237 - حدثنا محمد بن نعيم بن ناعم ، قال : ح أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي قال : ح الأنصاري قال : ح أبو المعلى قال : ح أبو عثمان النهدي قال : سمعت سلمان الفارسي رضي الله عنه يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الله تعالى كريم يستحيي إذا رفع إليه العبد يديه أن يردهما صفرا حتى يضع فيهما خيرا » . قال الشيخ - رحمه الله - : الحياء من أوصاف الكرام ، واللئيم لا يكاد يستحيي ، والحياء يجمع معاني كبيرة ، فمنه الامتناع من الفعل الذميم ، والوصف القبيح ، ومنه الترفع مما يستثنيه ويذم عليه ، ومنه الخشية من أن يوصف بالقبيح من الوصف أو ينسب إلى الذميم من الفعل ، وكل هذه الأوصاف من أوصاف الكرام ، والحيي أيضا لا يكاد يستحيي إلا ممن له قدر وخطر ، ومن لا قدر له ولا خطر فقلما يستحيي منه ، والكريم المتحقق بأوصاف الكرام يدع ما يدعه تكرما في نفسه ، ويفعل ما يفعل فضلا من عنده ، ولا ينظر إلى ما يستحيى منه ، فيعطي من لا يستحق ، ويدع عقوبة من يستوجبها ؛ لأنه يرفع من صفة الحرمان ، قال الشاعر يمدح بعض الملوك بالكرم : يفضي حياء ويفضي عطاء من لا يستوعب لأنه يترفع من مهابة فما يكلم إلا حين شيم فوضع بالحياء في ترك عقوبة من يستوجب وإعطاء من لا يستوعب ؛ لأنه يترفع من صفة الحرمان لمن سأله ، ويتكرم من عقوبة من يتعرض للعفو منه . ولما كان الحياء من الكريم جاز أن يوصف الله به ؛ لأن الله تعالى كريم متفضل عفو غفور جواد وشكور ، فإذا رفع إليه العبد سائلا منه ، وطالبا فضله ، يتكرم عن أن يحرمه ، ويتعالى عن أن يرده ، وإن كان العبد لا يستوجب العطاء ، ولا يستأهل العفو ، وكان جل وعز ساخطا عليه غير راض عنه ، فهو تعالى يتفضل من عنده فيعطي من يستوجب الحرمان ، ويعفو عن العقوبة كرما منه وتفضلا ؛ لأنه جل وعز لا يرضى حرمان عبده وقد مد إليه يده سائلا منه مفتقرا إليه متعرضا بفضله مما لا ينقصه ولا يؤده ، ويعفو بمن يستوجب العقوبة وهو غير راض عنه ، ولا قابل منه ، وهو يفعل ذلك عمن تجلى عنده قدره ويعظم لديه خطره ، وهو المؤمن به المصدق له المقر له بالوحدانية ، المذعن له بالعبودية ، وإن كان يأتي من العصيان ما يستوجب به العقوبة ، ومن الفعل ما يستحق به الحرمان فهو جل وعز يجل قدر عبده المؤمن أن يرد يديه صفرا خائبتين وقد رفعهما إليه ، وهو جل وعز قد يعطي الكافر به ، والجاحد له والمشرك معه غيره بعض ما يسأله كرما منه وفضلا ، ويؤخر عقوبته ، ولا يعالجه بها إذا رفع إليه يديه ، وهو ساخط عليه مبغض له معرض عنه ، استدراجا له وإرادة السوء به ، لا لإجلاله ، ولا لقدره عنده وكرامته عليه ، بل لأنه جواد كريم متفضل حليم ، قال الله تعالى : ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون (1) ، ومثله كثير . فإذا كان الله تعالى لا يرد يد من يرفعها إليه صفرا ، وهو له عاص ولأمره تارك ، وعن أداء حقوقه معرض ، فما ظنك بمن يرفع إليه يديه مفتقرا إليه متذللا له معتذرا إليه مقبلا عليه يسأله سؤال المضطرين ، ويدعوه دعاء الغريق ، ويتضرع لعفوه تعرض من لا يستأهل لنفسه حالا لنفسه حالا ، ولا يرى لنفسه ، لا يرجو إلا فضله ، ولا يعتمد إلا على كرمه ، سبحان الكريم ذي الفضل العظيم . فمعنى الحياء من الله تعالى التكثر في الإعطاء من يستوجب الحرمان عند سؤاله منه ورفع يديه نحوه ، وترفعه وتعاليه تعالى عن حرمانه مما لا ينقصه عن عقوبته من يستوجبها ، وقد تعرض لعفوه وامتناعه عن العقوبة والحرمان . والله أعلم
بحر الفوائد المشهور بمعاني الاخبار · Hadith 237
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
