بحر الفوائد المشهور بمعاني الأخبار للكلاباذي - مشكول - ت محمد حسن إسماعيل - أحمد فريد المزيدي - ن دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان #302
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ , قَالَ : حَدَّثَنا ابْنُ نَجْدَةَ قَالَ : حَدَّثَنا الْحِمَّانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنا مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ , عَنْ لَيْثِ بْنِ سَعْدٍ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ , عَنْ أَبِي صِرْمَةَ , عَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَجَاءَ اللَّهُ بِقَوْمٍ أَوْ يَخْلُقُ قَوْمًا يُذْنِبُونَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ كَأَنَّهُ يَقُولُ : خَيْرُ بَنِي آدَمَ التَّوَّابُونَ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ بَعْضُ الْكُبَرَاءِ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْإِنْسَانَ وَفِيهِ شُمُوخٌ وَعُلُوٌّ وَتَرَفُّعٌ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى نَفْسِهِ أَبَدًا , وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ لِنَفْسِهِ , وَخَلَقَ سَائِرَ الْأَشْيَاءِ لَهُ فَأَحَبَّ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ نَظَرَهُ إِلَى رَبِّهِ , وَإِعْرَاضَهُ عَمَّا سِوَاهُ لِذَلِكَ سَخَّرَ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ لِيَرْجِعَ عَنْ مَصَالِحِ نَفْسِهِ , وَالشُّغْلِ بِهَا إِلَى رَبِّهِ بِالْإِقْبَالِ عَلَيْهِ , وَالْخَدْمَةِ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ أَقَامَ بِمَصَالِحِهِ قَوْمًا هُمْ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْهُ , وَأَهْدَى لِمَصَالِحِهِ , وَأَعْلَمُ لِمَرَافِقِهِ مِنَ الْعَبْدِ , وَجَعَلَ لَهُ حَظَّهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ مُعَقِّبَاتٍ فَكَفَاهُ رَبُّهُ كُلَّ مُؤْنَةٍ دِينِيَّةٍ وَدُنْيَاوِيَّةٍ , بَعَثَ رُسُلًا , وَأَنْزَلَ كُتُبًا , وَأَقَامَ شَرِيعَةً , وَنَصَبَ لَهُ دُعَاةً , وَجَعَلَ لَهُ شُفَعَاءَ مِنْ حَمَلَةِ عَرْشِهِ , وَكِرَامِ مَلَائِكَتِهِ , لِيَتَفَرَّغَ الْعَبْدُ لِرَبِّهِ تَعَالَى إِقْبَالًا عَلَيْهِ , وَنَظَرًا إِلَيْهِ , وَعَلِمَ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ مَعَ هَذَا كُلِّهِ يَنْظُرُ إِلَى نَفْسِهِ , وَيُقْبِلُ عَلَيْهَا إِعْجَابًا بِهَا , وَعُكُوفًا عَلَيْهَا فَكَتَبَ عَلَيْهِ مَا يَصْرِفُهُ إِلَيْهِ , وَقَدَّرَ لَهُ مَا يَشْغَلُهُ بِهِ , إِذَا شُغِلَ عَنْهُ وَصُرِفَ مِنْهُ مِنْ شَرٍّ يَعْمَلُهُ , وَسُوءٍ يَأْتِيهِ , وَمَعْصِيَةٍ يَرْتَكِبُهَا , وَكَبِيرَهٍ يُوَاقِعُهَا , وَصَغِيرَةٍ لَا يَمْتَنِعُ مِنْهَا . يُنَبِّهُهُ لِنَظَرِهِ إِلَيْهِ , وَيَبْعَثُهُ عَلَى إِقْبَالِهِ عَلَيْهِ : فَقَالَ تَعَالَى {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} , وَقَالَ تَعَالَى {تُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} {النور) ,وَقَالَ جَلَّ جَلَالُهُ {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ} . وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ بِضَالَّتِهِ يَجِدُهَا بِأَرْضٍ فَلَاةٍ , وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ الْمُفَتَّنَ التَّوَّابَ , وَقَالَ : السِّرُّ بِالسِّرِّ وَالْعَلَانِيَةُ بِالْعَلَانِيَةِ.
أَخْبَرَ أَنَّ الشَّرَّ الَّذِي يَعْمَلُهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ , وَفِي حَالَيْنِ سِرًّا وَجَهْرًا , فَالسِّرُّ أَفْعَالُ الْقُلُوبِ وَالْعَلَانِيَةُ أَفْعَالُ الْجَوَارِحِ , كَأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِذَا عَمِلْتَ شَرًّا بِسِرِّكَ فَأَحْدِثْ تَوْبَةً بِسِرِّكَ , وَإِذَا عَمِلْتَ شَرًّا بِجَوَارِحِكَ فَأَحْدِثْ تَوْبَةً بِجَوَارِحِكَ , فَأَفْعَالُ السِّرِّ مِنَ الذُّنُوبِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ طَمَعٌ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ , وَمَخَافَةٌ مِنْهُ وَرَجَاءٌ إِلَيْهِ وَمُعَادَاةُ أَوْلِيَائِهِ , وَمُوَالَاةُ أَعْدَائِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ}.
وَفِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ عِبَادِ اللَّهِ حَسَدٌ لِمُؤْمِنٍ , وَتُهْمَةٌ لِبَرِيءٍ , وَبَغْيٌ عَلَى مُسْلِمٍ , وَحِقْدٌ يُضْمِرُهُ , وَسُوءٌ يُرِيدُهُ بِهِ , وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ أَفْعَالِ الْقُلُوبِ , فَعَلَيْهِ أَنْ يُحْدِثَ تَوْبَةً مِنْهَا بِسِرِّهِ بِاكْتِسَابِ مَا يُزِيلُهَا وَيُثَبِّتُ أَضْدَادَهَا ؛ لِأَنَّ سَائِرَ أَعْمَالِ الْجَوَارِحِ مِنْ صَلَاةٍ وَصَوْمٍ وَحَجٍّ وَغَزْوٍ وَأَمْثَالِهَا لَا يُجْدِي عَلَيْهِ كَثِيرُ نَفْعٍ مِنْهَا مَعَ فَسَادِ السِّرِّ وَنَجَاسَةِ الْقَلْبِ , فَإِنَّ الْقَلْبَ لَا يَكَادُ يُطَهِّرُهَا بِأَفْعَالِ الْجَوَارِحِ.
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَكَمُ لِأَبِي بَكْرٍ الْوَرَّاقِ رَحِمَهُ اللَّهُ:
إِنَّ الْجَرَائِمَ أَقْفَلَتْ بَابَ الْهُدَى فَالْعِلْمُ لَيْسَ بِفَاتِحٍ أَقْفَالِهَا
إِنَّ الْقُلُوبَ تَنَجَّسَتْ بِبَطَالَةٍ فَالسَّعْيُ غَيْرُ مُطَهِّرٍ أَفْعَالَهَا وَذُنُوبُ الْعَلَانِيَةِ فِيمَا بَيْنَ اللَّهِ وَالْعَبْدِ تَرْكُ مَا أَمَرَ بِهِ , وَارْتِكَابُ مَا نَهَى عَنْهُ مِنْ تَضْيِيعِ فَرْضٍ وَإِضَاعَةِ حَقٍّ , وَمُجَاوَزَةِ حَدٍّ , وَقُصُورٍ عَنْهُ . وَفِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى : الْمَظَالِمُ وَالْجِنَايَاتُ قَوْلًا وَفِعْلًا , وَتَوْبَةُ الْعَبْدِ مِنْهَا عَلَانِيَةٌ مِنْ رَدِّ الْمَظَالِمِ وَالِاسْتِحْلَالِ مِنْ أَرْبَابِهَا , وَالْخُرُوجِ إِلَيْهِمْ مَحَالَتُهُمْ عَلَيْهِ , وَقَضَاءِ مَا فَاتَ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ مِنْ صَلَاةٍ وَصَوْمٍ وَزَكَاةٍ وَحَجٍّ , وَالِانْتِهَاءِ عَمَّا نُهِيَ عَنْهُ وَإِخْرَاجِ مَا حَصَّلَ مِنْ مَالٍ , أَوْ مَتَاعٍ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ}.وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَدُّوا الْخَائِطَ وَالْمِخْيَطَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْفَعُ الْعَبْدَ نَدَمُهُ بِسِرِّهِ عَلَى مَا مَضَى مَعَ إِقَامَتِهِ عَلَى مِثْلِهِ فِي الْوَقْتِ , وَتَوْبَتُهُ مِنِ ارْتِكَابِ الْمَظَالِمِ بِسِرِّهِ مَعَ تَمَسُّكِهِ بِمَا فِي يَدَيْهِ . رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ : إِذَا قَالَ الْمُلَبِّي : لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ , وَعِنْدَهُ مَالٌ حَرَامٌ قِيلَ لَهُ : لَا لَبَّيْكَ , وَلَا سَعْدَيْكَ حَتَّى تَرُدَّ مَا فِي يَدَيْكَ لِذَلِكَ قَالَ السِّرُّ بِالسِّرِّ , وَالْعَلَانِيَةُ بِالْعَلَانِيَةِ.
حَدِيثٌ آخَرُ.
أَبِي أَيُّوبَ، ← ابي صرمة ← مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ، ← لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ ← مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ، ← الحماني ← ابْنُ نَجْدَةَ، ← أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ
بحر الفوائد المشهور بمعاني الأخبار للكلاباذي - مشكول - ت محمد حسن إسماعيل - أحمد فريد المزيدي - ن دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان · کتاب · Hadith 302
bookmark Bookmarkshare Sharecontent_copy Copy