بحر الفوائد المشهور بمعاني الأخبار للكلاباذي - مشكول - ت محمد حسن إسماعيل - أحمد فريد المزيدي - ن دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان #87
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نُعَيْمِ بْنِ نَاعِمٍ , قَالَ : حَدَّثَنا أَبِي قَالَ : حَدَّثَنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنا سُفْيَانُ , عَنْ حَكِيمِ بْنِ الدَّيْلَمِيِّ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , عَنْ أَبِي مُوسَى , نَحْوَهُ , وَقَالَ : حِجَابُهُ النَّهَارُ.
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ : قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَنَامُ نَفَى عَنْهُ النَّوْمَ الَّذِي هُوَ الِاسْتِرَاحَةُ مِنَ التَّعَبِ وَالنَّصْبِ , وَاللَّهُ تَعَالَى يَتَعَالَى عَنِ . . . . اسْتِرَاحَة لَهُ بِصِفَةٍ , وَالنَّوْمُ غَفْلَةٌ , وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَتَعَالَى عَنْ ذَلِكَ , وَنَفَى بِقَوْلِهِ : لَا يَنْبَغِي أَنْ يَنَامَ جَوَازَهُ عَلَيْهِ , أَيْ : لَا يَنَامُ , وَلَا يَجُوزُ النَّوْمُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ آفَةٌ , وَالْآفَةُ حَدَثٌ , وَلَيْسَ عَزَّ وَجَلَّ بِمَحَلٍّ لِلْحَوَادِثِ تَعَالَى عَزَّ وَجَلَّ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
وَقَوْلُهُ : يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ رَفْعَ أَهْلِ الْقِسْطِ وَهُوَ الْعَدْلُ , وَيَضَعُ أَهْلَ الْجَوْرِ , أَيْ بِرَفْعِ قَدْرِ أَهْلِ الْعَدْلِ فِي الدُّنْيَا بَيْنَ النَّاسِ بِالثَّنَاءِ الْحَسَنِ , وَالْحِفْظِ لَهُمْ وَالْعَوْنِ , وَفِي الْآخِرَةِ بِالثَّوَابِ وَالدَّرَجَاتِ , وَيَضَعُ أَهْلَ الْجَوْرِ فِي الدُّنْيَا بِالْبُغْضِ لَهُمْ مِنَ النَّاسِ , وَالْعَاقِبَةِ الْوَبِئَةِ , وَفِي الْآخِرَةِ بِالْعُقُوبَةِ , وَخِفَّةِ الْمِيزَانِ , فَلَا يُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ,فَكَأَنَّهُ قَالَ : يَخْفِضُ أَقْوَامًا لِأَجْلِ الْقِسْطِ لِأَنَّهُمْ تَرَكُوهُ , وَلَمْ يَعْمَلُوا بِهِ , وَيَرْفَعُ أَقْوَامًا لِأَجْلِ الْقِسْطِ لِأَنَّهُمْ عَمِلُوا بِهِ , وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ يَخْفِضُ بِالْقِسْطِ وَيَرْفَعُ بِالْقِسْطِ , وَمَعْنَاهُ يَرْفَعُ أَقْوَامًا فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا بِالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْهِدَايَةِ وَالْإِيمَانِ وَمَرَاتِبِهِ , وَيَضَعُ آخَرِينَ بِالذُّلِّ وَالْجَهْلِ وَالضَّلَالِ وَالْكُفْرِ , وَهُوَ فِي ذَلِكَ عَادِلٌ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ , وَلَا جَائِرٍ عَلَيْهِمْ ؛ لِأَنَّ الظُّلْمَ لَا يَكُونُ مِنْهُ , وَالْجَوْرَ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ تَحْتَ قُدْرَةِ قَادِرٍ , وَلَا فَوْقَهُ آَمِرٌ , وَلَا زَاجِرٌ , فَيَكُونُ ظَالِمًا بِتَرْكِ الْأَمْرِ , أَوْ جَائِرًا عَنْ سُنَنِ الْحَقِّ تَعَالَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى يَخْفِضُ الْقِسْطَ , أَيْ : يُنْقِصُ الْعَدْلَ فِي الْأَرْضِ بِغَلَبَةِ الْجَوْرِ وَأَهْلِهِ , وَيَرْفَعُهُ بِالْبَسْطِ فِي الْأَرْضِ بِغَلَبَةِ الْعَدْلِ وَأَهْلِهِ , فَقَدْ كَانَ الْقِسْطُ وَالْعَدْلُ وَالْإِيمَانُ غَيْرَ مَوْجُودٍ , وَلَا مَعْرُوفٍ بِغَلَبَةِ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ , ثُمَّ بَسَطَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِإِرْسَالِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ , ثُمَّ ظَهَرَ الْجَوْرُ وَالْكُفْرُ حَتَّى أَرْسَلَ اللَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَبَسَطَ الْقِسْطَ , وَأَظْهَرَ الْإِيمَانَ , وَمَحَقَ الْكُفْرَ , ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَأْنِ الْمَهْدِيِّ : فَيَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَجَوْرًا.
وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بَاسِطٌ يَدَهُ لِمُسِيءِ اللَّيْلِ أَنْ يَتُوبَ إِلَى النَّهَارِ , الْيَدُ صِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَصَفَ بِهَا نَفْسَهُ , وَلَوْ لَمْ يَرِدِ السَّمْعُ لَمْ يَجُزِ الْقَوْلُ ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الصِّفَاتِ الْمُتَشَابِهَةِ , فَلَمَّا وَرَدَ السَّمْعُ بِهِ وَجَبَ التَّصْدِيقُ لَهُ , وَالْإِيمَانُ بِهِ , وَتَأْوِيلُهُ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ , وَنَفْيُ التَّشْبِيهِ وَأَوْصَافِ الْحَدَثِ عَنْهُ , قَالَ أَهْلُ الْحَدِيثِ وَسَائِرُ الْمُثْبِتَةِ : لَهُ يَدٌ لَا كَالْأَيْدِي , كَمَا أَنَّهُ مَوْجُودٌ لَا كَالْمَوْجُودِينَ , وَشَيْءٌ لَا كَالْأَشْيَاءِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْمُثْبِتَةِ : إِنَّهَا يَدُ صِفَةٍ , وَلَيْسَتْ بِيَدِ جَارِحَةٍ , وَلَا جُزْءٍ , وَلَا بَعْضٍ كَمَا أَنَّ ذَاتَهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ , وَلَا جَوْهَرٍ , وَلَا عَرَضٍ , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} {الفتح).
وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدِيَّ} {ص) , وَقَالَ تَعَالَى {يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ}.وَوَرَدَ الْخَبَرُ بِقَوْلِهِ : بَاسِطٌ يَدَهُ , فَصَدَّقَهُ الْقُرْآنُ , فَوَجَبَ تَصْدِيقُهُ , وَالْقَوْلُ بِهِ عَلَى مَا قُلْنَا . وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بَاسِطٌ يَدَهُ لِمُسِيءِ اللَّيْلِ إِلَى النَّهَارِ , يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنْ لَا يُثْبِتَ إِسَاءَتَهَ فِي دِيَوَانِهِ لَيْلَتَهُ , وَيُمْهِلَهُ إِلَى النَّهَارِ كَمَا.