2431 - أخبرنا أبو الحسن الشيرزي ، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو إسحاق الهاشمي ، أنا أبو مصعب ، عن مالك ، عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أدرك عمر بن الخطاب ، وهو يسير في ركب ، وهو يحلف بأبيه ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ( إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم ، فمن كان حالفاً ، فليحلف بالله ، أو ليصمت ). هذا حديث متفق على صحته أخرجه محمد عن عبد الله بن مسلمة ، صفحة رقم 4 عن مالك ، وأخرجه مسلم عن قتيبة عن الليث عن نافع. ورواه سالم عن ابن عمر ، وزاد عمر قال : فوالله ما حلفت بها منذ سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) نهى عنها ذاكراً ولا آثراً. وقوله : ( ذاكراً ) لم يرد به الذكر الذي هو ضد النسيان ، بل أراد به محدثا عن نفسي ، متكلماً به. وقوله : ( ولا آثراً ) يريد مخبراً به ، من قولك : أثرت الحديث آثره : إذا رويته ، يقول : ما حلفت ذاكراً عن نفسي ، ولا مخبراً عن غيري. قال رحمه الله : اليمين إنما تنعقد بالله ، أو باسم من أسماء الله ، أو بصفة من صفات ذاته ، واليمين به أن يقول : والذي لا إله غيره ، والذي أعبده ، وكان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : ( والذي نفس محمد بيده ). واليمين بأسمائه كقوله : والله ، والرحمن ، والرحيم ، والخالق ، والبارئ ، والرازق ، والرب ، والسميع ، والبصير ، وباسط الرزق ، وفالق الإصباح ، قال ابن عمر : كانت يمين رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ( لا ومقلب القلوب ). فهذا كله يمين ، سواء أراد به اليمين ، أو أطلق ، أو أراد غير اليمين. وحروف القسم ثلاثة : الباء ، والتاء ، والواو ، كقوله : بالله ، صفحة رقم 5 وتالله ، ووالله ، وقال أبو قتادة : قال أبو بكر عند النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : لا ها الله إذاً. واليمين بصفات الذات ، كقوله : وعظمة الله ، وجلال الله ، وعزة الله ، وقدرة الله ، وكبرياء الله ، وعلم الله ، وكلام الله ، فهذا كله يمين ، سواء أراد به اليمين ، أو أطلق ، وكذلك لو قال : وأيم الله ، أو لعمر الله ، فهو يمين إذا أراد به اليمين ، أو أطلق ، قال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في زيد بن حارثة : ( وايم الله إن كان لخليقا للإمارة ، وإن أراد غير اليمين ، فليس بيمين ، وكذلك جميع صفات الذات. ولو قال : علي عهد الله وميثاقه ، فليس بيمين إلا أن يريد به اليمين ، وكذلك لو قال : شهدت بالله ، أو أشهد بالله ، أو عزمت بالله ، أو أعزم بالله ، فلا يكون يمينا إلا أن يريده ، ولو قال : أقسمت بالله ، أو حلفت بالله ، أو أقسم بالله ، أو أحلف بالله ، فإن أراد بالأول إخباراً عن يمين في الماضي ، أو أراد بالثاني وعد يمين في المستقبل ، فليس بيمين ، وإن أراد بهما يمينا في الوقت ، فهو يمين ، وإن أطلق ، ففيه قولان. ولو قال : شهدت أو أشهد ، أو عزمت ، أو أعزم ، أو أقسمت ، أو أقسم ، ولم يقيده بذكر الله ، فليس بيمين ، وإن نواه ، وعند أبي حنيفة : كلها يمين ، قال إبراهيم : كان أصحابنا ينهوننا ونحن غلمان أن نحلف بالشهادة ، والعهد. ولو قال : وخلق الله ، ورزق الله ، فليس بيمين. قال الشافعي : ومن حلف بغير الله ، فهو يمين مكروهة ، وأخشى أن تكون معصية ، لأن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال : ( ألا إن الله ينهاكم صفحة رقم 6 أن تحلفوا بآبائكم ) فإن قيل : أليس قد أقسم الله ببعض مخلوقاته فقال : ( والسماء ذات البروج ) [ البروج : 1 ] ( والشمس وضحاها ) [ الشمس : 1 ] ( والفجر وليال عشر ) [ الفجر : 1 ] ؟ قيل : فيه إضمار معناه : ورب السماء ، ورب الشمس ، كما صرح به في موضع آخر ، فقال عز وجل : ( فلا أقسم برب المشارق والمغارب ) [ المعارج 40 ] ( فورب السماء والأرض إنه لحق ) [ الذاريات : 23 ] فإن قيل : أليس أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال في حديث الأعرابي الذي سأله عن الإسلام ، وقال بعد ما بين له : لا أزيد على هذا ولا أنقص ، فقال عليه السلام ، ( أفلح وأبيه إن صدق ) قيل : تلك كلمة جرت على لسانه على عادة الكلام الجاري على الألسن ، لا على قصد القسم ، وكانت العرب تستعملها كثيراً في خطابها تؤكد بها كلامها لا على وجه التعظيم ، والنهي إنما وقع عنه إذا كان ذلك على وجه التوقير ، والتعظيم له ، كالحالف بالله يقصد بذكر الله سبحانه وتعالى في يمينه التعظيم ، والتوقير صفحة رقم 7 يدل عليه أن فيه ذكر أبي الأعرابي ، ولا يحلف بأبي الغير تعظيماً ، وتوقيراً. وقيل : فيه إضمار ، معناه : ورب أبيه. كما سبق في تأويل الآية. وإنما نهاهم عن ذلك ، لأنهم لم يكونوا يضمرون ذلك في أيمانهم ، وإنما كان مذهبهم في ذلك مذهب التعظيم لآبائهم ، والله أعلم. وروي عن سعد بن عبيدة أن ابن عمر سمع رجلاً يقول : لا والكعبة ، فقال ابن عمر : لا تحلف بغير الله ، فإني سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : ( من حلف بغير الله ، فقد كفر ، أو أشرك ). قال أبو عيسى : هذا حديث حسن. وفسر هذا الحديث بعض أهل العلم على التغليظ ، وهذا مثل ما روي عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : ( الرياء شرك صفحة رقم 8 وقد فسر بعض أهل العلم هذه الآية : ( فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً ) [ الكهف : 110 ] ، قال : لا يرائي ، وروي عن بريدة قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ( من حلف بالأمانة فليس منا ). قال رحمه الله : وهذا أيضاً يشبه أن يكون وعيداً لما أنه حلف بغير الله ، ولا تجب به كفارة عند الشافعي ، وقال أصحاب الرأي : إذا قال : وأمانة الله ، كان يميناً تجب به الكفارة.
شرح السنة للبغوي · Hadith 2431
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
