192 - قال : ح محمود بن إسحاق الخزاعي قال : ح أحمد بن حاتم السلمي قال : ح القعنبي قال : ح عبد العزيز ، عن يحيى بن عبيد الله ، عن أبيه ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة : شيخ زان ، وإمام كذاب ، وعائل مزهو » قال الشيخ رحمه الله : خص رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة هؤلاء الثلاثة من بين كثير من الناس من مرتكبي المعاصي ، ومواقعي المناهي بإعراض الله عنهم ، وحرمانه إياهم رحمته التي وسعت كل شيء ، فيجوز أن يكون ذلك لقلة إصرارهم في ارتكاب ما ارتكبوه ، وإتيان ما أتوه ، وأن ذلك كان منهم شرها فيهم ، وقلة مبالاة ، ورداءة طبع ، إن الزنا أن يكون من غلبة الشهوة على الإنسان ، ومنازعتها إياه ، وضعفه عن مقاومتها في الصبر عليها ، وذلك إنما يكون في حال الشباب ، وحداثة السن ، وقوة الطبع ، وضعف العقل ، ورقة الحال ، وقلة العلم ، فيكون أسباب المعصية قوية ، وأسباب العصمة دونها ، فيتغلب العبد ، فيواقع المنتهى . وأما الشيخ فيكون بخلاف هذه الأحوال ، ولا يكون له هذه الأغرار ، وقد تم عقله ، وقويت حاله ، وبلغ علمه وحلمه ، وسكنت حدة شهوته ، وضعفت قوة طباعه ، وقويت فيه دواعي العقل ، وآلات الامتناع ، وضعفت آلات الهوى ، ودواعي الشهوات ، فارتكابه في هذه الحال ما نهي عنه من الزنا ، ليس إلا بسبب الاستخفاف ، وقلة المبالاة ، ورداءة الطبع ، وقسوة القلب ، وانطماس نور الهدى ، وإعراضها عن رعاية حق المولى ، فيجازيه في القيامة ، إن لم يكن له منه الحسنى ، فيعرض عنه في الآخرة كإعراضه الذي كان عنه في الدنيا . والكذب إنما يكون من الإنسان لدفع مضرة ، أو لجلب منفعة فيما يخيل إليه ، يخاف شيئا مما يحبه أن يفوته ، أو يرجوه أن يصيبه ، ويخيل إليه أن أحدا من الناس يحجزه عنه ، أو يمنعه ، أعني الكذب ، رهبة من إنسان ، أو رغبة فيه ، فيكذب له ، والإمام ليس فوقه من الناس أحد يرجوه ، أو يخافه ، فلا عذر له في كذبه ، فكذبه لسوء طبعه ، ورداءة حاله ، واستخفافه بحق الله في الوقوف على حدوده ، فيجازيه ربه يوم لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا على سوء سيرته حين ملكه الله ، ومكنه من دفع كثير من المضار عن نفسه ، وجلب المنافع إليها بما خوله من نعمه ، وآتاه من سلطانه . والزهو هو الترفع والتكبر والإزراء ممن دونه ، والاستخفاف بعباد الله ، ودواعي هذه الأسباب الاستغناء ، وقلة الحاجة ، والإمكان من بلوغ ما يتمناه ، ونيل ما يشتهيه ، وحاجة الناس إليه ، ورغبتهم فيه ، وخدمتهم إياه ، واستكانتهم له ، فتدعوه هذه الأسباب إلى نظره إلى نفسه ، وإعجابه بها ، فيزهو ، والعائل هو الفقير ليس له هذه الدواعي ، ولا معه هذه الآلات ، فلا عذر له في زهوه ، فزهوه ، وترفعه في غير ذات الله رداءة فيه ، وقلة معرفة بالله ، ومنازعة منه لربه فيما هو له دون خلقه ، فيعرض الله عنه إن لم يرحمه إهانة له جزاء على إعراضه عن عباده المؤمنين ، واستهانته بحقوقهم . ففي الحديث دلالة على كرم الله في قبول أعذار العباد فيما يكون منهم من المخالفات من ارتكاب مناهيه ، وإتيان معاصيه إذا رجعوا إليه تائبين ، أو وردوا على الله على إيمانهم ثابتين ، أو يعفو ويغفر لهم ما كان منهم عند غلبة الشهوة المركبة فيهم إياهم ، وتزيين العدو لهم ، وبسط الأمل في الرجوع إلى الله رجاء المدة في ذلك ، ودلالة على كرمه في قبول أعذارهم عند ضروراتهم ، وحاجاتهم في نيل ما إليه حاجاتهم ، والخوف من لحوق الضرر بهم لضعف البشرية ، وعجز الإنسانية ، وفي النظر لأنفسهم ، واغترارهم بالأسباب الحاملة لهم عن الحاجة . فكأنه عز وجل بسط عذرهم ، ودلهم على موضع اللقاء له ، وطلب العذر إليه ، كما يقال لمن أتى ما نهى الله عنه : ما الذي حملك على ذلك ؟ فيقول : خدعني فلان ، وغرني كذا ، وظننت كذا ، ورجوت كذا ، أو خفت كذا ، فيقال له : قد عذرناك ، وقبلناك ، وتجاوزنا عنك . وروي عن بعض الصحابة ، أو من دونه من الكبار ، أنه قرأ : ما غرك بربك الكريم (1) قال : غرني عفوك يا سيدي . وقال آخر : غرتني نفسي الأمارة بالسوء ، وخدعني بالأمل العدو . وقال آخر : غرني حلمك عني . فكل هذه أعذار للمؤمنين فيما كان منهم من زلاتهم ، ودلالة على الله تعالى بإقالة عثراته ، وينعشه عند سقطاته إذا علق له ، واعتذر إليه ، وأنه لا يهلك على ربه الكريم إلا لسلفه اللئيم ، وفي الحديث دلالة على أن الشاب الذي يغلبه قوة شهوته ، وغرته شبابه ، وسلطان الهوى عليه ، وكل من أتى محظورا ، أو ارتكب نهيا في حال غلبة الدواعي له إليه ، وسلطان الهوى عليه أعذر ، وإلى الرجوع إلى الله إذا سكنت حدته ، وضعف قوته أجدر ، والله تعالى يتجاوز له ، ويعفو له ما لا يفعل ذلك بمن تمت حجة الله عليه في المدة التي جعلها له في رجوعه إليه . قال النبي صلى الله عليه وسلم : « من عمره الله ستين سنة ، فقد أعذر إليه في العمر »
بحر الفوائد المشهور بمعاني الاخبار · Hadith 192
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
