180 - قال أبو محمد وزادني في هذا الحديث أحمد بن عبد الله بن نصر بن بحير القاضي بن محمد بن أحمد بن عصمة الرملي حدثه ، ح سوار بن عمارة ، حدثني هقل ، عن الأوزاعي ، حدثني الزهري ، حدثني سعيد بن المسيب ، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، وعروة بن الزبير ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا يزني الزاني وهو حين يزني مؤمن ، ولا يسرق السارق وهو حين يسرق مؤمن ، ولا يشرب الخمر وهو حين يشربها مؤمن ، ولا ينهب نهبة ذات شرف (1) يرفع المؤمنون إليه فيها أبصارهم وهو حين ينتهبها مؤمن » ، قال : فقلت للزهري فإن لم يكن مؤمنا فمه ؟ قال : فنفر عن ذلك وقال : أمروا الأحاديث كما أمرها من قبلكم ، فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورضي الله عنهم أمروها قال الشيخ رحمه الله : : قول الزهري : أمروا الأحاديث كما أمرها من قبلكم تسليم لأمر الله تعالى ، وانقياد لرسول الله ، وتصديق له ، وإيمان به فيما علم وجهل ، وترك الاعتراض على الله ورسوله ، والحكم عليهما بالعقول الضعيفة ، والأفهام السخيفة ، إيمانا بالله ورسوله ، وتصديقا لهما ، وتوكيلا لعلم تأويل ما جهلناه إلى الله ورسوله ، والقدوة فيه أبو بكر وعمر ، وعبد الله بن مسعود ، ومعاذ بن جبل ، وسلمان رضي الله عنهم ، وكثير من العلماء كالزهري ، والأوزاعي ، ومالك بن أنس ، وسفيان الثوري رحمه الله . وكذلك قولهم في الأخبار المتشابهة ، لا يردونها رد منكر جاحد ، ولا يتأولونها تأويل متحكم متكلف ، بل يؤمنون بها إيمان مصدق مسلم ، ويرونها رواية فقيه مسلم ، وقد تأولها قوم من فقهاء الصحابة والتابعين ، وسائر فقهاء المسلمين ، وعلماء الدين على ما يليق بالله ورسوله من غير تشبيه ولا تعطيل ، ولا تكذيب بتحريف تأويل طلبا للحكمة فيها على قدر أفهامهم ، ومبلغ عقولهم ، ونور أسرارهم ، وشرح صدورهم ، بانتزاع التأويل من الكتاب والسنة ، وأقاويل فقهاء الأمة ، وعلى قدر الحكمة التي يهب الله منها من يشاء ، ويؤتها من يريد ، ومن أوتيها فقد أوتي خيرا كثيرا . فيجوز أن يكون تأويل قوله صلى الله عليه وسلم : « لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن » أي : لا يزني وهو في حين ما يزني مكاشف في إيمانه ، مشاهد لما آمن به بإيقانه ، بل هو في وقت فعله ذلك عن تحقيق إيمانه محجوب ، وبغلبة شهوته عن شهود إيقانه مسلوب ، فإيمانه في قلبه من جهة العقد ثابت ، ونور إيمانه من جهة اليقين مطموس ؛ لأن الموصوفين بالإيمان على ثلاث طبقات فمنهم : ناطق بكلمة الإخلاص محجوب القلب فيه عن صدق الإخلاص ، فهو مؤمن العلانية كافر السريرة ، قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله (2) وناطق بكلمة التقوى منطو في سره على صدق الدعوى ، أقر بلسانه وأخلص لحياته ، مضطرب الحال فيما يوجبه إيمانه ، فمرة بالجنة موصوف ، وأخرى بالكشوف معروف ، لم يلبس إيمانه بظلم ، ولم يجرده بيقين شهوده حقيقة علم ، فهو مؤمن العلانية مؤمن السريرة مخلط الفعل ، قال الله تعالى وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا (3) ، وقال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون (4) ، وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود (5) طولب هؤلاء بوفاء ما صحت به عقيدتهم ، وصدقت قولهم سريرتهم ، فدل أنهم في حجبة عما نطقوا به واعتقدوه ، ومقر بلا إله إلا الله ، قد أسقط عن سره ما دون الله ، وأقبل بكليته على الله ، وأسرع بسيره إلى الله بكشوف إيمانه ، وصدق إيقانه ، حجبه إيمانه عن كثير من لذاته ، وصرفه إيقانه عن شهواته ، فهو يشاهد ما آمن به كأنه رأى عيانا ، فيرى ما غلب عن بصره بعين ، كما قال حارثة : كأني أنظر إلى عرش ربي بارزا ، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتنعمون ، وإلى أهل النار يعذبون ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « عبد نور الله قلبه » ، وفي رواية أخرى : « عبد نور الله الإيمان في قلبه » ، فهذا المكاشف بالإيمان شهودا لما آمن به ، قال الله تعالى إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم (6) ، فمن كان بهذه الصفة ، فهو محجوب بإيمانه عن الزنا والسرقة ، وشرب الخمر ، وانتهاب نهبة ذات شرف ، ومن حجب عن إيمانه بظلمة غفلته ، ودخان شهوته ربما واقع هذه الأعمال ووصف بهذه الخصال ما بلغ من حق إيمانه أن أسقط إباحتها من سره لم يبلغ حقيقة حقه أن يجانبها بعقله ، فهو في وقت مواقعتها والإتيان بها غير موصوف بحقيقة حق الإيمان ، وإن كان موصوفا بصدق الإيمان ، فهو مؤمن إيمان عقود ، وليس بمؤمن إيمان شهود ففي قوله صلى الله عليه وسلم : « لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن » معنيان : أحدهما : كالعذر له ، كأنه يقول : لم يزن الزاني حين يزني جحودا واستكبارا ، ولكنه فعل ذلك حجة واستتارا والمعنى الآخر : كالتحذير عن مبالغة الهوى ، والانهماك في الشهوات والمنى ، كأنه يقول : غفلة ساعة واتباع شهوة حجبته عن حقيقة إيقانه ، فغير مأمون إن دامت غفلته ، واستحكمت فيه شهوته أن يزيله شؤم فعله عن حقيقة إيمانه ، فالزنا عبارة عن جميع شهوات النفس المحظورة المحرمة ، والشرف عبارة عن الرغبة في الدنيا مما حرم الله تعالى ، وشرب الخمر عبارة عن الغفلة عن الله تعالى ، والانتهاب عبارة عن الحرص فيما حرم الله تعالى ، ففيه تحذير عن متابعة الشهوات والرغبة في اللذات والغفلة عن الله والحرص فيما حرم الله تعالى ، والاستخفاف بأولياء الله تعالى ؛ لأن المنتهب نهبته رفع المؤمنين أبصارهم مستخف بهم غير مقر لهم ، ولا معظم حقهم
بحر الفوائد المشهور بمعاني الاخبار · Hadith 180
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
