3514 - أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ومحمد بن أحمد العارف قالا : أخبرنا أبو بكر الحيري ، نا الأصم ( ح ) وأخبرنا عبد الوهاب ابن محمد الكسائي ، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، نا أبو العباس محمد ابن يعقوب الأصم ، أنا الربيع ، أنا الشافعي ، أنا ابن عيينة ، عن سهيل بن أبي صالح ، عن عطاء بن يزيد الليثي. عن تميم الداري قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " الدين النصيحة ، الدين النصيحة ، الدين النصيحة لله ولكتابه ولنبييه ، ولأئمة المسلمين وعامتهم ". هذا حديث صحيح أخرجه مسلم عن محمد بن عباد المكي ، عن سفيان بن عيينة. قال أبو سليمان الخطابي : النصيحة كلمة جامعة يعبر بها عن جملة صفحة رقم 94 هي إرادة الخير ، وليس يمكن أن يعبر عن هذا المعنى بكلمة واحدةٍ تحصرها ، وتجمع معناها غيرها ، كما قالوا في الفلاح : ليس في كلام العرب كلمةٌ أجمع لخير الدنيا والآخرة منه ، ولذلك قالوا : أفلح الرجل : إذا فاز بالخير الدائم الذي لا انقطاع له ، وأصل النصح في اللغة : الخلوص ، يقال : نصحت العسل : إذا خلصته من الشمع ، ويقال : هو مأخوذٌ من : نصح الرجل ثوبه ، أي : خاطه ، شبهوا فعل الناصح فيما يتحراه من صلاح المنصوح له بفعل الخياط فيما يسد من حلل الثوب. وقوله عليه السلام : " الدين النصيحة " يريد عماد أمر الدين إنما هو النصيحة ، وبها ثباته ، كقوله عليه السلام : " الأعمال بالنيات " أي : صحتها وثباتها بالنية. فمعنى نصيحة الله سبحانه وتعالى : الإيمان به ، وصحةُ الإعتقاد في وحدانيته ، وترك الإلحاد في صفاته ، وإخلاص النية في عبادته ، وبذل الطاعة فيما أمر به ، ونهى عنه ، وموالاةُ من أطاعه ، ومعاداةُ من عصاه ، والاعتراف بنعمه ، والشكر له عليها ، وحقيقة هذه الإضافة راجعةٌ إلى العبد في نصيحة نفسه لله ، والله غني عن نصح كل ناصح. أما النصيحة لكتاب الله ، فالإيمان به ، وبأنه كلام الله ووحيه وتنزيله ، لا يقدر على مثله أحدٌ من المخلوقين ، وإقامة حروفه في التلاوة ، والتصديق بوعده ووعيده ، والاعتبار بمواعظه ، والتفكر في عجائبه ، والعمل بمحكمه ، والتسليم لمتشابهه. وأما النصيحة ل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فهي التصديق بنبوته ، وقبول ما جاء به ، ودعا إليه ، وبذل الطاعة له فيما أمر ونهى ، والانقيادُ له فيما حكم صفحة رقم 95 وأمضى ، وترك التقديم بين يديه ، وإعظام حقه ، وتعزيره وتوقيره ومؤازرته ونصرته وإحياء طريقته في بث الدعوة ، وإشاعة السنة ، ونفي التهمة في جميع ما قاله ونطق به ، كما قال جل ذكره : ) فلا وَربّكَ لا يُؤمِنُونَ حتى يُحكموكَ فِيمَا شَجَرَ بيْنَهُمْ ) ) النساء : 65 ) وقال عز اسمه : ) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى ) ) النجم : 3 ). وأما النصيحة لأئمة المسلمين ، فالأئمة هم الولاة من الخلفاء الراشدين فمن بعدهم ممن يلي أمر هذه الأمة ، ويقوم به ، فمن نصيحتهم بذل الطاعة لهم في المعروف ، والصلاة خلفهم ، وجهادُ الكفار معهم ، وأداءُ الصدقات إليهم ، وترك الخروج عليهم بالسيف إذا ظهر منهم حيفٌ ، أو سوءُ سيرةٍ ، وتنبيههم عند الغفلة ، وألا يغروا بالثناء الكاذب عليهم ، وأن يدعى بالصلاح لهم. وقد يتأول ذلك أيضاً في الأئمة الذين هم علماء الدين ، فمن نصيحتهم قبول ما رووه إذا انفردوا ، وتقليدهم ومتابعتهم على ما رووه إذا اجتمعوا. وأما نصيحة المسلمين ، فجماعها إرشادهم إلى مصالحهم من تعليم ما يجهلونه من أمر الدين ، وأمرهم بالمعروف ، ونهيهم عن المنكر ، والشفقةِ عليهم ، وتوقير كبيرهم ، والترحم على صغيرهم ، وتخولهم بالموعظة الحسنة ، كما أرشد الله تعالى إليه في قوله سبحانه وتعالى : ( ادْعُ إلى سَبيلِ رَبِّكَ بالحكمةِ والموعِظَةِ الحسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالّتِي هِيَ أحْسَنُ ( ( النمل : 125 ) قيل : إن المجادلة بالتي هي أحسن : ما كان نحو قوله عز وجل حكايةً عن إبراهيم عليه السلام : ) يا أبتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلاَ يُبصرُ وَلاَ يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً ) ) مريم : 42 ) وقوله صفحة رقم 96 سبحانه وتعالى : ( هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إذْ تَدْعونَ ) ) الشعراء : 72 ) فإن مثل هذه المجادلة يقيم الحجة ، ولا يورث الوحشة ، وهو معنى الدعاء إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة. والله أعلم.
شرح السنة للبغوي · Hadith 3514
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
