2532 - أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي ، أنا أبو محمد عبد الله بن يوسف بن محمد بن باموية الأصبهاني ، أنا أبو محمد دعلج ابن أحمد السجزي ، أنا أبو سليمان القزاز ، نا هانئ بن يحيى ، نا قزعة ابن سويد ، عن المثنى بن الصباح ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه عن جده أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) رقي درج البيت يوم الفتح ، فقال : الحمد لله الذي صدق وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده ، هي حرام بحرام الله ، لا يختلى صفحة رقم 173 خلاها ، ولا ينفر صيدها ، ولا تلتقط لقطتها إلا لمنشد ، فقال العباس : يا رسول الله إلا الإذخر ، فإنه لبيوتنا وموتانا ، فقال : ( إلا الإذخر ، المسلمون يد على من سواهم ، تتكافأ دماؤهم ، ويسعى بذمتهم أدناهم ، ويجير عليهم اقصاهم ، ولا يتقل مؤمن بكافر ، ولا ذو عهد في عهده ، ولا يتوارث أهل ملتين. قوله : ( المسلمون يد على من سواهم ) فمعنى اليد : النصرة ، والمعونة بالمحاربة مع جميع أهل الملل ، والمعاونة من بعضهم لبعض ، فإذا استنفروا ، فعليهم النفير ، ولا يسعهم التخلف ، والتخاذل. قوله : ( تتكافأ دماؤهم ) ، يريد أن دماء المسلمين متساوية في القصاص يقاد الشريف منهم بالوضيع ، والكبير بالصغير ، والعالم بالجاهل ، والرجل بالمرأة. وإذا كان المقتول شريفاً ، أو عالماً ، والقاتل وضيع جاهل لا يقتل به غير قاتله على خلاف ما كان يفعله أهل الجاهلية ، كانوا صفحة رقم 174 لا يرضون في دم الشريف بالاستقادة من قاتله الوضيع حتى يقتلوا عدة من قبيلة القاتل. وقوله : ( ويسعى بذمتهم أدناهم ) معناه : أن واحداً من المسلمين إذا آمن كافراً ، حرم على عامة المسلمين دمه ، وإن كان هذا المجير أدناهم مثل أن يكون عبداً ، أو امرأة ، أو عسيفاً تابعاً ، أو نحو ذلك ، ولا تخفر ذمته. وقوله : ( ويجير عليهم أقصاهم ) معناه : أن بعض المسلمين وإن كان قاصي الدار عن بلاد الكفر إذا عقد للكافر عقد الأمان ، لم يكن لأحد منهم نقضه ، وإن كان أقرب داراً من المعقود له ، وفي بعض الروايات : ( يرد مشدهم على مضعفهم ، ومتسريهم على قاعدهم ) فالمشد : القوي ، والمضعف : من كانت دوابه ضعافاً. وجاء في بعض الحديث المضعف ، أمير الرفقة يريد أن الناس يسيرون بسير الضعيف لا يتقدمونه ، فيتخلف عنهم ويبقى بمضيعة. والمتسري : الذي يخرج في السرية ، معناه : أن يخرج الجيش ، فينيخو بقرب دار العدو ، ثم تنفصل منهم سرية ، فيغنموا ، يردون ما غنموه على الجيش الذين هم ردء لهم ، لا ينفردون به ، بل يكونون جميعاً شركاء فيه ، وهو م عنى قوله : ( ويرد عليهم أقصاهم ) فأما من أقام ببلدة ، ولم يخرج معهم ، فلا شركة له فيه. وفيه دليل على انه لا يقتل المسلم بالكافر ، سواء كان الكافر ذمياً له عهد مؤبد ، أو مستأمناً وعهده إلى مدة ، وإلى هذا ذهب جماعة من صفحة رقم 175 الصحابة والتابعين ، فمن بعدهم ، وهو قول عمر ، وعثمان ، وعلي ، وزيد بن ثابت ، وبه قال عطاء ، وعكرمة ، والحسن البصري ، وعمر ابن عبد العزيز ، وإليه ذهب مالك ، وسفيان الثوري ، وابن شبرمة ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وذهب جماعة إلى أن المسلم يقتل بالذمي ، وهو قول الشعبي ، والنخعي ، وإليه ذهب أصحاب الرأي ، وتأولوا قوله : ( لا يقتل مؤمن بكافر ) أي : بكافر حربي ، بدليل انه عطف عليه ، ولا ذو عهد في عهده ، وذو العهد يقتل بذي العهد ، إنما لا يقتل بالحربي ، وقالوا : تقدير الكلام : لا يقتل مؤمن ، ولا ذو عهد في عهده بكافر. واحتجوا بحديث منقطع ، وهو ما روي عن عبد الرحمن بن البيلماني أن رجلاً من المسلمين قتل رجلاً من أهل الذمة ، فرفع ذلك إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : ( أنا أحق من أوفى بذمته ) ثم أمر به فقتل. فيقول لهم : قوله : ( لا يقتل مؤمن صفحة رقم 176 بكافر ) كلام تام مستقل بنفسه ، فلا وجه لضمه إلى ما بعده ، وإبطال حكم ظاهره ، وقد روينا عن صحيفة علي : ( لا يقتل مؤمن بكافر ) من غير ذكر ذي العهد ، فهو عام في حق جميع الكفار أن لا يقتل به مؤمن ، كما قال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ( لا يرث المسلم الكافر ، ولا الكافر المسلم ، فكان الذمي ، والمستأمن ، والحربي فيه سواء. وقوله : ( ولا ذو عهد في عهده ) أراد به أن ذا العهد لا يجوز قتله ابتداء ، ما دام في العهد ، وفي ذكر المعاهد انه لا يقتل ابتداء فائدة ، وهو أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لما أسقط القود عن المسلم إذا قتل الكافر ، أوجب ذلك توهين حرمة دماء الكفار ، فلم يؤمن من وقوع شبهة لبعض السامعين في حرمة دمائهم ، وإقدام المسرع من المسلمين إلى قتلهم ، فأعاد القول في حظر دمائهم دفعاً للشبهة ، وقطعا لتأويل المتأول ، والله أعلم. وأما حديث ابن البيلماني ، فمنقطع ، لا تقوم به الحجة ، وهو خطأ من حيث إن القاتل كان عمرو بن أمية الضمري ، وكان قد عاش بعد النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، وإن ثبت ، فهو متروك ، لأنه روي أن المقتول الكافر كان رسولاً ، فيكون مستأمناً ، ولا يقتل المسلم بالمستأمن بالاتفاق ، أو هو منسوخ لانه كان قبل الفتح ، وقد قال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) عام الفتح : ( لا يقتل مؤمن بكافر ) فصار الأول به منسوخاً.
شرح السنة للبغوي · Hadith 2532
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
