجل ضراب للنساء ". صفحة رقم 298 قال الإمام : في هذا الحديث أنواع من الفقه ، منها أن المطلقة ثلاثا ، أو المختلعة لا تستحق نفقة العدة إلا أن تكون حاملا ، ولها السكنى ، لقول الله عز وجل : ) أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ( إلى قوله : ) وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن ( [ الطلاق : 6 ] وإنما سقط سكنى فاطمة لبذاءة لسانها. ومعنى البتة المذكورة في الحديث : هو الثلاث. وقد روي أنها كانت آخر تطليقة بقيت لها من الثلاث. وفيه جواز التعريض للمرأة بالخطبة في العدة عن الغير ، لأن قوله لها : " فإذا حللت فآذنيني " تعريض بالخطبة واتفق أهل العلم على أن التصريح بالخطبة لا يجوز في عدة الغير ، أما التعريض بالخطبة ، فيجوز في عدة الوفاة ، قال الله سبحانه وتعالى وتقدس : ) ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء ( [ البقرة : 235 ] ، أما المعتدة عن فرقة الحياة ، نظر إن كانت ممن لا يحل لمن بانت منه نكاحها كالمطلقة ثلاثا ، والمبانة باللعان والرضاع ، يجوز خطبتها تعريضا كالمعتدة عن الوفاة ، وإن كانت ممن يحل للزوج نكاحها كالمختلعة ، والمفسوخة نكاحها ، فيجوز لزوجها خطبتها تصريحا ، وتعريضا ، وهل يجوز للغير تعريضا ؟ فيه قولان : أحدهما يجوز كالمطلقة ثلاثا ، والثاني : لا يجوز ، لأنه يجوز لصاحب العدة معاودتها ، كالرجعية لا يجوز للغير تعريضها بالخطبة بالاتفاق ، والتعريض بالخطبة : أن يعرض لها بما يدلها به على إرادته خطبتها من غير تصريح ، وتجيبه المرأة بمثل ذلك ، مثل أن يقول : إذا حللت فآذنيني ، رب راغب فيك ، رب حريص عليك ، من يجد مثلك. قال القاسم : يقول : إنك علي لكريمة ، وإني فيك لراغب ، وإن الله صفحة رقم 299 سائق إليك خيرا ونحو ذلك من القول. وقال عطاء : يعرض ، ولا يبوح ، يقول : إن لي حاجة ، أبشري وأنت بحمد الله نافقة ، وتقول هي : قد أسمع ما تقول ، ولا تعد شيئا ، ولا يواعد وليها بغير علمها ، وإن واعدت رجلا في عدتها ، ثم نكحها بعد ، لم يفرق بينهما ، وقال ابن عباس في قوله سبحانه وتعالى : ( فيما عرضتم به ( [ البقرة : 235 ] يقول : إني أريد التزويج ، ولوددت أنه ييسر لي امرأة صالحة. وقال الحسن : ) لا تواعدوهن سرا ( الزنى. قال الشافعي : والتعريض عند أهل العلم جائز سرا وعلانية على أن السر الذي نهي عنه الجماع. قال أبو عبيد : السر : الإفصاح بالنكاح ، يقال للمجامعة : سر ، وللزنى سر ، ولفرجي الرجل والمرأة سر. وفي الحديث دليل على أن المال معتبر في الكفاءة ، ودليل على جواز تزويج المرأة برضاها من غير كفء ، فإن فاطمة كانت قرشية زوجها من أسامة ، وهو من الموالي. وفيه دليل على جواز الخطبة على خطبة الغير إذا لم تكن المرأة قد أذنت للأول وركنت إليه ، فإن أذنت في رجل ، وركنت إليه ، فليس للغير أن يخطب على خطبته ، والنهي في هذا الموضع. وفيه دليل على أن المشير إذا ذكر الخاطب عند المخطوبة ببعض ما فيه من العيوب على وجه النصيحة لها ، والإرشاد إلى ما فيه حظها ، لم يكن غيبة موجبة للإثم. صفحة رقم 300 وقوله : " لا يضع عصاه عن عاتقه " يتأول على وجهين ، أحدهما الضرب بها ، والتأديب ، والآخر : كثرة السفر والظعن عن الوطن ، يقال : رفع الرجل عصاه : إذا سار ، ووضع عصاه ، إذا نزل وأقام. قال الإمام : والأول أولاهما لما روينا في حديث أبي بكر بن أبي جهم ، " أما أبو جهم ، فرجل ضراب للنساء ". وفيه دليل على إباحة تأديب النساء ، ولو كان غير جائز ، لم يذكر ذلك من فعله إلا مقرونا بالنهي عنه ، والإنكار له. وفي قوله : " وأما معاوية فصعلوك " دليل على أن الرجل إذا لم يجد نفقة أهله ، وطلبت فراقه ، فرق بينهما. وفيه أيضا باب من الرخصة ، ومذهب لحمل الكلام على سعة المجاز وذلك أنه قال : " وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه ، وأما معاوية فصعلوك لا مال له " وقد كان لا محالة يضعها في حال من الأحوال وقد كان لمعاوية مال وإن قل.
فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، ← أبي سلمة بن عبد الرحمن. صفحة رقم ← عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ مَوْلَى الْأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ، ← مَالِكٍ، ← أَبُو مُصْعَبٍ، ← أبو إسحاق الهاشمي ← زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ ← أبو الحسن الشيرزي
شرح السنة للبغوي · ( كتاب العدة ) · Hadith 2385
