198 - قال : ح عبد الله بن محمد قال : ح عبد الله بن حماد قال : ح يحيى بن بكير قال : حدثني يعقوب بن عبد الرحمن ، عن سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « من تولى قوما بغير إذن مواليه ، فعليه لعنة الله والملائكة ، ولا يقبل منه صرف (1) ، ولا عدل » قال الشيخ رحمه الله : المتولي بغير إذن مواليه رغبة عن مواليه ، ومن أنعم الله به عليه كافر للنعمة ، جاحد للحق ظالم ؛ لأنه وضع الولاء في غير موضعه ، وستر نعمة منعمه ، ومن كفر نعمة عباد الله ، فهو لكفران نعم الله أجدر ، وكافر النعمة ، ومولي الشكر غير منعمه ظالم ، وقد قال عز وجل : ألا لعنة الله على الظالمين (2) . فيجوز أن تكون اللعنة ها هنا العذاب ، والهوان ، والخزي في الكفار ، وللمؤمنين دخول النار للتأديب دون اللعنة التي هي الطرد ، والإياس من رحمة الله ، فإذا كانت الآية في الكفار ، فهو الطرد ، ولعنة الملائكة إبعادهم إياه عن الدعاء والاستغفار له ، وأنهم يتركونه من استغفار الله لهم ، فإن الملائكة عليهم السلام يستغفرون لمن في الأرض ، قال الله تعالى : يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض (3) ، وحملة العرش يستغفرون للتائبين من المؤمنين إلى قوله : فاغفر للذين تابوا (4) ، فيجوز أن تكون لعنة الملائكة لهؤلاء ، وإن كانوا في جملة المسلمين تركهم الاستغفار لهم . وأما الصرف ، والعدل ، فقد اختلف الناس في تفسيره ، فقال بعضهم : الصرف هو الفريضة ، والعدل هو التطوع ، وقال بعضهم : الصرف التطوع ، والعدل الفريضة ، وقال بعضهم : الصرف التوبة ، والعدل الفدية . فمن حمله على التوبة والفدية ، فهو معناه في الآخرة ، أي : لا يقبل منه توبة في الآخرة ، ولا فدية ، أي : لا يكون له فدية ، لا يجد فدية يفدي بها نفسه ، ولا تقبل توبته ، ويكون ذلك قوله تعالى : لا تنفعها شفاعة ، أي : لا يشفع لها شافع ، ثم لا تنفعها شفاعته كذلك قوله صلى الله عليه وسلم : « لا يقبل منه فدية » ، أي : ليس له ما يفدي به نفسه ، وتوبته في الآخرة لا تقبل ، فأما التوبة ، فإنها تقبل في الدنيا ، ويمحو الله تعالى السيئات بالحسنات ، ومن قبلت حسنته فداه الله تعالى يوم القيامة بأهل الأديان من اليهود ، والنصارى ، وبه جاء الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . ومما يدل على أنه أراد بالتوبة والفدية في الآخرة ، ما جاء في رواية علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : « من والى قوما بغير إذن مواليه ، فعليه لعنة الله ، والملائكة ، والناس أجمعين ، لا يقبل منه يوم القيامة صرف ، ولا عدل » ، ومن حمل معنى الصرف ، والعدل على الفريضة ، والتطوع ، فإن معناه ، أن لا يقبل فريضة قبول رضاء ، وتزكية ، وإن كان يقبل جزاء وثوابا ، لأن الله تعالى لا يظلم عباده مثقال ذرة ، وإن تك حسنة يضاعفها ، فكيف لا يقبل فريضة من أداها بشرائطها على قدر وسعه ، بل يجوز أن يعاقبه على معصيته إن شاء ، ويثيبه على أداء فريضته ، لا محالة ، ولو عاقبه على معصيته ولم يثبه على طاعته ، لكان مستوفيا حق نفسه من عبده غير موفيه حقه من نفسه ، وهذا غير لائق بالله وكرمه ، ولو كان الأمر كما يدعيه من يقول بالإحباط من المعتزلة لم يكن لقوله : خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا (5) ، معنى ؛ لأن أعماله الصالحة هذه أحبطتها السيئات ، فلم يبق إلا السيئات ، فإن أولوا السيئات بالصغائر عندهم لم يستقم ؛ لأن الصغائر مغفورة باجتناب الكبائر ، والمغفورة لا يجب أن تكون مثبتة إذا ، فصاحب الكبائر لا طاعة له عندهم ؛ لأن الكبائر تحبط طاعتهم ، ومجتنب الكبائر لا معصية له ، ولا ذنب ؛ لأن الصغائر مغفورة باجتناب الكبائر ، فمن هذا الذي خلط عملا صالحا ، وآخر سيئا ؟ وقولهم بالإحباط ينفي الكاتبين ، وينفي الوزن يوم القيامة ، وينفي الحساب ، وآيات من القرآن كثيرة يبطلها قولهم ، لأن الكاتبين أحدهما يكتب الحسنات ، والآخر السيئات ، والأخبار بهذا جاءت ، والوزن إنما هو للحسنات ، والسيئات ، فمن ثقلت موازينه بالحسنات نجا ، ومن ثقلت بالسيئات ، وخفت بالحسنات هلك ، فإذا لم يجتمع للعبد حسنات ، وسيئات فما معنى الوزن ؟ وما الذي يوزن ؟ ومن الذي استوت حسناته ، وسيئاته ، فصار من أصحاب الأعراف ؟ والأخبار في الوزن ، وأنه ميزان ، وله كفتان ، يوضع في إحديهما الحسنات ، وفي الأخرى السيئات كثيرة صحيحة ، وكل هذه الأشياء يبطلها القول بالإحباط . ومعنى قوله تعالى : لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي (6) إلى قوله : أن تحبط أعمالكم ، معناه عندنا : أي لا تثابون على محاورة النبي صلى الله عليه وسلم ، ومساءلته ، والاسترشاد منه ، والأخذ عنه ، والتعلم منه بالمخاطبة له إذا رفعتم أصواتكم فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم ، ولو أنهم خفضوا أصواتهم عند المساءلة ، والاسترشاد منه لأثيبوا على ذلك ثوابا كبيرا ، وأعطوا عليه أجرا عظيما ، فكأنهم أحبطوا أجورهم ، وخسروا ثوابهم ، وأبطلوا أعمالهم برفعهم أصواتهم فوق صوته ، وإن لم يحبط ذلك سائر أعمالهم . وكذلك قوله عز وجل : لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى (7) ، فيها أي : لا تفوتوا أنفسكم ثوابها ، ولا تذهبوا بأجوركم على الصدقات بالمن بها ، والأذى ، والله أعلم . وأما غفران السيئات باجتناب الكبائر ، فيجوز أن يكون المراد بالكبائر الشرك ، فيكون ما دون الشرك ، يجوز غفرانها ، ويجوز العقوبة عليها مدة معلومة ، ثم يتوبون بحسناتهم ، وإيمانهم ثوابا دائما ، وقد قرأ بعضهم : ( إن يجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ) ، فيكون معناه الشرك ، والكفر ، كما قال الله تعالى : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء (8) ، فيكون ما دون الشرك مغفورا إما بالمشيئة ، وإما بالشفاعة ، وإما بدخول النار إلى مدة ، ثم الجنة من وراء ذلك بالإيمان ، والثواب بسائر الأعمال على قدرها . وأما على قراءة العامة ، فيكون معنى الكبائر على معنى أن الكفر ، والشرك أنواع : اليهودية ، والنصرانية ، والمجوسية ، والقول بالدهر ، والتثنية ، والتخميس ، وسائر أنواع الكفر والشرك ، فكلها كبائر ، وكلها شرك ويجوز أن يكون معنى قوله : كبائر ما تنهون عنه (9) ، الشرك ، ويكون معنى الجمع بمعنى وفاق الخطاب ؛ لأن الخطاب ورد على الجمع ، لقوله تعالى : إن تجتنبوا وقوله عز وجل : تنهون عنه ، فيجوز أن يكون جمع الكبائر لذلك ؛ لأن كبيرة كل واحد إذا جمعت إلى كبيرة صاحبه صارت كبائر ، وإن كان الشرك كله عملا واحدا فإذا كان كذلك ، فلا يكون معنى قوله صلى الله عليه وسلم : « لا يقبل الله منه فريضة ، ولا نافلة » نفيه ، بل يقبل فرائضه ، ونوافله قبول ثواب عليها ، وإن لم يقبل قبول ثناء عليه بها . ويجوز أن يكون معناه ، أي : لا يقبل فرائضه قبولا يكفر بها هذه السيئة التي هي التولي بغير مواليه ، وإن كانت صلواته مكفرة لغيرها من السيئات ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « الصلوات الخمس كفارة ما بينها »
بحر الفوائد المشهور بمعاني الاخبار · Hadith 198
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
