شرح السنة للبغوي #1752
1752 - أخبرنا أبو عثمان الضبي ، أنا أبو محمد الجراحي ، نا أبو العباس المحبوبي ، نا أبو عيسى الترمذي ، نا نصر بن علي الجهضمي وأبو عمار ، المعنى واحد ، واللفظ لفظ أبي عمار ، قال : أخبرنا سفيان ابن عيينة ، عن الزهري ، عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال : أتاه رجل ، فقال : يا رسول الله هلكت ، قال : وما أهلكك ؟ قال : وقعت على امرأتي في رمضان ، قال : هل تستطيع أن تعتق رقبة ؟ قال : لا ، قال فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين ؟ قال : لا ، قال : فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينا ؟ قال : لا ، قال : اجلس ، فجلس ، فأتي النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بعرق فيه تمر - والعرق : المكتل الضخم - قال : فتصدق به قال : ما بين لابتيها أحد أفقر منا ، قال : فضحك النبي ( صلى الله عليه وسلم ) حتى بدت أنيابه ، قال خذه فأطعمه أهلك ". صفحة رقم 283 هذا حديث متفق على صحته أخرجه محمد عن علي بن عبد الله ، وأخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى ، وأبي بكر بن أبي شيبة وغيره ، كلهم عن سفيان بن عيينة. وروى هشام بن سعد ، عن ابن شهاب ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة هذا الحديث ، وقال : " فأتي بعرق قدر خمسة عشر صاعا " وقال فيه : " كله أنت وأهل بيتك ، وصم يوما ، واستغفر الله ". والعرق فسره بالمكتل ، وأصله السفيفة تنسج من الخوص قبل أن يتخذ منها الزبل ، فسمي الزبيل والمكتل عرقا بذلك ، لأنه بصير إليه ، وكذلك كل شيء مضفور ، فهو عرق بفتح الراء. صفحة رقم 284 قال رحمه الله : أجمعت الأمة على أن من جامع متعمدا في نهار رمضان يفسد صومه ، وعليه القضاء ، ويعزر على سوء صنيعه. والحديث يدل على أن من ارتكب ما يوجب تعزيرا لله تعالى يجوز للإمام تركه ، فإن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لم يأمر بتعزير الأعرابي ، وذهب عامة أهل العلم إلى أن عليه الكفارة إذا أفسد صومه بالجماع على ما ورد في الحديث ، وحكي عن سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وقتادة أنهم قالوا : لا كفارة عليه ، ويشبه أن يكون الحديث لم يبلغهم. صفحة رقم 285 وكفارة الجماع مرتبة مثل الظهار ، فعليه عتق رقبة مؤمنة ، فإن لم يجد ، فعليه أن يصوم شهرين متتابعين ، فإن لم يستطع ، فعليه أن يطعم ستين مسكينا ، هذا قول أكثر العلماء ، وقال مالك كفارة الجماع مخيرة ، فيخير المجامع بين العتق والصوم والإطعام. وفيه دلالة من حيث الظاهر أن طعام الكفارة مد لكل مسكين لا يجوز أقل منه ، ولا يجب أكثر ، لأن خمسة عشر صاعا إذا قسمت بين ستين مسكينا يخص كل واحد منهم مد ، وإلى هذا ذهب الأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد. وكذلك في جميع الكفارات إلا فدية الأذى يجب فيها لكل مسكين مدان للحديث فيه. صفحة رقم 286 وقال سفيان الثوري ، وأصحاب الرأي : يجب أن يطعم كل مسكين نصف صاع من جميع الكفارات ، وقال بعضهم من القمح : نصف صاع ، ومن غيره من الحبوب صاع ، وقد روي في خبر سلمة بن صخر في كفارة الظهار ، وروي عن سليمان بن يسار أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال لسلمة " : أطعم عنك ستين مسكينا وسقا من تمر ، والوسق يكون ستين صاعا فيكون لكل مسكين صاع. قال محمد بن إسماعيل : حديث سليمان بن يسار مرسل ، لأنه لم يدرك سلمة بن صخر. وروى أبو سلمة بن عبد الرحمن عن سلمة بن صخر حديث الظهار ، وقال في العرق : هو مكتل يسع خمسة عشر صاعا. وروى محمد بن إسحاق بن يسار أن العرق مكتل يسع ثلاثين صاعا. وروي عن أوس بن الصامت في كفارة الظهار ، وفسر العرق فيه بستين صاعا. فخرج من اختلاف الروايات أن العرق يختلف في السعة والضيق فيكون بعضها أكبر وبعضها أصغر ، فذهب الشافعي إلى حديث أبي هريرة في كفارة المجامع ، لأنه لا معارض له ، وقد وقع التعارض في روايات الظهار ، ولأن حديث أبي هريرة أجود إسنادا وأحسن اتصالا غير أن أحوط الأمرين أن يطعم كل مسكين صاعا أو نصف صاع ، ولا يقتصر على المد ، لأن من الجائز أن يكون العرق الذي أتي به رسول صفحة رقم 287 الله ( صلى الله عليه وسلم ) المقدر بخمسة عشر قاصرا عن مبلغ الواجب عليه ، فأمر النبي [ ] أن يتصدق بذلك القدر ، ويكون الباقي دينا عليه إلى أن يجده. وقوله : " كل أنت وأهل بيتك " اختلفوا في تأويله ، حكي عن الزهري أنه قال : كان هذا خاصا لذلك الرجل ، فأما اليوم ، فمن فعله يجب عليه التكفير. وذهب قوم إلى أنه منسوخ ، ولا دليل على واحد من هذين القولين ، وأحسن ما قيل فيه ما ذكره الشافعي : وهو أن هذا رجل وجبت عليه الكفارة ، فلم يكن عنده ما يشتري به الرقبة ، ولم يطق الصوم ، ولم يجد ما يطعم ، فأمر له النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بطعام ليتصدق به ، فأخبر أنه ليس بالمدينة أحوج منه ، فلم ير له أن يتصدق على غيره ، ويترك نفسه وعياله ، فأمره بصرفه إلى قوت نفسه وعياله ، وسقطت عنه الكفارة في الوقت ، وصارت في ذمته إلى أن يجدها كالمفلس يمهل إلى اليسار. قال رحمه الله : وفيه دليل على أن العبرة في الكفارات بحالة الأداء وهو قول أكثر العلماء ، وأظهر قولي الشافعي ، لأن الرجل حالة ارتكاب المحظور لم يكن له شيء ، فلما تصدق عليه ، أمره بأن يكفر ، فلما ذكر حاجته ، أخرها عليه إلى الوجد. قال رحمه الله : فإن كان واجدا للرقبة يوم الوجوب ، فلم يعتق حتى عدمها يجوز له أن يصوم ، وإن عجز عن الصوم بعدما كان قادرا عليه ، فله أن يكفر بالإطعام ، وإن كان عادما للرقبة يوم الوجوب ، عاجزا عن الصوم ، صفحة رقم 288 فقبل أن يطعم ، قدر على الرقبة ، فعليه التكفير بالإعتاق ، وإن قدر على الصوم يجب عليه أن يصوم ، وإن لم يكن قادرا على شيء منها ، فيأتي بأسرع ما يقدر عليه. وفي بعض الروايات في هذا الحديث الرجل لما قال : " ما بين لابتيها أحوج منا " قال : " فأطعمه أهلك " فحمله بعضهم على أنه أمره أن يطعم أهله من الكفارة. وعند عامة أهل العلم إنما يجوز صرفه إلى من لا يلزمه نفقته من أقاربه ، فأما من يلزمه نفقتهم عند العدم كالوالدين والمولودين ، فلا يجوز وضع طعام الكفارة فيهم. واختلفوا في المرأة الصائمة إذا طاوعت في الجماع في نهار رمضان : هل يلزمها الكفارة ؟ فذهب أكثر أهل العلم إلى أنه يلزمها الكفارة في مالها ، لأنها أفطرت بجماع عمد كالرجل ، والمشهور من قول الشافعي أنه لا يجب إلا كفارة واحدة ، وهي على الرجل دونها ، وكذلك قال الأوزاعي إلا أنه قال : إن كانت الكفارة بالصوم ، كان على كل واحد منهما صوم شهرين متتابعين ، واحتجوا بأن الرجل سأل النبي ( صلى الله عليه وسلم ) عن فعل جرى بينه وبين زوجته ، ولم يوجب النبي ( صلى الله عليه وسلم ) إلا كفارة واحدة. قال الخطابي : وهذا غير لازم وذلك أن هذا حكاية حال لا عموم لها ، وقد يمكن أن تكون المرأة مفطرة بعذر مرض أو سفر ، أو تكون مستكرهة ، أو ناهية لصومها أو نحو ذلك من الأمور. قال رحمه الله : فإذا كان كذلك لم يكن ما ذكروه حجة لسقوط الكفارة عنها عند تعمد الفطر بالجماع. وقوله : " صم يوما واستغفر الله " فيه بيان أن قضاء ذلك اليوم صفحة رقم 289 لا يدخل في صيام الشهرين عن الكفارة ، وهو قول عامة أهل العلم غير الأوزاعي ، فإنه قال : إن كفر بالصوم ، دخل فيه صوم القضاء ، وإن كفر بالعتق أو بالإطعام ، فعليه قضاء يوم الجماع. ولو أفطر يوما من شهر رمضان بأكل أو شرب متعمدا ، اختلفوا في وجوب الكفارة عليه ، فذهب قوم إلى وجوب الكفارة عليه ، كما لو أفطر بالجماع ، وهو قول مالك والثوري ، وابن المبارك وإسحاق ، وبه قال أصحاب الرأي ، وقالوا : لو ابتلع حصاة ، أو نواة لا كفارة عليه. وذهب قوم إلى أنه لا كفارة على من أفطر بغير الجماع ، وهو قول الشافعي وأحمد ، وروي أن عمر أتي برجل قد أفطر في رمضان ، فلما رفع إليه عثر ، فقال : على وجهك ، ويحك وصبياننا صيام ، فضربه ، وسيره إلى الشام ، وكان إذا غضب على أحد سيره إلى الشام.
أَبِي هُرَيْرَةَ، ← حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ← الزُّهْرِيِّ، ← سفيان ابْنُ عُيَيْنَةَ، ← احد واللفظ لفظ أبي عمار ← أبو عمار المعنى ← نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ ← أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ ← أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ ← أبو محمد الجراحي ← أبو عثمان الضبي
شرح السنة للبغوي · ( كتاب الصيام ) · Hadith 1752
