980- قال: وحدثنا محمد بن العلاء، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن معروف بن خربوذ, عن أبي الطفيل، قال: سمعت عليا على المنبر,يقول: أتحبون أن يكذب الله ورسوله، لا تحدثون الناس إلا بما يعلمون3. - وقد تقدم قول ابن مسعود, رضي الله عنه: ما أنت محدث قوما حديثا لم تبلغه عقولهم إلا كان عليهم فتنة4. - وعن أبي هريرة أنه قال: لقد حدثتكم بأحاديث لو حدثت بها زمن عمر بن الخطاب لضربني عمر بالدرة. - قال أبو عمر: احتج بعض من لا علم له ولا معرفة من أهل البدع وغيرهم الطاعنين في السنن بحديث عمر هذا قوله: أقلوا الرواية عن رسول الله, صلى الله عليه وسلم: وبما ذكرنا في هذا الباب من الأحاديث وغيرها، وجعلوا ذلك ذريعة إلى الزهد في سنن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- التي لا يوصل إلى مراد كتاب الله إلا بها، والطعن على أهلها، ولا حجة في هذا الحديث ولا دليل على شيء مما ذهبوا إليه من وجوه قد ذكرها أهل العلم. منها: أن وجه قول عمر إنما كان لقوم لم يكونوا أحصوا القرآن، فخشي عليهم الاشتغال بغيره عنه، إذ هو الأصل لكل علم، هذا معنى قول أبي عبيد1 في ذلك، واحتج بما رواه عن حجاج، عن المسعودي، عن عون بن عبد الله بن عتبة قال: مل أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ملة, فقالوا: يا رسول الله حدثنا، فأنزل الله, جل وعز: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ} {الزمر: 23} إلى آخر الآية. قال: ثم ملوا ملة أخرى، فقالوا: يا رسول الله حدثنا شيئا فوق الحديث ودون القرآن يعنون القصص. فأنزل: {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} {يوسف: 1} إلى قوله: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} {يوسف: 3} الآية. قال: فإن أرادوا الحديث دلهم على أحسن الحديث، وإن أرادوا القصص دلهم على أحسن القصص2. وقال غيره: إن عمر إنما نهى عن الحديث عما لا يفيد حكما ولا يكون سنة. وطعن غيرهم في حديث قرظة هذا وردوه؛ لأن الآثار الثابتة عن عمر خلافه. ومنها: ما روى مالك ومعمر وغيرهما، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عتبة، عن عبد الله بن عباس، عن عمر بن الخطاب في حديث السقيفة أنه خطب يوم جمعة فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإني أريد أن أقول مقالة قد قدر لي أن أقولها، من وعاها وعقلها وحفظها فليحدث بها حيث تنتهي به راحلته، ومن خشي أن لا يعيها فإني لا أحل له أن يكذب عليّ، إن الله بعث محمدًا -صلى الله عليه وسلم- بالحق وأنزل معه الكتاب، فكان مما أنزل معه الرجم... وذكر الحديث1. وهذا يدل على أن نهيه عن الإكثار وأمره بالإقلال من الرواية عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إنما كان خوف الكذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وخوفا أن يكونوا مع الإكثار يحدثون بما لم يتيقنوا حفظه، ولم يعوه؛ لأن ضبط من قلت روايته أكثر من ضبط المستكثر، وهو أبعد من السهو والغلط الذي لا يؤمن مع الإكثار، فلهذا أمرهم عمر من الإقلال من الرواية، ولو كره الرواية وذمها لنهى عن الإقلال منها والإكثار، ألا تراه يقول: فمن حفظها ووعاها فليحدث بها. فكيف يأمرهم بالحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وينهاهم عنه؟ هذا لا يستقيم، بل كيف ينهاهم عن الحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويأمرهم بالإقلال منه، وهو يندبهم إلى الحديث عن نفسه بقوله من حفظ من حفظ مقالتي ووعاها فليحدث بها حيث تنتهي به راحلته؟!! ثم قال: ومن خشي أن لا يعيها فلا يكذب عليّ. وهذا يوضح لك ما ذكرنا، والآثار الصحاح عنه من رواية أهل المدينة بخلاف حديث قرظة هذا، وإنما يدور على بيان, عن الشعبي، وليس مثله حجة في هذا الباب؛ لأنه يعارض السنن والكتاب: قال الله, جل وعز: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} {الأحزاب: 21}. وقال: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} {الحشر: 7}. وقال فيه: {النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِه} {الأعراف: 158}. وقال: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، صِرَاطِ اللَّهِ} {الشورى: 52-53} ومثل هذا في القرآن كثير، ولا سبيل إلى اتباعه والتأسي به والوقوف عند أمره إلا بالخبر عنه، فكيف يتوهم أحد على عمر أنه يأمر بخلاف ما أمر الله به، وقد قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: "نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها ثم أداها إلى من لم يسمعها"1 الحديث. وقد ذكرناه من طرق في صدر هذا الكتاب. وفيه الحض الوكيد على التبليغ عنه -صلى الله عليه وسلم- وقال: "خذوا عني"2 في غير ما حديث و: "بلغوا عني"3 والكلام في هذا أوضح من النهار لأولي النهى والاعتبار، ولا يخلو الحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أن يكون خيرا أو شرا، فإن كان خيرا ولا شك فيه أنه خير فالإكثار من الخير أفضل, وإن كان شرا ولا يجوز أن يتوهم أن عمر يوصيهم بالإقلال من الشر. وهذا يدلك أنه إنما أمرهم بذلك خوف مواقعة الكذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وخوف الاشتغال عن تدبر السنن والقرآن؛ لأن المكثر لا تكاد تراه إلا غير متدبر ولا متفقه. - وذكر مسلم بن الحجاج في كتاب التمييز، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنبأنا الفضل بن موسى، قال: حدثنا الحسين بن واقد، عن الرديني بن أبي مجلز، عن أبيه، عن قيس بن عباد، قال سمعت عمر بن الخطاب، يقول: من سمع حديثا فأداه كما سمع فقد سلم4. ومما يدل على هذا ما قد ذكرناه فيما يروى عن عمر أنه كان يقول: تعلموا الفرائض والسنة كما تتعلمون القرآن, فسوى بينهما1.
جامع بيان العلم وفضله القرطبي - ت أبو عبد الرحمن فواز أحمد زمرلي - ن مؤسسة الريان - دار ابن حزم · Hadith 980
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
