1451 - أخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي ، أنا أبو طاهر الزيادي ، أنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان ، نا أحمد بن يوسف السلمي ، نا عبد الرزاق ، أنا معمر ، عن همام بن منبه قال : حدثنا أبو هريرة قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " جاء ملك الموت إلى موسى ، فقال له : أجب ربك ، قال : فلطم موسى عين ملك الموت ، ففقأها ، قال : فرجع الملك إلى الله عز وجل ، فقال : إنك أرسلتني إلى عبد لك لا يريد الموت ، وقد فقأ عيني ، قال : فرد إليه عينه ، قال : ارجع إلى عبدي ، فقل له : الحياة تريد ؟ فإن كنت صفحة رقم 266 تريد الحياة ، فضع يدك على متن ثور ، فما وارت يدك من شعرة ، فإنك تعيش بها سنة ، قال : ثم مه ؟ قال : ثم تموت ، قال : فالآن من قريب ، قال : رب أدنني من الأرض المقدسة رمية بحجر ، قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) " لو أني عنده لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر ". هذا حديث متفق على صحته أخرجه محمد عن يحيى بن موسى ، وأخرجه مسلم عن محمد بن رافع ، كلاهما عن عبد الرزاق. قال رحمه الله : هذا الحديث يجب على المرء المسلم الإيمان به على ما جاء به من غير أن يعتبره بما جرى عليه عرف البشر ، فيقع في الارتياب ، لأنه أمر مصدره عن قدرة الله سبحانه وتعالى وحكمه ، وهو مجادلة بين ملك كريم ، ونبي كليم ، كل واحد منهما مخصوص بصفة خرج بها عن حكم عوام البشر ، ومجاري عاداتهم في المعنى الذي خص صفحة رقم 267 به ، فلا يعتبر حالهما بحال غيرهما ، وقد اصطفى الله سبحانه وتعالى موسى برسالاته وبكلامه ، وأيده بالآيات الظاهرة ، والمعجزات الباهرة ، كاليد البيضاء ، والعصا ، وانفلاق البحر ، وغيرها مما نطق به القرآن ، ودلت عليه الآثار ، وكل ذلك إكرام من الله عز وجل أكرمه بها ، فلما دنت وفاته وهو بشر يكره الموت طبعا ، ويجد ألمه حسا ، لطف له بأن لم يفاجئه به بغتة ، ولم يأمر الملك الموكل به أن يأخذه به قهرا ، لكن أرسله إليه منذرا بالموت ، وأمره بالتعرض له على سبيل الامتحان في صورة بشر ، فلما رآه موسى استنكر شأنه ، واستوعر مكانه ، فاحتجز منه دفعا عن نفسه بما كان من صكه إياه ، فأتى ذلك على عينه التي ركبت في الصورة البشرية التي جاءه فيها دون صورة الملكية التي هو مجبول عليها ، وقد كان في طبع موسى ( صلى الله عليه وسلم ) حمية وحدة على ما قص الله علينا من أمره في كتابه من وكزه القبطي ، وإلقائه الألواح ، وأخذه برأس أخيه يجره إليه. وروي أنه كان إذا غضب اشتعلت قلنسوته نارا ، وقد جرت سنة الدين بدفع من قصدك بسوء ، كما جاء في الحديث : " من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم حل لهم أن يفقؤوا عينه ". صفحة رقم 268 فلما نظر موسى إلى شخص في صورة بشر ، هجم عليه يريد نفسه ، ويقصد هلاكه ، وهو لا يثبته ، ولا يعرفه أنه رسول ربه دفعه عن نفسه ، فكان فيه ذهاب عينه ، فلما عاد الملك إلى ربه ، رد الله إليه عينه ، وأعاده رسولا إليه ليعلم نبي الله عليه السلام إذا رأى صحة عينه المفقوءة أنه رسول الله بعثه لقبض روحه ، فاستسلم حينئذ لأمره ، وطاب نفسا بقضائه ، وكل ذلك رفق من الله عز وجل ، ولطف منه في تسهيل ما لم يكن بد من لقائه ، والانقياد لمورد قضائه ، قال : وما أشبه معنى قوله : " ما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن " يكره الموت بترديده رسوله ملك الموت إلى نبيه موسى عليه السلام ، فيما كرهه من نزول الموت به وقد ذكر هذا المعنى أبو سليمان الخطابي في كتابه ردا على من طعن في هذا الحديث وأمثاله من أهل البدع والملحدين أبادهم الله ، وكفى المسلمين شرهم.
شرح السنة للبغوي · Hadith 1451
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
