220 - وقد قال الله عز وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : « أيها الناس اربعوا (1) على أنفسكم ، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا ، ولكن تدعون سميعا بصيرا » حدثناه خلف بن محمد ، قال : ح إبراهيم بن معقل ، ح محمد بن إسماعيل ، ح سليمان بن حرب ، ح حماد ، عن أيوب ، عن أبي عثمان ، عن أبي موسى الأشعري ، قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر ، فكنا إذا علونا كبرنا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « أيها الناس أربعوا على أنفسكم » ، وذكره ويجوز أن يكون معنى قوله : « أم قريب أنت فأناجيك » أي : أنا في صفة البعد عنك والإقصاء أو بصفة القرب والإدناء ، كأنه يقول : باعدتني عنك وأقصيتني عن بابك سخطا علي فأناديك صارخا ، وأدعوك جاهرا مستغيثا من بعدك والفراق منك ، أو أدنيتني منك ، وقربتني إليك قبولا لي ، ورضا عني فأناجيك نجوى المقربين ، وأدعوك دعاء المستأنسين ، فكأنه أراد بعده عن الله وقربه منه ، وإن كان لفظ الخبر على لفظ بعد الله عنه وقربه منه ؛ لأن من بعدت عنه فقد بعد عنك ، ومن قربت منه فقد قرب منك ، فكأنه يقول : أبعدتني عنك أم أدنيتني منك ؟ فأوحى الله تعالى إليه : « أنا جليس من ذكرني » ، فكأنه يقول له : إن علامة من قربته مني وأدنيته إلي أن يكون ذاكرا لي ، فمن وجد نفسه لي ذاكرا ، فليعلم أني قربته مني ، كأني جليسه ، فكأنه عز وجل تلطف له ، ورأف به ، وتعطف عليه ، فأخبره عن أوصاف القرب ، إذ كان عليه السلام مقربه ومصطفاه وكليمه ومجتباه ، ووارى عنه أوصاف البعد فلم يخبره بعلامات من باعده عنه ، كما أخبره بعلامة من قربه منه عطفا عليه ، ولطفا به كيلا يوحشه إذ كان عليه السلام لا يطيق أن يسمع بأوصاف البعد ، وعلامات الإقصاء ، وأمارات الطرد ، ولأنه عليه السلام لم يكن بعيدا منه ، ولا كان عليه أوصاف من باعده الحق من نفسه عز وجل . ويجوز أن يكون معنى قوله : « أنا جليس من ذكرني » أخبره بقربه منه ، وتقريبه إياه ، كأنه يقول : كيف تكون بأوصاف البعد مني وأنت لي ذاكرا ، ومن كان لي ذاكرا كنت له جليسا ، أخبره بأنه منع بأبلغ غايات القرب ، وأقصى نهايات الدنو إليه ، كأنه يقول له : أنت مني بالقرب والدنو بمنزلة المرء من جليسه . ولم يقل في الحديث : إن من ذكرني جليسي ؛ لأنه لو كان كذلك لكانت الحالة مكتسبة ، ولم يكن فيه دلالة الخصوص والإفضال على من آثره الله ؛ لأن الله تعالى أجل من أن يرام مجالسته والدنو إليه من حيث البعد ، وإنما ذكر أنه هو الجليس إظهارا لفضله ، وتقربا إلى عبده ، ولطفا بذاكره ، كما قال تعالى ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم (2) ، وكما قال الله تعالى يحبهم ويحبونه (3) ، جل الله البر الرءوف الرحيم بعباده اللطيف الخبير
بحر الفوائد المشهور بمعاني الاخبار · Hadith 220
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
